الإنذارات الإسرائيلية بالحرب..كيف نواجهه

    • الإنذارات الإسرائيلية بالحرب..كيف نواجهه

      أحمــد المرشــد

      في مجمل رده عن احتمال تعرض لبنان لضربة عسكرية إسرائيلية، قال سعد الحريري رئيس وزراء لبنان أثناء زيارته لباريس إن بلاده تحترم القرار 1701 وتطبقه بالتعاون مع قوات اليونيفيل الدولية العاملة في لبنان، ولكن المشكلة تكمن في تهرب إسرائيل من الالتزام بتطبيق بنود نفس القرار وتواصل خروقاتها له. الحريري أثبت حاجة المنطقة كلها للسلام الجاد الذي يوفر الاستقرار للجميع، هذا السلام بعيد المنال الآن، حتى أن إسرائيل وأمريكا رفضتا معا اقتراح الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي بعقد مؤتمر دولي للسلام تستضيفه باريس، يكون هدفه الأول التوصل إلى اتفاقيات سلام تنهي حالة الجمود الحالية التي تتعرض المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية والسورية الإسرائيلية.

      هذه اللهجة المعتدلة التي تحدث بها الحريري في باريس ربما تتنافض مع حالة الغليان السياسي في لبنان سواء المتعلقة بالجدل حول تغيير بعض الدستور وإلغاء الطائفية وتعديل سن الاقتراع وتوسيع عدد دوائر بيروت الانتخابية , أو المرتبطة بالحديث المتزايد عن استعدادات إسرائيل لتوجيه ضربة عسكرية موجعة إلى الأراضي اللبنانية. وقد يكون مبعث هدوء الحريري في لهجته يعود إلى رسالة الطمأنة التي حصل عليها من باريس ، بأنه ليس هناك تهديدات جدية للبنان ولا خطر عليه من عملية إسرائيلية بعكس ما تتناقلته التقارير في لبنان وإسرائيل.

      ومن ضمن رسائل التطمينات الفرنسية للحريري هي تأكيد ساركوزي على أن من حق لبنان ( الدولة) الحصول على السلاح الذي يريده ثقيلا أو خفيفا للدفاع عن سيادته واستقلاله، وأن لبنان مسموح له أن يتوفر لديه ما يريده من السلاح. وبهذا الوعد، تلغي فرنسا ولو بصورة غير رسمية سببا رئيسا لعدم مد لبنان بالسلاح في السابق، وهذا السبب يتعلق بمخاوفها من وصول السلاح إلى حزب الله. وهنا تعلن فرنسا عن إدراكها الجاد بأن امداداتها من السلاح إلى لبنان الدولة سيصل مباشرة إلى الجيش وليس إلى حزب الله.

      والمؤكد في الوقت الراهن ، أن فرنسا لم تكتف برسائل تطمينات لبيروت فقط ، ولكنها زادت بأن تعهدت بالسعي لمنع إسرائيل من ضرب البنية الأساسية اللبنانية..مع ضرورة – وهذا هو الأهم – أن تجتهد الدولة اللبنانية في ضبط الوضع الداخلي ومنع أي استفزازات تكون ذريعة للطرف الإسرائيلي لشن هجوم واسع النطاق على لبنان.

      وهذا يقودنا إلى الحديث عن الدور السعودي المهم والضاغط على الولايات المتحدة لمنع أية ضربة إسرائيلية محتملة ضد لبنان، وهو ما يؤكد صدق التقارير التي تتردد في تل أبيب وبيروت وبقية العواصم العربية وتعززها تقارير استخبارية تركية من تحضيرات إسرائيلية لضربة عسكرية توجه ضد لبنان. فالسعودية وقبل أيام قليلة استضافت القمة السعودية – السورية والتي كان من شـأنها التنسيق بين مواقف البلدين حيال دعم لبنان والنهوض به من عثراته التنموية ومساعدته على تجاوزها للبدء في إعادة بنائه ، وليس أقل من هذا لفت الإنتباه إلى علاقة دمشق الممتازة بحزب الله وقدرتها على منعه من توجيه أية استفزازات تكون ذريعة للآلة العسكرية الإسرائيلية لتصفية حسابات داخلية على حساب لبنان.

      وبعيدا عن التقارير التركية التي نقلتها تركيا إلى لبنان وسوريا عن استعدادات إسرائيلية، فكل الإشارات تنبئ بالحوادث الوخيمة، خاصة في ظل التصريحات الإسرائيلية مثل إعلان الوزير الصهيوني يوسي بيليد بأن حربا جديدة في لبنان هي مسألة حتمية لأن أداء كل من إسرائيل وحزب الله سيؤدي إلى حرب بين الطرفين، وأن إسرائيل تسير باتجاه مواجهة في الشمال. ونلمس من هذه التصريحات الاستفزازية أن يوسي بيليد يحاول توجيه اللوم إلى الحكومة اللبنانية لأنها لم تعمل على احتواء حزب الله الذي لا يزال بعيدا عن السلطة القانونية المنتخبة، وأن الحكومة اللبنانية تسمح لإيران وسوريا بدعمه ليكون دولة شبيهة في طبيعتها للنظام الموجود اليوم في إيران.

      والخطر في تهديد يوسي بيليد ليس في كلامه المرسل فقط، وإنما لتحديده لنوعية الضربة المحتملة بحكم خبرته السابقة كقائد سابق للجيش الإسرائيلي عن منطقة الشمال. فهو حدد أن الضربة يجب أن تكون برية وصولا إلى مواقع الصواريخ الخاصة بحزب الله، كي يتمكن الجيش الإسرائيلي من وقف هذه الصواريخ بصورة نهائية..وهو الذي لمح في الوقت ذاته إلى أن الضربة لن تكون عبر توجيه القذائف الصاروخية فقط تجاه الأراضي اللبنانية حتى لا تمنح رجال حزب الله فرصة للتقهقر للخلف والهرب بمنصات صواريخهم .

      وتكمن خطورة تصريحات يوسي بيليد فى نية إسرائيل باعادة احتلال لبنان بعد اختراق حدوده والتجول في أراضيه وصولا إلى صواريخ حزب الله. مكمن خطورة آخر في تصريحات الجنرال الإسرائيلي المتعطش للدماء اللبنانية وهو أن إسرائيل ستتذرع بضرب لبنان باكثر من ذريعة:

      - الأولي: القضاء على الآلة العسكرية لحزب الله الذي يتزعم حركات المقاومة في المنطقة.

      - الثانية: القضاء على حزب الله كدولة شبيهة لإيران، في رسالة تمهيدية لقادة إيران بأن ذراعهم العسكري في لبنان أصبح وكأن لم يكن وأنه وكما دخلنا لبنان ودمرنا حزب الله ، فإننا قادرون أيضا على توجيه ضربة للأراضي اللبنانية.

      مشكلتنا نحن العرب عموما واللبنانيين خصوصا، أننا نعلم أن التصريحات الإسرائيلية المتكررة حول حرب محتملة قادمة لا تأتي من فراغ، ولكن هؤلاء المسؤولين في الدولة العبرية وخاصة العسكريين منهم ، لم يكفوا أبدا عن الحديث بشأن الحرب والتحذير من مواجهة الآلة العسكرية الإسرائيلية والتعرض لنيرانها الحارقة المدمرة. فهم وكما يقول لنا التاريخ، لا يملون من الإنذار والوعيد والتحذير، وكأنهم يدعون هذا الطرف أو ذاك إلى الاستعداد للحرب والمواجهة.

      ولكننا للاسف اعتدنا على تجاهل ذلك، والمطلوب من جميع الدوائر اللبنانية هو تفويت هذه الفرصة على الإسرائيليين حتى لا توفر لها الذرائع وهي الدولة المتعطشة دوما للخراب والدمار والدماء. وحتى وإن كان حزب الله يعتبر مثل هذه التصريحات هي من قبيل الحرب النفسية، فإسرائيل دولة عسكرية عدوانية لا تزال في عصور الجاهلية الأولى ولا تخضع للمنطق، وإنما تعيش على سفك الدماء والاستيطان. ومن هنا ، فإن الحيطة والحذر مطلوبان بشدة في هذه الآونة لمواجهة الإنذارات الإسرائيلية التي تتناقل هنا وهناك. ويكفي زيارة وزير الحرب الإسرائيلي إيهود باراك لمنطقة الحدود الشمالية لإسرائيل مع لبنان وتحذير جنوده من هناك من ازدياد قدرات حزب الله العسكرية ،وتذكيره لهم بأنه مدعوم من سوريا وإيران الدولتين اللدودتين لإسرائيل، والأهم هو تحفيزهم لهم بألا يغمض لهم جفن،وأنه على الجانب الآخر – حزب الله – ألا يدخل في مواجهة مع إسرائيل.

      وختاما.. نتمنى من السيد حسن نصر الله أمين عام حزب الله الالتزام بقوله في الملتقى العربي الدولي لدعم المقاومة ، بأن خيار المقاومة هو خيار حقيقي واقعي عقلاني منطقي، وليس مجرد انفعال عابر أو نزوة غضب ثائرة. المهمة ليس ملقاة فقط على حزب الله ولبنان، فأمام العرب والعالم أجمع مهمة منع إسرائيل من محاولاتها الاستفزازية لتوريط اللبنانيين في حرب هم في غنى عنها. أما أمريكا على وجه الخصوص ، فأمامها مهمة أكبر وأهم وهي وقف إسرائيل عن شن الحرب غير الضرورية سوى في عقول حكامها الصهاينة.

      كاتب ومحلل سياسي بحريني

      E-Mail: amurshed2030@gmail.com

      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية