تختلف تجارة التجسس اختلافا جوهريا عن أية تجارة أخرى على وجه الأرض. فنجاحها – المتمثل في تحويل أحد عملاء الأعداء أو تجنب كارثة عن طريق التجميع الماهر للمعلومات الاستخباراتية – هو بحكم تعريفها، لابد أن يكون سرا. وعندما نعلم عن هذه النجاحات، تكون قد مرت سنوات على الحدث نفسه. أما الأشياء التي لم تحدث، فربما لا نعلم عنها أبدا. لذا فإنه عندما تبدأ وكالة استخبارات في أن تكون عناوين للصحف، فإن ذلك مؤشر على الفشل في العادة.
ويبقى هذا المبدأ جيدا مرة أخرى في القضية التي يزداد توهجها الخاصة بمحمود المبحوح، أحد قادة حماس الذي قتل الشهر الماضي في دبي على يد الموساد الإسرائيلي كما يفترض على نطاق واسع.
نعم، كانت العملية، من زاوية ضيقة، ناجحة. فقد تم تنفيذ الاغتيال المستهدف، وإزالة شخصية كبيرة في جماعة ملتزمة بتدمير دولة إسرائيل. ولكن – مرة أخرى على فرض أن الموساد هي المسؤولة – من المؤكد أن الخسائر تفوق المكاسب: الهيجان الدولي، وتوتر العلاقات مع حلفاء مهمين، ودليل جديد على أن إسرائيل تتصرف بجنون أو طيش أكثر من أعدائها. بالطبع سيتلاشى الضجيج. ولكن هل كانت تفضل إسرائيل أن يمر الأمر كله بلا كثير ملاحظة، كما بدت أنها تريد أن تفعل حتى هذا الأسبوع؟ هذه مراهنة.
هي كذلك بالطبع، لو كان وراءها الموساد. اعتاد جيمس جيساس أنجلتون، رئيس مكافحة التجسس في السي آي إيه، المتألق ولكنه مصاب بجنون الشك، اعتاد أن يتحدث عن "قفر المرايا" في تجارة التجسس التي يمكن أن تقود الإنسان إلى قرب الجنون – وهو ما حدث في حالته. كان أنجلتون محاربا في الحرب الباردة؛ وكانت مهمته هي تقييم الولاء الإنساني: ما إذا كان المنشقون صادقون، ما إذا كان من معك يعملون لك أم لصاح الاستخبارات الروسية "الكي جي بي". وانتهى به المطاف معتقدا بأن حملة تضليل روسية تسيطر على العالم.
أما في الشرق الأوسط، فالمرايا مختلفة، ولكن القفر الذي تنتجه ليس أقل تضليلا وإرباكا. هل كان الفاعل هو الموساد؟ أم خصوم إسرائيل الذين جعلوها بشكل مدروس تبدو وكأنها عمل استخباراتي، من أجل تشويه سمعة إسرائيل. ولكن مرة أخرى، هل يمكن أن يترك الموساد الأسطوري وراءه كل هذه الأدلة؟ والإجابة هي نعم، لو أنك مشترك في نظرية الفوضى في الحياة. أم هل كان يعمل الإسرائيليون بهدوء مع حركة فتح، منافسة حركة حماس في السيطرة على فلسطين، على مبدأ أن عدو عدوي هو صديقي؟ أم هل كان المبحوح - وهي الفرضية التي يؤيدها غياب بطانته المعتادة من الحراس الشخصيين – ضحية لصراع داخلي في حماس على السلطة، كان من المقرر إلقاء اللوم فيه على إسرائيل؟
رغم ذلك هناك شيء مؤكد. أعمال الاغتيالات المستهدفة هي حقيقة من حقائق الحياة، وليس فقط في الشرق الأوسط. فقد استخدمتها أقوى حلفاء إسرائيل، الولايات المتحدة، فيما يسمى "الحرب على الإرهاب". وفي الحقيقة ربما يفسر هذا لماذا ظلت واشنطن صامتة بشكل واضح بشأن قضية دبي، حتى بعد أن ظهر أن خمسة من المشتبه بهم كانوا يحملون بطاقات ائتمان صدرت في الولايات المتحدة. وفي الصيف الماضي، انشغلت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في جدل حول أمر رئاسي سري أصدره الرئيس جورج بوش عام 2001، يُزعم أنه لتشكيل فرق خاصة تهدف إلى ملاحقة وقتل إرهابيي القاعدة. باختصار، كانت هناك ضجة هائلة حول ما إذا كان هذا الأمر الرئاسي يخرق حظرا عمره ربع قرن على قيام السي آي إيه بعمليات اغتيال شخصيات أجنبية، والذي فرضه الرئيس فورد عام 1967.
ولكن السي آي إيه سمحت سريعا بأن يُعرف أن الخطة لم يتم تنفيذها قط. ولكن الاختلاف بين الاغتيالات المستهدفة التي يتم تنفيذها على يد الإنسان وبين تلك التي يتم تنفيذها اليوم بواسطة طائرات بلا طيار يتم التحكم فيها عن بعد هو اختلاف يكمن فقط في التكنولوجيا وليس في الأخلاق.
وفي روسيا أيضا، عمليات الاغتيال على أرض أجنبية هي أمر ثابت في التاريخ. فبعد أكثر من ستين عاما من اغتيال ليون تروتسكي في المكسيك بأمر من ستالين، يعتقد كثير من الناس أن الرؤساء القدامى لعميل الكي جي بي السابق، ألكساندر ليتفينينكو، دبروا له مصيرا مماثلا في لندن. ويقال إن قسم "المهمات الرطبة" في الكي جي بي الذي كان يقوم بمثل هذه المهمات قد تم إلغاؤه تدريجيا. ولكن إسرائيل والولايات المتحدة وروسيا (وربما دول غير قليلة أخرى) ستواصل أعمال الاغتيالات المستهدفة. والخدعة الحقيقية تكمن في إبقاء هذه العمليات في طي الكتمان.
ويبقى هذا المبدأ جيدا مرة أخرى في القضية التي يزداد توهجها الخاصة بمحمود المبحوح، أحد قادة حماس الذي قتل الشهر الماضي في دبي على يد الموساد الإسرائيلي كما يفترض على نطاق واسع.
نعم، كانت العملية، من زاوية ضيقة، ناجحة. فقد تم تنفيذ الاغتيال المستهدف، وإزالة شخصية كبيرة في جماعة ملتزمة بتدمير دولة إسرائيل. ولكن – مرة أخرى على فرض أن الموساد هي المسؤولة – من المؤكد أن الخسائر تفوق المكاسب: الهيجان الدولي، وتوتر العلاقات مع حلفاء مهمين، ودليل جديد على أن إسرائيل تتصرف بجنون أو طيش أكثر من أعدائها. بالطبع سيتلاشى الضجيج. ولكن هل كانت تفضل إسرائيل أن يمر الأمر كله بلا كثير ملاحظة، كما بدت أنها تريد أن تفعل حتى هذا الأسبوع؟ هذه مراهنة.
هي كذلك بالطبع، لو كان وراءها الموساد. اعتاد جيمس جيساس أنجلتون، رئيس مكافحة التجسس في السي آي إيه، المتألق ولكنه مصاب بجنون الشك، اعتاد أن يتحدث عن "قفر المرايا" في تجارة التجسس التي يمكن أن تقود الإنسان إلى قرب الجنون – وهو ما حدث في حالته. كان أنجلتون محاربا في الحرب الباردة؛ وكانت مهمته هي تقييم الولاء الإنساني: ما إذا كان المنشقون صادقون، ما إذا كان من معك يعملون لك أم لصاح الاستخبارات الروسية "الكي جي بي". وانتهى به المطاف معتقدا بأن حملة تضليل روسية تسيطر على العالم.
أما في الشرق الأوسط، فالمرايا مختلفة، ولكن القفر الذي تنتجه ليس أقل تضليلا وإرباكا. هل كان الفاعل هو الموساد؟ أم خصوم إسرائيل الذين جعلوها بشكل مدروس تبدو وكأنها عمل استخباراتي، من أجل تشويه سمعة إسرائيل. ولكن مرة أخرى، هل يمكن أن يترك الموساد الأسطوري وراءه كل هذه الأدلة؟ والإجابة هي نعم، لو أنك مشترك في نظرية الفوضى في الحياة. أم هل كان يعمل الإسرائيليون بهدوء مع حركة فتح، منافسة حركة حماس في السيطرة على فلسطين، على مبدأ أن عدو عدوي هو صديقي؟ أم هل كان المبحوح - وهي الفرضية التي يؤيدها غياب بطانته المعتادة من الحراس الشخصيين – ضحية لصراع داخلي في حماس على السلطة، كان من المقرر إلقاء اللوم فيه على إسرائيل؟
رغم ذلك هناك شيء مؤكد. أعمال الاغتيالات المستهدفة هي حقيقة من حقائق الحياة، وليس فقط في الشرق الأوسط. فقد استخدمتها أقوى حلفاء إسرائيل، الولايات المتحدة، فيما يسمى "الحرب على الإرهاب". وفي الحقيقة ربما يفسر هذا لماذا ظلت واشنطن صامتة بشكل واضح بشأن قضية دبي، حتى بعد أن ظهر أن خمسة من المشتبه بهم كانوا يحملون بطاقات ائتمان صدرت في الولايات المتحدة. وفي الصيف الماضي، انشغلت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في جدل حول أمر رئاسي سري أصدره الرئيس جورج بوش عام 2001، يُزعم أنه لتشكيل فرق خاصة تهدف إلى ملاحقة وقتل إرهابيي القاعدة. باختصار، كانت هناك ضجة هائلة حول ما إذا كان هذا الأمر الرئاسي يخرق حظرا عمره ربع قرن على قيام السي آي إيه بعمليات اغتيال شخصيات أجنبية، والذي فرضه الرئيس فورد عام 1967.
ولكن السي آي إيه سمحت سريعا بأن يُعرف أن الخطة لم يتم تنفيذها قط. ولكن الاختلاف بين الاغتيالات المستهدفة التي يتم تنفيذها على يد الإنسان وبين تلك التي يتم تنفيذها اليوم بواسطة طائرات بلا طيار يتم التحكم فيها عن بعد هو اختلاف يكمن فقط في التكنولوجيا وليس في الأخلاق.
وفي روسيا أيضا، عمليات الاغتيال على أرض أجنبية هي أمر ثابت في التاريخ. فبعد أكثر من ستين عاما من اغتيال ليون تروتسكي في المكسيك بأمر من ستالين، يعتقد كثير من الناس أن الرؤساء القدامى لعميل الكي جي بي السابق، ألكساندر ليتفينينكو، دبروا له مصيرا مماثلا في لندن. ويقال إن قسم "المهمات الرطبة" في الكي جي بي الذي كان يقوم بمثل هذه المهمات قد تم إلغاؤه تدريجيا. ولكن إسرائيل والولايات المتحدة وروسيا (وربما دول غير قليلة أخرى) ستواصل أعمال الاغتيالات المستهدفة. والخدعة الحقيقية تكمن في إبقاء هذه العمليات في طي الكتمان.
¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية