عراق ما بعد امريكا وايران أخبار الشبيبة

    • عراق ما بعد امريكا وايران أخبار الشبيبة

      أحمــد المرشــد

      بدأت وانتهت الانتخابات العراقية، وتحقق الحلم للمرة الثانية في عهد الاحتلال الأمريكي، في المرة الاولى لم تنجح البلاد في تجاوز أزماتها . وكان من أهم نتائج الانتخابات قبل الأخيرة: - إنهاء عهد إياد علاوي الذي يتمنى ان تعيده أصوات الناخبين الى سدة الحكم من جديد.

      - بروز نجم نوري المالكي رئيس الوزراء، مع حدوث اختلافات وتجاوزات كبيرة ومشكلات اكثر بين الحكومة والبرلمان وداخل أركان الحكومة نفسها وأروقة البرلمان ذاته.

      وفي الانتخابات الأخيرة، لم تتضح معالم الكتل الفائزة بعد، ولكن بالإمكان الخروج بتحليلات منها، وعلى سبيل المثال دعوة رئيس المجلس الأعلى الإسلامي عمار الحكيم للعراقيين بالتوجه الى صناديق الاقتراع عشية إجراء الانتخابات لاختيار من يمثلهم في البرلمان. وشدد – وهذا هو الأهم – على أن العراقيين يستحقون الأفضل وأن العراق كبلد يحتاج الى الوزراء الشرفاء وليس الفاسدين الذين يختبئون وراء الآخرين.

      واذا جاز القول، فإن الانتخابات العراقية الأخيرة ليس كغيرها من الانتخابات، أي إن قراءة النتائج ستحدد شكل الحكومة والحكم وإدارة البلاد..فالعراق يختلف عن غيره من بقية بلدان المنطقة، اذ تتقاسم النفوذ فيه قوتان :

      • الأولى – عبارة عن مجموعة من الدول وعلى رأسها إيران وتركيا ويدخل معهما السعودية التي تريد عراقا مستقرا وقويا، وسوريا المتهمة دوما بتسهيل عملية تسلل إرهابيين لشن هجمات انتحارية في الأراضي العراقية ، ثم مصر والتي تشارك السعودية في ضرورة أن يكون العراق قويا ومستقرا. • - الثانية هي الولايات المتحدة الأمريكية ومعها بريطانيا بطبيعة الحال.

      نتحدث أولا عن القوة الاولى وهي تمثل دول الجوار باستثناء مصر، وطبيعي أن نركز على إيران التي كرست منذ الاحتلال الأمريكي ما يسمى بدبلوماسية السياسة الناعمة ،وتتمثل في عقد الصفقات التجارية والاقتصادية والمساعدات لإعادة الإعمار والتبرعات الدينية. ثم إن النفوذ الإيراني بالغ الأهمية والقوة داخل العراق ويمتد لكافة الأطياف السياسية والدينية وليس الشيعية فقط كما يتصور البعض. وكل ما يهم إيران هو أن تأتي الانتخابات برجالاتها والتيارات المؤيدة لها وليس العكس، حتى يمتد نفوذ طهران، ثم إن أزمة إيران مع الغرب بسبب ملفها النووي ، لم تمنع الدبلوماسية الإيرانية من التواصل مع الشأن العراقي الداخلي، خاصة وأن إعلان الولايات المتحدة سحب قوتها اعتبارا من أغسطس المقبل. ولهذا، يمتد النفوذ الإيراني في العراق، وبالتالي تسعى الى عدم تقليص هذا النفوذ مع تقويته ليكون ورقة في التعامل مع أمريكا أثناء التفاوض حول الملف النووي الإيراني.

      ومن شواهد هذا النفوذ، ما لعبه الإيرانيون من دور كبير في منع بعض الأسماء والقيادات السياسية من خوض الانتخابات بحجة انهم بعثيون او كانوا على صلة بالنظام السابق. وقد أشير هنا الى تقرير لصحيفة " لوبوان" الفرنسية أوضح أن الانتخابات العراقية ما هي سوى حربا بين أمريكا وإيران، لأن نتائجها تمثل تحديا لكليهما، ولأن الخريطة السياسية لما بعد الانتخابات ستحدد الجهة التي ستنجح في استمالة القيادة السياسية الجديدة في البلاد. وبالتالي، إما أن تستفيد إيران في حربها مع أمريكا ، او تحقق واشنطن مكاسب وتنسحب القوات الأمريكية في أجواء هادئة دون إشعال الموقف من طرف الإيرانيين.

      الطرف الثاني في القوة الأولى وهو تركيا، التي تسعى الى تهدئة الأوضاع السياسية في العراق، لأن أي توتر يصيب العلاقة بين بغداد وأنقرة..والأخيرة تسعى الى احتواء الأوضاع في إقليم كردستان برغم التدخلات العسكرية في بعض الأحيان والتي تبررها تركيا بكبح المتمردين الأكراد الاتراك الذين يشنون هجمات على الأراضي التركية من المناطق الكردية العراقية. ومع ذلك، فإن أنقرة ترغب في حكومة مركزية عراقية قوية يمكنها التدخل بسرعة لوقف أي هجمات كردية ، ثم وهذا هو الأهم، أن تسمح هذه الحكومة للقوات التركية بالتوغل في إقليم كردستان كلما تطلب الموقف عسكريا.

      ولا يجب أن ننسى هنا الدور التركي الجديد في ظل عهد احمد داود أوغلو رئيس الدبلوماسية التركية الذي يحاول ان تكون تدخلات بلاده بردا وسلاما على الجميع. وبالتالي، تطرح تركيا في ظل دبلوماسية أوغلو مبادرات تصالح بين الفرقاء داخل الدولة الواحدة، او المصالحة بين دول متخاصمة، وكل هذا يأتي في ظل دور تركي متنام ويتعاظم بمرور الوقت، كي تظهر للغرب وأمريكا أن انقرة عادت للحياة وبقوة، وأنه بامكانها أن تكون وسيطا مهما للغرب وأمريكا في منطقة الشرق الأوسط. وقد نتجاوز السعودية وسوريا ومصر وبقية أطراف القوة الأولى لضيق المساحة، وذلك لمصلحة الدور الأمريكي في العراق. خاصة وأن دور الرياض ودمشق والقاهرة ليس مخربا ، بل يسعى دوما الى وجود عراق قوي ومستقر بلا عنف او فوضى، لأن أي انفجار داخله سيؤثر طبعا على دول الجوار بصورة او بأخرى.

      فعلى المستوى الأمريكي، فواشنطن في ظل الرئيس باراك اوباما، تريد التفرغ تماما لمهمتين أساسيتين، تتعلق الأولى بالوضع الداخلي وضرورة تجاوز الأزمة الاقتصادية والمالية وإقرار قانون الرعاية الصحية الذي يعترض عليه الجمهوريون. فيما تركز الثانية على الحرب في افغانستان، خاصة وأن اوباما يعتبرها الملف الدولي الأكثر أهمية لسياسته الخارجية وليس قضية الشرق الأوسط كما يعتقد الكثير من العرب. علاوة على عملية انسحاب القوات الأمريكية من العراق وترك العراقيين ليحكموا أنفسهم بعد تفرغ الأمريكيين لمهمة تدريب الجيش والأمن على إدارة البلاد عسكريا وأمنيا ومنع اي فوضى قد تحدث مستقبلا.

      ولهذا، فإن رغبة أمريكا الآن هي الحفاظ على وتيرة الأمن الحالية وعدم اشتعال الموقف سياسيا ودينيا وإجهاض أي محاولات للعنف. ولكن ثمة ملاحظة هنا، وهو تراجع الدور الأمريكي في عمليات إدارة الانتخابات، لدرجة ان نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن زار بغداد عشية الانتخابات وفشل في إقناع سياسييها بفك الحظر عن بعض البعثيين والسماح لهم بالمشاركة في الانتخابات، على اعتبار أن هؤلاء الممنوعين هم اكثر قدرة على إدارة شؤون العراق خلال المرحلة المقبلة وإنهم ايضا لم يشاركوا في جرائم النظام الصدامي السابق.

      وحتى وإن رأت واشنطن أن قرار استبعاد هؤلاء البعثيين وعددهم 500 شخص، سيكون من نتائجه تخلخل في موازين القوى المذهبية والسياسية، فإن الحكومة العراقية رفضت بشدة هذا التدخل الأمريكي وتركت جو بايدن يعود بخفي حنين دون ان يتحقق مطلب واشنطن بإحداث توازن في النتائج.

      النتيجة العامة للانتخابات بغض النظر عن الفائزين وانتماءاتهم وتوازنهم، فالأهم من كل هذا هو الحرب القادمة بين واشنطن وطهران على العراق. فالأيادي الخفية لإيران تواصل أعمالها وأفعالها، وسيكون لها دور في إشعال حماس القوات الأمريكية على الانسحاب لكيلا تقع في محظور التلكؤ في استكمال هذا الانسحاب، وأن تضطر لمد مهمتها للدفاع عن بلد ينزلق الى حرب أهلية وتزداد فيه نار الفتنة. ومن دلائل هذه الحرب هو إصرار احمد الجلبي المحسوب على إيران والذي سبق أن اتهمه الأمريكيون بالتخابر لصالح طهران هو المحرض الأول على استبعاد العناصر المرتبطة بالبعث بحكم منصبه كرئيس لهيئة المساءلة والعدالة..وهو نفسه الذي خدع الأمريكيين وقدم لهم معلومات مغلوطة عن النظام السابق ، وقد أثار ظهوره مجددا على الساحة السياسية العراقية غضب الأمريكيين وعزز من مخاوف تهميش السنة والعلمانيين لمصلحة الشيعة وإيران بالطبع. وهنا بالقطع ، سيكون من مصلحة أمريكا الإسراع في سحب جنودها من العراق والتفرغ لمهمتها القتالية الصعبة في افغانستان لحسم الصراع هناك والذي قد يمتد لسنوات وسنوات.

      إجمالا..تكاثرت الكتل السياسية التي خاضت الانتخابات العراقية، وتكاثرت معها التحالفات والصفقات والتلاعبات، وتداخلت مع كل هذا إيران وأمريكا بصورة واضحة كي يضمن كل طرف أنه سيكون صاحب الحظوة في العراق، وأنه ستكون له اليد الطولى هناك في مرحلة ما بعد الانتخابات ، ثم ما بعد الانسحاب الأمريكي. والذي يجب فعله الآن، هو الانتظار لنرى شكل العراق الجديد وخريطته السياسية، وهل سيكون إيرانيا كما يتمنى احمدي نجاد رئيس إيران، ام ان يكون العراق أمريكيا كما كان خلال الفترة الماضية.. خاصة وأن بقية دول الجوار تترك الساحة العراقية للإيرانيين والأمريكيين ، على أمل أن تسفر الانتخابات عن خريطة سياسية جديدة قد تغير معادلة توازنات القوى في المنطقة كلها.

      ويكفي أن نشير الى تصريحات مسؤول عسكري أمريكي حذر فيها ، من أن بعض السياسيين العراقيين الموالين لإيران سيحاولون التخلص من الجنرالات الموالين للولايات المتحدة . والأهم أنهم سيخططون لزيادة عدد الضباط الموالين لإيران، وهو ما سيضر بالمصالح الأمريكية طويلة المدى.

      كاتب ومحلل سياسي بحريني

      E-Mail: amurshed2030@gmail.com

      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية