بول كينيدي
ماذا تفعل دولة ما عندما تواجه كثيرا من التحديات الخارجية وكثيرا من التهديدات المحتملة – ولها مصالح والتزامات في كل أنحاء العالم؟
حسنا، ربما يجب عليها أن تفكر بشكل أكثر جدية وتماسك مما كانت تفعل من قبل. وربما تحتاج أن تحبس أنفاسها وتتخذ قرارات صعبة. وربما تحتاج أن تكون قاسية، من أجل الحفاظ على مصالحها الأساسية. وربما تحتاج – والدولة التي أتحدث عنها هي الولايات المتحدة في عالم اليوم المضطرب – إلى إعادة تقييم وضعها العالمي، ومستقبلها العالمي.
منذ أيام قليلة، عرض البنتاجون مراجعته الدفاعية الرباعية بتفويض من الكونجرس، وهي عبارة عن مسح كبير يجريه ألمع مخططي الدفاع بالولايات المتحدة، يتعلق بأين قد تقع التحديات الأمنية الرئيسية؛ ومن ثم يقترح القرارات التي يجب أن يتم اتخاذها فيما يتعلق بكل من الأولويات الإقليمية والإنفاق على الأسلحة.
لو قرأت هذه الوثيقة سترى أنه من الواضح أن البيت الأبيض والبنتاجون يناضلان في مواجهة معضلات قديمة، وبصفة خاصة، في مواجهة أولويات إنفاق عسكري. وهناك بعض القرارات الحساسة يتم اتخاذها في الوقت الراهن. ويصر وزير الدفاع روبرت جيتس، على مسؤوليته الخاصة، على إغلاق عدد من أنظمة الأسلحة المكلفة والمشكوك فيها في نفس الوقت، أو على الأقل تقليلها من حيث الحجم، وأبرزها مقاتلة سلاح الجو الأكثر تكلفة، إف 22 رابتور.
ومن ناحية أخرى، تقوم بزيادة ميزانية الدفاع السنوية إلى أكثر من 700 مليار دولار، وإرسال المزيد من القوات إلى أفغانستان. ومؤيدو هذا الإنفاق العسكري لديهم الكثير من الأسباب لتبرير هذا التوسع.
لفترة قصيرة من الزمن (أو هكذا يأملون) لابد أن تكون الحرب الأفغانية أكثر تكلفة، وليس أقل. والشرق الأوسط برمته لا يزال هشا. فتنظيم القاعدة ينتشر في جنوب الجزيرة العربية وفي أفريقيا. ونظام بوتين لا ينوي خيرا في دول جواره. وإيران خطيرة. وكوريا الشمالية في أيدي رجل معتوه. وأسلحة الدمار الشامل تنتشر. والدول المنهارة، التي تسبب في انهيارها الفقر والمشكلات البيئية والعنف العرقي، أصبحت عبارة عن فوهات المدافع للإرهابيين. ثم هناك التحدي المتمثل في الصعود الثابت المستمر للقدرات العسكرية والاقتصادية الصينية، وميل الميزان الاستراتيجي في منطقة آسيا والمحيط الهادي.
والآن أضف إلى كل ذلك القضايا الملحة المتعلقة بالاقتصاد الدولي الهش، وربما على نحو أكثر تحديدا المتعلقة بعجز الميزان التجاري الفلكي في الولايات المتحدة، مع ارتفاع عجز الميزانية الفيدرالية غير المسبوق والذي يُتنبأ له أن يحلق في عنان السماء. لا تستطيع أي قوة عظمى أن تبقى على القمة إذا لم تستطع تحمل نفقات أسلوب حياتها، وهذا هو السبب في أن الأمريكيين والموالين لهم في الخارج قلقون. هل تستطيع الولايات المتحدة تحمل تكاليف وتبعات – بل وعمل – كل الأشياء التي تنوي عملها، فيما يتعلق بحاجاتها الداخلية ومتطلباتها الخارجية على السواء؟
إنه في هذا السياق أن الرئيس أوباما ووزير الدفاع جيتس ورؤساء هيئة الأركان الأمريكية – وخلفاءهم وخلفاء خلفائهم، لأن هذه المشكلات لن تذهب بعيدا عنا – سيكون عليهم أن يحاولوا التوصل إلى استنتاجات قاطعة بشأن مستقبل الإنفاق العسكري، والحصول على موافقة أغلبية أعضاء الكونجرس، الذين يثرثرون بلا انقطاع عن العجز الفيدرالي الذي لا يمكن تحمله ولكنهم يحاربون حتى الموت لمنع التخفيضات في إنتاج الأسلحة والقواعد العسكرية في دوائرهم الانتخابية.
بالنسبة للمراقب الخارجي (وبعبارة أخرى، الشخص الذي ليس عليه شخصيا أن يتخذ هذه القرارات الصعبة)، فإن إغراء الإشارة إلى بعض الدروس المستفادة من التاريخ العسكري والبحرير هو إغراء لا يقاوم. أحد هذه "الدروس" ربما يكون هو الآتي: أن أنظمة الأسلحة التي تتيح لصناع القرار مرونة أكبر هي أنظمة مفضلة، وخاصة في الأوقات الاقتصادية العصيبة، مقارنة بتلك الأنظمة المصممة لعدد محدود من سيناريوهات الحرب.
في حالة الإمبراطورية الرومانية، كانت الأداة الأكثر وجودا في كل مكان هي الجندي نفسه: فهو الجندي الذي يستطيع أن يقاتل من حدود أسكتلندا إلى حدود فارس، ويبني الجسور، وينشء محركات الحصار. أما في عصر بحرية نيلسون، كانت الأداة الفعالة هي الفرقاطة السريعة متوسطة الحجم؛ فقد كانت هي "عيون" أسطول المعركة، والناقل السريع للبرقيات أو أي بنود عاجلة أخرى، والسفينة التي يمكن أن تعمل في أبعد المناطق في العالم. أما خلال الحرب العالمية الثانية، فقد كانت أكثر طائرات القوات الجوية الملكية فائدة هي طائرة "البعوضة" (Mosquito) المتنوعة ذات المحركين – فقد كانت تستطيع الطيران على ارتفاعات هائلة ولم يكن في الإمكان اصطيادها، وكانت تستطيع الطيران في مستويات منخفضة في مواجهة دبابات وسفن العدو، وكانت تستطيع (لو تم تحويلها) أن تحمل قنبلة أكبر من قلعة طائرة؛ لقد كانت طائرة مقاتلة ليلية ومستكشفة وطائرة استطلاع، كل ذلك مجمع في طائرة واحدة.
ماذا يفترض ذلك فيما يتعلق بقوات الرئيس أوباما المسلحة اليوم، والقدرات والسلطة الأمريكية؟ بعض أنظمة الأسلحة ذات بعد واحد أكثر من غيرها. على سبيل المثال، دبابات المعارك الرئيسية والمدفعية الثقيلة، التي تم إنشاؤها لإمكانية الدخول في حرب برية كبيرة ضد الجيش الأحمر، لا أمل فيها في القتال في جبال أفغانستان، كما كانت في حقول الأرز في فيتنام.
تستطيع القوات البرية، مثل المارينز وقوات الجيش الخاصة، العمل بشكل جيد في كل مكان. وتستطيع طائرات الهيليكوبتر أن تنتشر في كل مكان، فيما عدا حيثما يسود الطقس الرديء. والغواصات البحرية الهجومية تعمل بشكل جيد في كل مكان (إذن فلماذا لا نرسل إحداها لتخويف القراصنة الصوماليين؟) إن امتلاك أمريكا لعشرات حاملات الطائرات الهائلة يبدو أمرا مبالغا فيه، نظرا لتفوق أمريكا البحري الهائل على جميع القوات البحرية الأخرى.
والآن ربما يسأل القارئ: "بالتأكيد أول شيء يجب عمله هو تحديد أي التهديدات وأي الأعداء نواجه، ثم اختيار أسلحتكم طبقا لذلك؟" فكرة جيدة، لأن من شأنها أيضا أن تعني أن القيادة الأمريكية سيكون عليها أخيرا أن تختار أي الأسلحة وأنظمة القوة هي الضرورية لمواجهة الأخطار المحددة، وأيها غير ضروري.
يعيدنا ذلك إلى الفكرة التي أثرناها آنفا. حيث إن البيت الأبيض والبنتاجون ووزارة الخارجية والكونجرس لا يريدون القيام بهذا التحديد، فإنهم بذلك يتركوننا لقرارات من الدرجة الثانية مثل إلغاء قليل من أنظمة الأسلحة التي تبدو أنها لا تجدي أو أنها أصبحت مكلفة لدرجة لا تحتمل.
لذا، فإن ما يجب عمله – الترتيب الواقعي للأولويات الاستراتيجية وتخفيض أكبر كثيرا في أبهة أنظمة الأسلحة لدينا – لن يتم عمله؛ و"بيض" المخصصات الدفاعية الأمريكية سيستمر في التوزيع على عدد كبير جدا من "السلات".
هذا ليس حلا سعيدا للقوة العظمى في قرن تحيط به تهديدات كثيرة وصعبة، ولكن في اللحظة الراهنة قد يكون هو الطريق الوحيد المتاح. إلى متى، يتعجب المرء، يمكن أن يستمر هذا؟
ماذا تفعل دولة ما عندما تواجه كثيرا من التحديات الخارجية وكثيرا من التهديدات المحتملة – ولها مصالح والتزامات في كل أنحاء العالم؟
حسنا، ربما يجب عليها أن تفكر بشكل أكثر جدية وتماسك مما كانت تفعل من قبل. وربما تحتاج أن تحبس أنفاسها وتتخذ قرارات صعبة. وربما تحتاج أن تكون قاسية، من أجل الحفاظ على مصالحها الأساسية. وربما تحتاج – والدولة التي أتحدث عنها هي الولايات المتحدة في عالم اليوم المضطرب – إلى إعادة تقييم وضعها العالمي، ومستقبلها العالمي.
منذ أيام قليلة، عرض البنتاجون مراجعته الدفاعية الرباعية بتفويض من الكونجرس، وهي عبارة عن مسح كبير يجريه ألمع مخططي الدفاع بالولايات المتحدة، يتعلق بأين قد تقع التحديات الأمنية الرئيسية؛ ومن ثم يقترح القرارات التي يجب أن يتم اتخاذها فيما يتعلق بكل من الأولويات الإقليمية والإنفاق على الأسلحة.
لو قرأت هذه الوثيقة سترى أنه من الواضح أن البيت الأبيض والبنتاجون يناضلان في مواجهة معضلات قديمة، وبصفة خاصة، في مواجهة أولويات إنفاق عسكري. وهناك بعض القرارات الحساسة يتم اتخاذها في الوقت الراهن. ويصر وزير الدفاع روبرت جيتس، على مسؤوليته الخاصة، على إغلاق عدد من أنظمة الأسلحة المكلفة والمشكوك فيها في نفس الوقت، أو على الأقل تقليلها من حيث الحجم، وأبرزها مقاتلة سلاح الجو الأكثر تكلفة، إف 22 رابتور.
ومن ناحية أخرى، تقوم بزيادة ميزانية الدفاع السنوية إلى أكثر من 700 مليار دولار، وإرسال المزيد من القوات إلى أفغانستان. ومؤيدو هذا الإنفاق العسكري لديهم الكثير من الأسباب لتبرير هذا التوسع.
لفترة قصيرة من الزمن (أو هكذا يأملون) لابد أن تكون الحرب الأفغانية أكثر تكلفة، وليس أقل. والشرق الأوسط برمته لا يزال هشا. فتنظيم القاعدة ينتشر في جنوب الجزيرة العربية وفي أفريقيا. ونظام بوتين لا ينوي خيرا في دول جواره. وإيران خطيرة. وكوريا الشمالية في أيدي رجل معتوه. وأسلحة الدمار الشامل تنتشر. والدول المنهارة، التي تسبب في انهيارها الفقر والمشكلات البيئية والعنف العرقي، أصبحت عبارة عن فوهات المدافع للإرهابيين. ثم هناك التحدي المتمثل في الصعود الثابت المستمر للقدرات العسكرية والاقتصادية الصينية، وميل الميزان الاستراتيجي في منطقة آسيا والمحيط الهادي.
والآن أضف إلى كل ذلك القضايا الملحة المتعلقة بالاقتصاد الدولي الهش، وربما على نحو أكثر تحديدا المتعلقة بعجز الميزان التجاري الفلكي في الولايات المتحدة، مع ارتفاع عجز الميزانية الفيدرالية غير المسبوق والذي يُتنبأ له أن يحلق في عنان السماء. لا تستطيع أي قوة عظمى أن تبقى على القمة إذا لم تستطع تحمل نفقات أسلوب حياتها، وهذا هو السبب في أن الأمريكيين والموالين لهم في الخارج قلقون. هل تستطيع الولايات المتحدة تحمل تكاليف وتبعات – بل وعمل – كل الأشياء التي تنوي عملها، فيما يتعلق بحاجاتها الداخلية ومتطلباتها الخارجية على السواء؟
إنه في هذا السياق أن الرئيس أوباما ووزير الدفاع جيتس ورؤساء هيئة الأركان الأمريكية – وخلفاءهم وخلفاء خلفائهم، لأن هذه المشكلات لن تذهب بعيدا عنا – سيكون عليهم أن يحاولوا التوصل إلى استنتاجات قاطعة بشأن مستقبل الإنفاق العسكري، والحصول على موافقة أغلبية أعضاء الكونجرس، الذين يثرثرون بلا انقطاع عن العجز الفيدرالي الذي لا يمكن تحمله ولكنهم يحاربون حتى الموت لمنع التخفيضات في إنتاج الأسلحة والقواعد العسكرية في دوائرهم الانتخابية.
بالنسبة للمراقب الخارجي (وبعبارة أخرى، الشخص الذي ليس عليه شخصيا أن يتخذ هذه القرارات الصعبة)، فإن إغراء الإشارة إلى بعض الدروس المستفادة من التاريخ العسكري والبحرير هو إغراء لا يقاوم. أحد هذه "الدروس" ربما يكون هو الآتي: أن أنظمة الأسلحة التي تتيح لصناع القرار مرونة أكبر هي أنظمة مفضلة، وخاصة في الأوقات الاقتصادية العصيبة، مقارنة بتلك الأنظمة المصممة لعدد محدود من سيناريوهات الحرب.
في حالة الإمبراطورية الرومانية، كانت الأداة الأكثر وجودا في كل مكان هي الجندي نفسه: فهو الجندي الذي يستطيع أن يقاتل من حدود أسكتلندا إلى حدود فارس، ويبني الجسور، وينشء محركات الحصار. أما في عصر بحرية نيلسون، كانت الأداة الفعالة هي الفرقاطة السريعة متوسطة الحجم؛ فقد كانت هي "عيون" أسطول المعركة، والناقل السريع للبرقيات أو أي بنود عاجلة أخرى، والسفينة التي يمكن أن تعمل في أبعد المناطق في العالم. أما خلال الحرب العالمية الثانية، فقد كانت أكثر طائرات القوات الجوية الملكية فائدة هي طائرة "البعوضة" (Mosquito) المتنوعة ذات المحركين – فقد كانت تستطيع الطيران على ارتفاعات هائلة ولم يكن في الإمكان اصطيادها، وكانت تستطيع الطيران في مستويات منخفضة في مواجهة دبابات وسفن العدو، وكانت تستطيع (لو تم تحويلها) أن تحمل قنبلة أكبر من قلعة طائرة؛ لقد كانت طائرة مقاتلة ليلية ومستكشفة وطائرة استطلاع، كل ذلك مجمع في طائرة واحدة.
ماذا يفترض ذلك فيما يتعلق بقوات الرئيس أوباما المسلحة اليوم، والقدرات والسلطة الأمريكية؟ بعض أنظمة الأسلحة ذات بعد واحد أكثر من غيرها. على سبيل المثال، دبابات المعارك الرئيسية والمدفعية الثقيلة، التي تم إنشاؤها لإمكانية الدخول في حرب برية كبيرة ضد الجيش الأحمر، لا أمل فيها في القتال في جبال أفغانستان، كما كانت في حقول الأرز في فيتنام.
تستطيع القوات البرية، مثل المارينز وقوات الجيش الخاصة، العمل بشكل جيد في كل مكان. وتستطيع طائرات الهيليكوبتر أن تنتشر في كل مكان، فيما عدا حيثما يسود الطقس الرديء. والغواصات البحرية الهجومية تعمل بشكل جيد في كل مكان (إذن فلماذا لا نرسل إحداها لتخويف القراصنة الصوماليين؟) إن امتلاك أمريكا لعشرات حاملات الطائرات الهائلة يبدو أمرا مبالغا فيه، نظرا لتفوق أمريكا البحري الهائل على جميع القوات البحرية الأخرى.
والآن ربما يسأل القارئ: "بالتأكيد أول شيء يجب عمله هو تحديد أي التهديدات وأي الأعداء نواجه، ثم اختيار أسلحتكم طبقا لذلك؟" فكرة جيدة، لأن من شأنها أيضا أن تعني أن القيادة الأمريكية سيكون عليها أخيرا أن تختار أي الأسلحة وأنظمة القوة هي الضرورية لمواجهة الأخطار المحددة، وأيها غير ضروري.
يعيدنا ذلك إلى الفكرة التي أثرناها آنفا. حيث إن البيت الأبيض والبنتاجون ووزارة الخارجية والكونجرس لا يريدون القيام بهذا التحديد، فإنهم بذلك يتركوننا لقرارات من الدرجة الثانية مثل إلغاء قليل من أنظمة الأسلحة التي تبدو أنها لا تجدي أو أنها أصبحت مكلفة لدرجة لا تحتمل.
لذا، فإن ما يجب عمله – الترتيب الواقعي للأولويات الاستراتيجية وتخفيض أكبر كثيرا في أبهة أنظمة الأسلحة لدينا – لن يتم عمله؛ و"بيض" المخصصات الدفاعية الأمريكية سيستمر في التوزيع على عدد كبير جدا من "السلات".
هذا ليس حلا سعيدا للقوة العظمى في قرن تحيط به تهديدات كثيرة وصعبة، ولكن في اللحظة الراهنة قد يكون هو الطريق الوحيد المتاح. إلى متى، يتعجب المرء، يمكن أن يستمر هذا؟
¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية