ثقافة فعل الخير أخبار الشبيبة

    • ثقافة فعل الخير أخبار الشبيبة

      نيكولاس كريستوف

      بدأ الأمر كله في توقف عند إشارة مرور. حيث كان كيفين سالوين، الكاتب، والناشط الاجتماعي في ولاية أطلنطا، يقود سيارته،عائدا بابنته هاناه، ذات الأربعة عشر عاما، إلى المنزل. وبينما السيارة واقفة عند إشارة المرور، شاهدا سيارة مرسيدس كوبيه سوداء على جانب الشارع، وشاهدا على الجانب الآخر متشردا يتسول لقمة عيشه. قالت هاناه متبرمة:" لو أن هذا الرجل رضي بسيارة أقل فخامة من هذه، لتمكن الرجل الفقير من الحصول على وجبة يسد بها رمقه." وتغير لون مصباح إشارة المرور وسارا الاثنان بالسيارة، لكن هاناه كانت أصغر من أن تبدو منطقية في تبرمها. وأزعجت والديها سخطا من عدم المساواة ، مصرة على أنها أرادت أن تفعل شيئا. سألتها والدتها:" ماذا تريدين أن نفعل ؟ نبيع منزلنا؟"

      تحذير: لا تقترحوا أبدا بدارة كبيرة أمام مراهق مثالي القيم . لقد اقتنصت هاناه فكرة أن تبيع الأسرة المنزل الفخم و أن تتبرع بنصف القيمة لمؤسسة خيرية، بينما تشتري الأسرة بالنصف الثاني من ثمن المنزل الفخم منزلا آخر متوسط الفخامة. وفي النهاية، فعلت الأسرة هذا!! وهذا المشروع، المجنون والعظيم في الوقت نفسه، تم شرحه بالتفصيل في كتاب حرره الأب وابنته ، من المقرر أن يصدر الشهر القادم بعنوان "قوة النصف". وهو كتاب، سأخاف، بصراحة، أن أتركه في مكان ما في المنزل ، بحيث يعثر عليه أطفالي. فبمجرد أن يقرأه طفل أو مراهق، تأكدوا من أن الشيء التالي مباشرة هو خروجنا من المنزل للشارع.

      وفي وقت تعددت فيه الحاجات وكثرت في هايتي وفي كل مكان آخر،، عندما يحاول الكثير من الأمريكان مساعدة الهايتيين بإرسال كل شيء، من الرسائل النصية القصيرة إلى الأحذية، يقدم لنا الرجل وابنته نموذجا لأسرة تعاضدت لتصنع اختلافا كبيرا- بالنسبة لهم وبالنسبة لمن يحاولون المساعدة . وكان سالوين وزوجته جوان يعتقدان دوما أن أطفالهما سيعيشون حياة أفضل لو كان المنزل أكبر. لكن بعدما نفذت الأسرة مشروعها وباعت المنزل الفخم واشترت منزلا صغيرا ، لم تكن هناك مساحة كبيرة فيه ، لذا وجدت الأسرة نفسها مع أفرادها مرتبطين ببعضهم معظم الوقت. واتضح أن المنزل الأصغر منزلا مناسبا أكثر للعائلة، أثبت أنه منزل صديق. قال لي سالوين:" لقد ضحينا ببعض الأشياء وفي المقابل تلاحمنا وتماسكنا كأسرة، وأنا أتعجب لم لا تفعل كل الناس ذلك؟"

      وأحد الأسباب الرئيسة وراء ذلك التعاضد الأسري كانت تلك العملية المعقدة لاتخاذ قرار كيفية إنفاق المال. وتفحصت العائلة كل الجمعيات الخيرية والقضايا الإنسانية، واستقرت في النهاية على إعطاء المال لمشروع خيري اسمه "مشروع محاربة الجوع"، وهو مشروع تقوم عليه منظمة تنمية عالمية مقرها مدينة نيويورك، لها تاريخ حميد في محاربة الجوع عالميا. وتعهدت أسرة سالوين بدفع مبلغ 800 ألف دولار، لرعاية برامج الصحة والقروض المصغرة وغيرها من البرامج في أكثر من 40 قرية في غانا. وسافرت الأسرة إلى غانا، مع الرئيس التنفيذي لمشروع محاربة الجوع، جون كونروود، وهو شعلة من الإلهام والطموح لحاله.

      لكن مبادرة عائلة سالوين لم تمض في طريق ممهد تماما. فلقد انتصرت هاناه لفكرتها وأقنعت بها والديها، لكن أخيها الأصغر جو كان طفلا عنيدا لم يقتنع أبدا أن الحياة ستتحسن لو انتقلت الأسرة إلى منزل أصغر ، وأعطت الأسرة المال للفقراء. وناور الفتى وحاور طويلا ليرجع الأسرة عن فكرتها التي رآها طائشة. أيضا واجهت الأسرة مشكلات تصرف بعض الناس بسلبية اتجاه مشروعهم. بل أن البعض قال عنهم إنهم من النوع المتباهي ، أو كالطاووس يفرد ريشه خيلاء. لكن هناك من الناس من نظر نظرة إيجابية للأمر. فالناس الذين اشتروا من الأسرة منزلها الجديد الصغير تأثروا عندما علموا أين ستذهب أموال المنزل القديم الفخم ، وتبرعوا بمبلغ 100 ألف من ثمن البيت الجديد لمشروع محاربة الجوع. أيضا خصصت احدى صديقات هاناه نصف المبلغ الذي يأتيها من عملها بعد المدرسة كجليسة أطفال لاحدى الجمعيات المهتمة بالبيئة.

      ويقول أل سالوين عن وضع كتابهم "قوة النصف" إن الهدف منه لم يكن حمل الناس على بيع منازلهم. هم يعرفون أن عددا قليلا من الناس بمثل هذا "الجنون" (جنونهم). لكن الهدف من كتابة هذا الكتاب هو تشجيع الناس على الخروج من طاحونة الكسب، على أن يعرفوا أنفسهم وفق ما يعطونه وما يفعلون ذلك وفق ما يملكونه. قالت هاناه:" لا أحد يتوقع من أحد أن يبيع منزله. لكن بالنسبة لنا كان منزلنا مجرد شيء يمكننا أن نعيش بدونه. كان كبيرا جدا علينا. وكل واحد يمتلك الكثير من شيء ما ، سواء كان هذا الشيء الوقت أو الموهبة أو المال. كل واحد لديه ما يقدر أن يستغنى عنه، فقط علينا أن نفتش داخلنا." أما بالنسبة لرب الأسرة، فهو سعيد عما تكشفت طياته بعد توقفه تلك المرة في إشارة المرور.

      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية