أمريكا تبحث عن أصدقائها القدامى أخبار الشبيبة

    • أمريكا تبحث عن أصدقائها القدامى أخبار الشبيبة

      سيمون تيسدال

      ميزانية باراك أوباما البالغ قيمتها 3.8 تريليون دولار هي مسألة معقدة إلى حد كبير. ولكن ثمة حقيقة واحدة تبرز بوضوح: بعبارة الشخص العادي، أمريكا أفلست. فسوف تتجاوز مصروفات الحكومة الفيدرالية دخلها بحوالي 1.6 تريليون دولار هذا العام؛ وعلى مدى العشر السنوات القادمة مجتمعة، ستبلغ الفجوة كما هو متوقع 8.5 تريليون دولار. ونظرا للمأزق الحزبي في الكابيتول هيل حول تخفيض الإنفاق ورفع الضرائب، ليس هناك سبب يدعو لافتراض أن الأمور سوف تتحسن في أي وقت قريب.

      قال أوباما الأسبوع الماضي إن مثل هذا التبذير المحير لا يمكن تحمله، لا اقتصاديا ولا حتى أخلاقيا. ولكن الضعف المالي الأمريكي المزمن المستمر يحمل أيضا انعكاسات خطيرة متزايدة على النفوذ العالمي للولايات المتحدة ووضعها كقوة عظمى وحيدة في العالم. باختصار، بدأ عجز الموازنة، والعقلية التي أحدثته، يهدد البنية الأمنية ما بعد عام 1945.

      لقد كان العالم الغربي هنا من قبل. في آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الثانية، قامت الولايات المتحدة بتوسيع تفوقها الجيوسياسي وهيمنتها على السوق، مالئة بذلك فراغا حيث كانت الإمبراطوريتان البريطانية والأوروبية تسيطران في يوم من الأيام. ولمواجهتها منافسة شرسة من الاتحاد السوفييتي فقط، أزاحت أمريكا "العالم القديم" وسيطرت. وقد رسخ انتهاء الحرب الباردة من قبضتها العالمية.

      والآن العجلة تدور – والولايات المتحدة هي التي تخرّ الآن صريعة. وفي الأفق تبدو لحظة أمريكا "خارج السيطرة"، عندما كانت بريطانيا الاستعمارية مجبرة على الاعتراف بأنها لم تعد قادرة على تحمل تبعة بسط سلطانها على كل ركن من أركان العالم. إن قدرة واشنطن العسكرية التي مازالت متفوقة لا تنسجم مع أدائها الاقتصادي ولا مع قيادتها السياسية. فكما أشار أوباما في حديثه في ويست بوينت عن أفغانستان، لم يعد في مقدور الولايات المتحدة تمويل حروب ذات نهايات مفتوحة.

      لقد كانت نهاية الإمبراطورية الأمريكية أمرا متنبأً به منذ وقت طويل. ولكنها ليست الغطرسة ولا الأفعال العدوانية هي التي طرحتها أرضا، بل هي نقص معاني الاستعداد ووطأة الدَيْن الخارجي مرتفع الفائدة ونمط الحياة الذي لا يمكن تحمل نفقاته. وبخلاف فترة ما بعد الحرب، عندما مررت أوروبا، التي كانت لها مصالح مشتركة ونظرة سياسية مماثلة وقيم مشتركة، مررت هراوة الأمن للولايات المتحدة، ليس لدى أمريكا نفس التفكير ولا الخليفة الودود الذي تقوم بتسليمه مقاليد الأمور في الوقت الذي تتلاشى فيه قوتها. على النقيض تماما، في الحقيقة.

      أما الصين، التي هي الأكثر احتمالا لأن تحل محل الولايات المتحدة في وقت ما من هذا القرن كأكبر حارس للعالم، فقد أرسلت بإشارات صريحة في الأشهر الأخيرة توضح كيف سيبدو عالم ما بعد أمريكا مختلفا تمام الاختلاف. في كوبنهاجن، بالعديد من الحسابات، لعبت الصين دور المفسد ضد العالم المتقدم، متعمدة إذلال أوباما. وقد جعلت المصلحة السياسية، وليس التغير المناخي، أكثر القضايا إلحاحا.

      إن رد فعل بيجين غير المتناسب على بيع الولايات المتحدة أسلحة لتايوان المنعزلة مؤخرا، واعتراضاتها الصاخبة على أي لقاء بين أوباما والدالاي لاما، واستخدامها الصارخ للرقابة على الإنترنت، وتجاهلها الواسع لمبادئ حقوق الإنسان الدولية، كل ذلك يسلط الأضواء على الاختلافات المزعجة في الأولويات والاتجاهات.

      كما أن الحشد العسكري المتسارع للصين ومهادنتها للنظام الإيراني الثري بالطاقة المثير للجدل نوويا وتنميتها الاستغلالية وسياستها لاستغلال موارد أفريقيا وممارساتها غير العادلة في التجارة والعملة، كل ذلك يعد أكثر زعزعة للاستقرار من الناحية الاستراتيجية. كل ذلك يشير إلى وجود حكومة في طور التكون بلا هوادة، عازمة على استغلال ضعف متصور في واشنطن، ويتزايد استعدادها للعمل في معارضة مباشرة للمصالح الأمنية والسياسية الغربية.

      لقد كان الدين العام الأمريكي المتراكم البالغ 7.5 تريليون دولار، والذي معظمه للصين، كان يزيد من الضعف الأمريكي في وجه هذه التحديات، كما قال كاتب العمود بصحيفة "وولستريت جورنال"، جيرالد سيب. "ستقترض الحكومة الأمريكية هذا العام دولارا واحدا من كل ثلاث دولارات تنفقها، ويأتي معظم هذه الأموال من دول أجنبية،" كما كتب سيب هذا الأسبوع. "وهذا يضعف موقف أمريكا وحريتها على الفعل؛ ويقوي الصين وقوى عالمية أخرى، بما فيها الدول منتجة النفط الغنية؛ ويعرّض الإنفاق العسكري طويل المدى للخطر؛ ويضعف النظام الأمريكي كنموذج للدول النامية؛ ويقلل من هالة القوة التي ظلت أحد الأصول التي لا تمس للرؤساء على مدى أكثر من قرن."

      لا يقوم أوباما بالتقليل من الإنفاق العسكري، ليس بعد بأي معدل. ويجادل البعض بأن عالما لا تحيط به القواعد العسكرية والسفارات والبعثات التجارية الأمريكية من شأنه أن يكون عالما أفضل. ولكنه ربما لا يكون عالما أكثر أمنا. إنه يكاد يكون من المؤكد أنه سيكون عالما أقل توافقا مع المعايير الديمقراطية ونظم القيم الغربية. هذه أسباب قوية لقلب دعوة رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، جورج كاننج، عام 1862 بإحضار "العالم الجديد إلى حيز الوجود ليصلح ميزان العالم القديم."

      في ظل الاتجاهات الراهنة، تحتاج أمريكا أوباما بشدة إلى حلفائها الأوروبيين من "العالم القديم" لمساعدتها على إصلاح خسارة التوازن ووقف نزيف نفوذها الدولي. ومع وجود الذئاب على الأبواب، ربما تكون العلاقة عبر الأطلنطي، والتي طالما تم نبذها على أنها علاقة محتضرة وغير مهمة في عهدي جورج بوش وأوباما، عائدة إلى ما كانت عليه من قبل.

      لا يبدو أن أوباما يدرك هذا الأمر بعد، مع إعلان وزارة الخارجية هذا الأسبوع، على سبيل المثال، أن الرئيس لن يحضر القمة الأوروبية الأمريكية في أسبانيا في شهر مايو القادم. لنعطه الوقت. فعندما تتراكم الفواتير وتتصاعد مستويات التهديد، ربما تتذكر أمريكا من هم أصدقاؤها الحقيقيون.

      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية