ميخائيل جورباتشوف
أفغانستان في اضطراب، مع تزايد التوترات وموت الناس كل يوم. والكثير من هؤلاء – ومنهم نساء وأطفال ومسنون – لا صلة لهم بالإرهابيين ولا المسلحين. والحكومة تفقد سيطرتها على أراضيها: من بين المحافظات الأربع والثلاثين، تسيطر طالبان على اثنتي عشرة محافظة. وإنتاج وتصدير المخدرات في تزايد. وهناك خطر حقيقي يتمثل في زعزعة الاستقرار التي تمتد إلى الدول المجاورة، بما فيها جمهوريات وسط آسيا وباكستان.
إن ما بدأ بعد الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 على أنه رد عسكري ملائم ظاهريا يهدف إلى استئصال شأفة الإرهاب يمكن أن ينتهي به المطاف فشلا استراتيجيا ذريعا. إننا بحاجة لأن نفهم لماذا يحدث هذا وما الذي مازال بالإمكان عمله لتغيير وضع شبه كارثي. والمؤتمر الأخير في لندن، والذي حضره ممثلون من دول كثيرة ومنظمات دولية، هو خطوة أولى في الاتجاه الصحيح. وبعد الإعدادات الحثيثة، تبنى الموفدون إلى اجتماع لندن قرارات يمكن أن تساعد على تغيير الأمور – ولكن فقط في حالة إن تم تقييم تجربة العقود الثلاثة الماضية وتعلم الدروس منها.
في عام 1979، أرسلت القيادة السوفييتية قوات إلى أفغانستان، مبررة هذه الخطوة ليس بمجرد الرغبة في مساعدة العناصر الصديقة هناك ولكن أيضا بالحاجة إلى إرساء الاستقرار في بلد مجاور. وقد تمثل أكبر خطأ في الفشل في فهم تعقيد أفغانستان – ذلك الخليط من المجموعات العرقية والقبائل والجماعات، والتقاليد المتفردة ونظام الحكم الضعيف. وكانت النتيجة هي عكس ما كنا نصبو إليه: اضطراب أكبر، وحرب تمخضت عن الآلاف من الضحايا والعواقب الخطيرة لبلادنا نحن السوفييت. وكان على رأس تلك العواقب أن واصل الغرب، وبصفة خاصة الولايات المتحدة، تأجيج النيران في جذوة الحرب الباردة؛ كما أنه ظل – أي الغرب - مستعدا لدعم أي أحد ضد الاتحاد السوفييتي، غير مفكر في العواقب بعيدة المدى المحتملة.
وكجزء من البريسترويكا في منصف ثمانينيات القرن الماضي، استخلصت القيادة السوفييتية الجديدة النتائج من مشكلاتنا في أفغانستان. ومن ثم قمنا باتخاذ قرارين حاسمين. الأول، وضعنا هدف سحب قواتنا. والثاني، عزمنا على العمل مع كل أطراف الصراع ومع الحكومات ذات الصلة بالأمر من أجل تحقيق المصالحة القومية في أفغانستان وتحويلها إلى بلد مسالم محايد لا يمثل تهديدا لأحد.
وأنا أتذكر هذه الأحداث مازلت أؤمن أنه كان مسارا ملائما ومسؤولا ذا اتجاهين. إنني على يقين أننا لو كنا نجحنا نجاحا تاما، لكنا قد تجنبنا العديد من المشكلات والمصائب. لم تكن سياستنا الجديدة مجرد إعلان أو بيان؛ فخلال فترة تقلدي رئاسة الاتحاد السوفييتي، كنا نعمل بجد وإخلاص من أجل تنفيذ هذه السياسة. ولكي ننجح كنا بحاجة إلى تعاون مخلص ومسؤول من كل الجوانب. كانت الحكومة الأفغانية مستعدة للتوصل إلى حل وسط وقطعت أكثر من نصف الطريق من أجل تحقيق المصالحة. وفي عدد من المناطق بدأت الأمور في التحسن.
ومع ذلك، قامت كل من باكستان، وخاصة كبار عسكرييها، والولايات المتحدة بإغلاق الطرق المؤدية إلى التقدم. لقد كانوا يريدون شيئا واحدا: انسحاب القوات السوفييتية، والتي كانوا يعتقدون أنها ستترك لهم السيطرة الكاملة. وبحرمان حكومة الرئيس الأفغاني محمد نجيب الله من أقل الدعم، لعب بوريس يلتسين لصالحهم دون أن يشعر عندما تقلد الرئاسة.
خلال تسعينيات القرن الماضي، بدا العالم غير مبال بأفغانستان. وفي ذلك العقد، سقطت الحكومة الأفغانية في يد طالبان، التي حولت أفغانستان إلى مأوى للأصوليين الإسلاميين وحاضنة للإرهاب. وكان الحادي عشر من سبتمبر إيقاظا قاسيا لقادة الغرب. وحتى في ذلك الوقت، رغم ذلك، اتخذ الغرب قرارا لم يكن مدروسا بعناية ومن ثم ثبت فشله.
بعد إسقاط طالبان، ظنت الولايات المتحدة أن النصر العسكري، الذي تم تحقيقه بتكاليف قليلة، كان نهائيا وأنه حل بشكل جوهري المشكلة طويلة المدى. لقد كان النجاح المبدئي هو ربما أحد الأسباب التي جعلت الأمريكيين يتوقعون "نزهة" بسيطة في العراق، متخذين خطوة قاتلة في استراتيجية عسكرية هناك أيضا. وفي تلك الأثناء، قاموا ببناء واجهة ديمقراطية زائفة في أفغانستان، تقوم بحراستها قوة المساعدة الأمنية الدولية - أي قوات الناتو. وكان حلف الناتو يسعى بشكل متزايد إلى الاضطلاع بدور الشرطي العالمي. أما الباقي فقد أصبح من التاريخ. لقد ظهر أن المسار العسكري في أفغانستان أصبح غير قابل للحياة. ولم يكن هذا سرا؛ فحتى السفير الأمريكي نفسه، في برقيات تم الكشف عنها مؤخرا، قال ذلك.
سُؤلت مرات عديدة في الشهور الأخيرة عما يمكن أن أنصح به الرئيس أوباما، الذي ورث هذه الفوضى عن سلفه. وكانت إجابتي هي نفس الإجابة في كل مرة: الحل السياسي وسحب القوات. وهذا يتطلب استراتيجية مصالحة قومية. والآن، وبعد طول انتظار، تم التوصل في لندن إلى استراتيجية مشابهة بشكل كبير لتلك التي عرضناها منذ أكثر من عقدين من الزمان والتي رفضها آباؤنا: المصالحة، وضم كل العناصر المسؤولة، قلت أو كثرت، في المصالحة، والتأكيد على حل سياسي وليس عسكريا.
قال مبعوث الأمم المتحدة إلى أفغانستان في مقابلة مؤخرا إن ما نحتاجه هو نزع الصفة العسكرية عن كامل الاستراتيجية في أفغانستان. ياله من عار أن ذلك لم يتم قوله ولا فعله منذ وقت طويل! إن فرص النجاح – النجاح وليس "النصر" العسكري – هي في أحسن الأحوال 50%. لقد كانت هناك بعض الاتصالات مع بعض العناصر من طالبان. غير أن المزيد مازال مطلوبا لضم إيران إلى العملية؛ ومازال الكثير من العمل الجاد مطلوبا كذلك مع الباكستانيين.
ويمكن لروسيا أن تصبح جزءا مهما من عملية استقرار أفغانستان. ويجب على الغرب تقدير الدور الذي يضطلع به قادة روسيا تجاه أفغانستان. وبعيدا عن الشماتة وترك الغرب يتجرع مرارة الأمر الواقع بينما نقوم بغسل أيدينا من القضية برمتها، فإن روسيا مستعدة للتعاون مع الغرب لأنها تفهم أنه من مصلحتها مواجهة التهديدات القادمة من أفغانستان. وروسيا محقة في أن تسأل لماذا، أثناء سنوات الوجود العسكري للولايات المتحدة والناتو في أفغانستان، لم يتم عمل شيء لوقف إنتاج المخدرات التي تتدفق كميات ضخمة منها إلى روسيا عبر حدود جيرانها النفاذة. كما أن روسيا محقة أيضا في أن تطلب الوصول إلى الفرص الاقتصادية في أفغانستان، بما فيها إعادة إعمار عشرات المشروعات التي تم بناؤها بمساعدتنا ثم تم تدميرها في تسعينيات القرن الماضي. إن روسيا هي جارة أفغانستان، ويجب أخذ مصالحها في الحسبان. والمنطق يبدو بديهيا، ولكن في بعض الأحيان يكون التذكير مطلوبا.
وأود أن يبزغ فجر يوم جديد في أفغانستان التي طالت معاناتها، وأن يجد الملايين من شعبها بصيصا من الأمل. إن الفرصة سانحة هناك، ولكن الحاجة ماسة إلى الكثير لاغتنامها: الواقعية، والمثابرة، وأخيرا وليس آخرا، الأمانة في التعلم من الأخطاء التي اقتُرفت في الماضي، والقدرة على العمل في ضوء هذه المعرفة.
أفغانستان في اضطراب، مع تزايد التوترات وموت الناس كل يوم. والكثير من هؤلاء – ومنهم نساء وأطفال ومسنون – لا صلة لهم بالإرهابيين ولا المسلحين. والحكومة تفقد سيطرتها على أراضيها: من بين المحافظات الأربع والثلاثين، تسيطر طالبان على اثنتي عشرة محافظة. وإنتاج وتصدير المخدرات في تزايد. وهناك خطر حقيقي يتمثل في زعزعة الاستقرار التي تمتد إلى الدول المجاورة، بما فيها جمهوريات وسط آسيا وباكستان.
إن ما بدأ بعد الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 على أنه رد عسكري ملائم ظاهريا يهدف إلى استئصال شأفة الإرهاب يمكن أن ينتهي به المطاف فشلا استراتيجيا ذريعا. إننا بحاجة لأن نفهم لماذا يحدث هذا وما الذي مازال بالإمكان عمله لتغيير وضع شبه كارثي. والمؤتمر الأخير في لندن، والذي حضره ممثلون من دول كثيرة ومنظمات دولية، هو خطوة أولى في الاتجاه الصحيح. وبعد الإعدادات الحثيثة، تبنى الموفدون إلى اجتماع لندن قرارات يمكن أن تساعد على تغيير الأمور – ولكن فقط في حالة إن تم تقييم تجربة العقود الثلاثة الماضية وتعلم الدروس منها.
في عام 1979، أرسلت القيادة السوفييتية قوات إلى أفغانستان، مبررة هذه الخطوة ليس بمجرد الرغبة في مساعدة العناصر الصديقة هناك ولكن أيضا بالحاجة إلى إرساء الاستقرار في بلد مجاور. وقد تمثل أكبر خطأ في الفشل في فهم تعقيد أفغانستان – ذلك الخليط من المجموعات العرقية والقبائل والجماعات، والتقاليد المتفردة ونظام الحكم الضعيف. وكانت النتيجة هي عكس ما كنا نصبو إليه: اضطراب أكبر، وحرب تمخضت عن الآلاف من الضحايا والعواقب الخطيرة لبلادنا نحن السوفييت. وكان على رأس تلك العواقب أن واصل الغرب، وبصفة خاصة الولايات المتحدة، تأجيج النيران في جذوة الحرب الباردة؛ كما أنه ظل – أي الغرب - مستعدا لدعم أي أحد ضد الاتحاد السوفييتي، غير مفكر في العواقب بعيدة المدى المحتملة.
وكجزء من البريسترويكا في منصف ثمانينيات القرن الماضي، استخلصت القيادة السوفييتية الجديدة النتائج من مشكلاتنا في أفغانستان. ومن ثم قمنا باتخاذ قرارين حاسمين. الأول، وضعنا هدف سحب قواتنا. والثاني، عزمنا على العمل مع كل أطراف الصراع ومع الحكومات ذات الصلة بالأمر من أجل تحقيق المصالحة القومية في أفغانستان وتحويلها إلى بلد مسالم محايد لا يمثل تهديدا لأحد.
وأنا أتذكر هذه الأحداث مازلت أؤمن أنه كان مسارا ملائما ومسؤولا ذا اتجاهين. إنني على يقين أننا لو كنا نجحنا نجاحا تاما، لكنا قد تجنبنا العديد من المشكلات والمصائب. لم تكن سياستنا الجديدة مجرد إعلان أو بيان؛ فخلال فترة تقلدي رئاسة الاتحاد السوفييتي، كنا نعمل بجد وإخلاص من أجل تنفيذ هذه السياسة. ولكي ننجح كنا بحاجة إلى تعاون مخلص ومسؤول من كل الجوانب. كانت الحكومة الأفغانية مستعدة للتوصل إلى حل وسط وقطعت أكثر من نصف الطريق من أجل تحقيق المصالحة. وفي عدد من المناطق بدأت الأمور في التحسن.
ومع ذلك، قامت كل من باكستان، وخاصة كبار عسكرييها، والولايات المتحدة بإغلاق الطرق المؤدية إلى التقدم. لقد كانوا يريدون شيئا واحدا: انسحاب القوات السوفييتية، والتي كانوا يعتقدون أنها ستترك لهم السيطرة الكاملة. وبحرمان حكومة الرئيس الأفغاني محمد نجيب الله من أقل الدعم، لعب بوريس يلتسين لصالحهم دون أن يشعر عندما تقلد الرئاسة.
خلال تسعينيات القرن الماضي، بدا العالم غير مبال بأفغانستان. وفي ذلك العقد، سقطت الحكومة الأفغانية في يد طالبان، التي حولت أفغانستان إلى مأوى للأصوليين الإسلاميين وحاضنة للإرهاب. وكان الحادي عشر من سبتمبر إيقاظا قاسيا لقادة الغرب. وحتى في ذلك الوقت، رغم ذلك، اتخذ الغرب قرارا لم يكن مدروسا بعناية ومن ثم ثبت فشله.
بعد إسقاط طالبان، ظنت الولايات المتحدة أن النصر العسكري، الذي تم تحقيقه بتكاليف قليلة، كان نهائيا وأنه حل بشكل جوهري المشكلة طويلة المدى. لقد كان النجاح المبدئي هو ربما أحد الأسباب التي جعلت الأمريكيين يتوقعون "نزهة" بسيطة في العراق، متخذين خطوة قاتلة في استراتيجية عسكرية هناك أيضا. وفي تلك الأثناء، قاموا ببناء واجهة ديمقراطية زائفة في أفغانستان، تقوم بحراستها قوة المساعدة الأمنية الدولية - أي قوات الناتو. وكان حلف الناتو يسعى بشكل متزايد إلى الاضطلاع بدور الشرطي العالمي. أما الباقي فقد أصبح من التاريخ. لقد ظهر أن المسار العسكري في أفغانستان أصبح غير قابل للحياة. ولم يكن هذا سرا؛ فحتى السفير الأمريكي نفسه، في برقيات تم الكشف عنها مؤخرا، قال ذلك.
سُؤلت مرات عديدة في الشهور الأخيرة عما يمكن أن أنصح به الرئيس أوباما، الذي ورث هذه الفوضى عن سلفه. وكانت إجابتي هي نفس الإجابة في كل مرة: الحل السياسي وسحب القوات. وهذا يتطلب استراتيجية مصالحة قومية. والآن، وبعد طول انتظار، تم التوصل في لندن إلى استراتيجية مشابهة بشكل كبير لتلك التي عرضناها منذ أكثر من عقدين من الزمان والتي رفضها آباؤنا: المصالحة، وضم كل العناصر المسؤولة، قلت أو كثرت، في المصالحة، والتأكيد على حل سياسي وليس عسكريا.
قال مبعوث الأمم المتحدة إلى أفغانستان في مقابلة مؤخرا إن ما نحتاجه هو نزع الصفة العسكرية عن كامل الاستراتيجية في أفغانستان. ياله من عار أن ذلك لم يتم قوله ولا فعله منذ وقت طويل! إن فرص النجاح – النجاح وليس "النصر" العسكري – هي في أحسن الأحوال 50%. لقد كانت هناك بعض الاتصالات مع بعض العناصر من طالبان. غير أن المزيد مازال مطلوبا لضم إيران إلى العملية؛ ومازال الكثير من العمل الجاد مطلوبا كذلك مع الباكستانيين.
ويمكن لروسيا أن تصبح جزءا مهما من عملية استقرار أفغانستان. ويجب على الغرب تقدير الدور الذي يضطلع به قادة روسيا تجاه أفغانستان. وبعيدا عن الشماتة وترك الغرب يتجرع مرارة الأمر الواقع بينما نقوم بغسل أيدينا من القضية برمتها، فإن روسيا مستعدة للتعاون مع الغرب لأنها تفهم أنه من مصلحتها مواجهة التهديدات القادمة من أفغانستان. وروسيا محقة في أن تسأل لماذا، أثناء سنوات الوجود العسكري للولايات المتحدة والناتو في أفغانستان، لم يتم عمل شيء لوقف إنتاج المخدرات التي تتدفق كميات ضخمة منها إلى روسيا عبر حدود جيرانها النفاذة. كما أن روسيا محقة أيضا في أن تطلب الوصول إلى الفرص الاقتصادية في أفغانستان، بما فيها إعادة إعمار عشرات المشروعات التي تم بناؤها بمساعدتنا ثم تم تدميرها في تسعينيات القرن الماضي. إن روسيا هي جارة أفغانستان، ويجب أخذ مصالحها في الحسبان. والمنطق يبدو بديهيا، ولكن في بعض الأحيان يكون التذكير مطلوبا.
وأود أن يبزغ فجر يوم جديد في أفغانستان التي طالت معاناتها، وأن يجد الملايين من شعبها بصيصا من الأمل. إن الفرصة سانحة هناك، ولكن الحاجة ماسة إلى الكثير لاغتنامها: الواقعية، والمثابرة، وأخيرا وليس آخرا، الأمانة في التعلم من الأخطاء التي اقتُرفت في الماضي، والقدرة على العمل في ضوء هذه المعرفة.
¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية