تركيا تواصل سياسة الانفتاح على العالم ال3

    • تركيا تواصل سياسة الانفتاح على العالم ال

      لندن - يسري حسين :
      تطمح تركيا رجب طيب أردوجان , في تقوية حزام إقليمي يتجه نحو العالم العربي ومنطقة الخليج , عبوراً على تاريخ طويل من الخلافات والتراشق منذ خلع < أنقرة > لرداء الخلافة والاتجاه نحو أوروبا والتناقض مع تراث طويل على ساحة الشرق العربي وسجل من وجود الدولة العثمانية .
      العودة التركية ترسخ نظام الحزب الحاكم , وأنه يعمل لمصلحة بلاده , على عكس ما تدعي القوى الأخرى التي تتخفى وراء المؤسسة العسكرية لترويج مبدأ حماية نظام كمال أتاتورك , الذي فكك الخلافة وأكد أن مستقبل بلاده مع أوروبا أولاً وأخيراً . ويحاول حزب العدالة والتنمية استكمال طرفي المعادلة بالعمل مع دول الجوار العربية والتمدد في الشرق الأوسط بمساندة طفرة اقتصادية , مع تطلع تركيا إلى تلك الأسواق الحيوية التي بدأت تغمرها البضائع التركية وخبراتها ونشاطها الاقتصادي .
      يلتف أردوجان حول مطالب بإلغاء حزبه بهذه المناورة الناجحة تجاه العراق . وقد بدأ سياسة الشرق أوسطية العربية في علاقة مع سوريا ومحاولة شدها بعيداً عن إيران , منافس < أنقرة > القوي على الساحة العربية والخليجية . وبينما تستغرق طهران نفسها في الخطاب الديني والتوجه الأيدلوجي وتحالفات على هذه القاعدة , تنشط < تركيا > نحو الآخر العربي بدور وساطة بين سوريا وإسرائيل , وهي بهذه المعادلة تعزز من تحالفاتها الإسرائيلية التاريخية الطويلة , فالحزب الذي يرفع راية الإسلام , يهتم أولاً بمصالح بلاده وعلاقات وتحالفات عميقة , ولا يتناقض مع الجانب الإسرائيلي , بل يدعو إلى تطبيع مع أشد خصومه في المنطقة بالتركيز على حوار مع سوريا .
      والعلاقات السورية التركية تتجه لحل خلافات طويلة حول لواء الإسكندرونة , وترى دمشق في انفتاحها على الميار التركية , فرصة لتجديد الارتباط بالساحة الدولية مع تحريك ملف السلام على جبهة الجولان , مع تلويح إسرائيلي بإعادته إلى السيادة السورية مرة أخرى . وتبدو القضية تمضي في نطاق التحريك السياسي , حيث تُظهر دمشق حرصها على التفاوض والخروج من دائرة الدول المارقة , على الرغم من أنها حتى الآن لا تزال على علاقة وثيقة بخطاب طهران وحزب الله وحركة حماس في غزة . تلعب تركيا بقوة في فترة الانتقال إلى إدارة جديدة في واشنطن , وهي تعزز علاقاتها الإقليمية بالانفتاح على دمشق وبغداد , مع بقاء تعهداتها بشأن إسرائيل . وهذا ميزان صعب للغاية يتولاه رئيس الوزراء التركي رجب أردوجان بمهارة شديدة لجذب الرأي العام في بلاده إلى حزبه وإدارته وقدرته على تهدئة الملفات الساخنة وإقامة علاقات وتصالح مع عالم عربي تسوده تيارات مختلفة , ويقلق من الجار الإقليمي < إيران > ويتشكك فيه , نتيجة الالتزام الأيدلوجي والمذهبي والتطلع إلى استعدادات ودور عسكري , وصعوبات وتعقيدات نتيجة لبرنامج نووي يخشى الكل في الخليج من عواقبه إذا تجاوز نطاقه السلمي .
      ولا يحتج الغرب بدوره على الحركة التركية لموافقته على نهج إسلامي يعتمد على البرلمان والانتخابات ويتجه نحو التنمية والتصنيع والتصدير ويدفع بكل قوته في تعزيز أهداف حلف < الناتو > مع إقامة علاقات وثيقة بالجانب الإسرائيلي , كما يسعى لدور الوساطة من أجل سلام في المنطقة ينهي الخلافات والحروب .
      تركيا أردوجان , تتقدم إلى دمشق وبغداد بهذه الأجندة والتزاماتها متطلعة إلى التعاون الاقتصادي , لفتح الأسواق الخليجية أمام بضائعها وإنتاج مصانعها وتجارتها .
      ولا توجد حساسية الآن في العالم العربي من دور تركي نشيط في مرحلة رجب طيب أردوجان , الذي يقود هذه العملية بمهارة فائقة , تعبر عن مقدرة سياسية والرد على التحديات الداخلية وتكتلات القوى العلمانية بهذا الحضور القوي في سوريا والعراق ومناطق الخليج المختلفة .
      وقد استطاعت < أنقرة > بالكثير من الجهد والعمل , تحييد كردستان في شمال العراق بشأن صراعها مع حزب العمال التركي الكردستاني , الذي يقود الكفاح المسلح ضد تركيا بسبب مطالبه القوية في اتجاه تكوين دولة تركية . ويبدو أن السياسيين في آربيل والسلمانية توصلوا إلى قناعة تعزز حكمهم الإقليمي خلال الوقت الراهن شمال العراق , وأنه من الخطأ تصعيد مواجهة مع الجيش التركي , الذي دخل أكثر من مرة الأراضي العراقية لقصف المواقع العسكرية التابعة للحركة الكردستانية المناهضة للحكومة التركية .
      أراد أردوجان , الرد على تحديات تحاول تفكيك حزبه , بالسفر إلى بغداد والتوصل إلى اتفاقات مع نوري المالكي نظيره العراقي بشأن علاقات اقتصادية أوثق في المستقبل , تجني تركيا ثمارها عبر تصدير بضائعها إلى الجار العراقي , مع علاقات أفضل بإقليم كردستان , في ظل تصور استراتيجي يتعامل مع الحزب العمالي الكردستاني التركي , لا يؤدي في الوقت الراهن إلى صدام مع أنقرة .
      هذا النشاط التركي يتم في ظل ترحيب أوروبي , فإذا كان الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي , يسعى لتجميع دول حوض المتوسط في إطار من التعاون والتكامل لمواجهة قضايا الهجرة والإرهاب والتنمية الاقتصادية , فإن تركيا في المقابل تسعى في داخل دائرة الخليج والعراق بالذات , على أمل موازنة النشاط الإيراني ومحاولة إبعاد نفوذه بالكامل وحصاره بهذا الحضور التركي المنتمي لحلف < الناتو > وصاحب العلاقة القوية مع إسرائيل .
      دور تركيا يعود لإحياء مشروعات قديمة في التعامل مع العالم العربي . ويبدو أن الخوف من شبح إيراني لديه برنامجه النووي , يدفع في اتجاه < أنقرة > وتحالفاتها السياسية وتناغمها مع سياسة الولايات المتحدة وطموحها القوي بأن تنقل صوت أوروبا إلى العرب والشرق الأوسط , مع أملها دخول الاتحاد الأوروبي نفسه وهي تحمل هذه الورقة الرابحة والإستراتيجية .

      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية