أحمد إبراهيم
قبل ليلتين كنا مع ليلة من غزة أطلق فيها صاروخا على جنوب إسرائيل، وفي صباحها تلقت هيلاري كلنتون وهي في موسكو مكالمة من تل أبيب والمتحدث من الطرف الآخر على الخط كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، لم يُكشف الكثير عن هذه المكالمة الغامضة حتى آخر لحظاتي من هذه السطور عدى التخمين بما يوحي به عنوان "رباعية السلام" التي تحضر اجتماعها اللجنة الرباعية الدولية الخاصة بالسلام في الشرق الأوسط بالعاصمة الروسية موسكو لإعادة إطلاق محادثات السلام بين الفلسطينين والإسرائيليين، حيث وزيرة خارجية أمريكا تجتمع بنظيرها الروسي سيرجي لافروف بالتضامن مع الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون ومعهم كل من توني بلير رئيس وزراء بريطاينا الأسبق و"كاثرين اشتون" مسؤولة العلاقات الخارجية في الاتحاد الأوروبي.
مكالمة نتانياهو كانت ليلة الخميس، أي مباشرة بعد الليلة التي تلت الصاروخ من غزة، وإن لم يُكشف عن تلك المكالمة الكثير ولم يتكهن بها الخبراء والمراقبون، لكنها وردت إلى حيث ما كانت هيلاري ضمن رباعية السلام عن الشرق الأوسط، فمن المؤكد أنها تخص بالسلام في الشرق الأوسط، ولعل الطرف الإسرائيلي قد أبدى المرونة والتنازلات تجاه السلام والسجناء الفلسطينيين ولو بدون سخاء .. فهل يعني ذلك أن غزة أخافت إسرائيل بهذا الصاروخ.؟ .. لا أعتقد ذلك .. فقد أخطأت غزة توقتيها وإن أصاب الصاروخ الهدف .. فمن يترجم لي وكيف يُترجم هذا الصاروخ الأخير الذي أطلق من غزة على مزرعة بجنوب إسرائيل فأرهق روح مهاجر تايلندي كان وراء لقمة عيشه في المزرعة!
لم يكن هذا وقت الدم والديناميت ياغزة، رائحة الدم تُريح ولا تستريح، بل وتُعفّن المناخ والطبيعة لتجمع على الأجساد الكلاب والضباع، وفوق الجثامين العقبان والغربان، صاروخا قتل مزارعا تايلنديا لن تُدفن مع جثته مخلفات ذلك الصاروخ ولن تختفي آثاره باختفاء النعش، بل وينبت فيها الريش بالشظايا المتطايرة إلى شرق آسيا وجنوبها وغربها، وإلى كل الاتجاهات للقارات السبعة بالصوت والصدى "الإرهاب الإرهاب".
وهل يليق بأهل غزة الأكثر التزاما بالدين الإسلامي الحنيف ثوب الإرهاب؟ وهل المسلمون هم الإرهابيون وشريعة الغاب هو الإسلام وقد سنن شارعه حرمة لدم الحيوان قبل الإنسان وللذمّي قبل الأمّي؟! فكل ذي روح غير مؤذ محترم ومصون الدم في الإسلام، وكان من سيرته صلى الله عليه وسلم إذا وجد هرّة نائمة على عباءته لا يوقظها، وإن رفع الأذان يطلب مقصا ليقص به عباءته ويخرج للصلاة بعباءة مقطوعة الذيل.! نعم، هذه هي الأخلاق الإسلامية، الروح له الأمان أينما وجد في الديار الإسلامية؟ فهل المسلم مازال يصنف إرهابيا في قواميس الكون؟ إن أجبتم بنعم، فبماذا تصنفون شارون وشامير وشافيز وموفاز وبيريز ودايان .. ومن هو شمعون بيريز في نظركم؟ أليس هو ذلك الحائز على جائزة نوبل للسلام؟
لماذا الصواريخ في مثل هذا الوقت بالذات ياغزة وكاد الحديد أن يلين لنار العرب بفتور إسرائيلي أمريكي غير مسبوق للفلسطيين وآبائهم وأجدادهم عندما تلقى جون بايدن في قعر بيت المضيف ألف وستمائة ملعقة حارة في حلقة بالمستوطنات التهويدية وهو يتشدق بالسلام في المنطقة على منصاتهما.. "بايدن وروبرت جيتس" مرّا من هنا فاعتنقا إسرائيل أولا وقبّلاها واحتضناها قبل كل شيء، ثم أدار وجهيهما نحونا بابتسامة صفراء وهما يكبكبان على أكتاف العرب "برافو عليكم يا أبناء المعلقات السبع وامرؤ القيس، عليكم بالسلام".
"فعليكما السلام يا بايدن وياجيتس" .. نعم هذا هو الجواب الأصوب ومن أدق الصواريخ .. لقد أخطأتكم بصاروخكم الهدف والمرمى يا أهل غزة، وأعطيتم العدو مفتاح غزة والضفة والقدس في آن واحد، وذريعة العدوان والاستيطان والتهويد واستباحة المقدسات، بل وأهديتموه بوابة ألف ليلة وليلة.
دوىّ صاروخكم يا أهل غزة دفعت ذاكرتي للوراء لأتذكر الاستاذ جابر عصفور مدير مركز القومي للترجمة في القاهرة الذي يبدو أني رأيته مرتين من باب الصدفة ومن دون أن يعرفني أو أعرفه بمنطقة السيدة زينب في القاهرة وأنا أتجول بين مطبوعات قومية معروضة بأسعار زهيدة على الأكشاك المجاورة لحرم المرأة وقد تكرر على مسمعي الآن اسمه من وكالة رويتر وأنا منكبٌّ على هذا المقال أن جابر عصفور قال في بيان مؤتمر (الترجمة وتحديات العصر) الذي يفتح في 28 مارس الجاري ويشارك فيه أكثر من 80 باحثا ومترجما عربيا وأجنبيا والذي يقيمه المركز القومي للترجمة.. وبودي أن أطرح على هذا المؤتمر من خلال هذا المقال إن وصلته سطوري أن يضيف إلى برامجها ترجمة كل ما يصدر في العالم وبكل اللغات ما لهذا الصاروخ المفاجئ الغزوي من صدى وان يترجم لنا أيضا الصاروخ نفسه بكل مكوناته القاذوراتية والهيدروجينية التفجيرية المستهدفة، ومن أوصل هذا الصاروخ إلى غزة؟ وأين سيوصّل هذا الصاروخ غزة بعد أن وصل إسرائيل؟
قد نجد بين السطور من يترجم لنا هذا الصاروخ على أنه الجهاد المقدس بصدى أيقظت نيام العرب من الخليج الى المحيط وأرعبت ربيبة العم سام بتل أبيب، وأن دويها أيقظت إسرائيل على ليلة الرعب مقابل ما أخذت إسرائيل من الفلسطينيين ستين سنة من ليال الرعب، وان هذا الجيش الذي لا يُقهر لم يعد يتنعم نومة العوافي وقادته وأركانه الذين لا تخيفهم دبابات وطائرات 22 دولة عربية باتوا يرتعشون رعبا تحت الأنفاق من طفل غزّاوي أو رضيع جنوبي .. إنها قراءات جميلة، لكنها كلها بلا ترجمة، لا يقرأها إلا العرب فلا يفهمها غير العرب، أجزم وبالذات في هذه الأيام أن صاروخا يرسل بغصن الزيتون عبر القارات لنحكم بها قلوب العالم بالحب والسلام أسهل وأعظم من صاروخ يرسل بالحمم والقاذورات لإزالة إسرائيل فيزول السلام ولن تزول إسرائيل..!
*كاتب إماراتي.
البريد الإلكتروني: ui@eim.ae
قبل ليلتين كنا مع ليلة من غزة أطلق فيها صاروخا على جنوب إسرائيل، وفي صباحها تلقت هيلاري كلنتون وهي في موسكو مكالمة من تل أبيب والمتحدث من الطرف الآخر على الخط كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، لم يُكشف الكثير عن هذه المكالمة الغامضة حتى آخر لحظاتي من هذه السطور عدى التخمين بما يوحي به عنوان "رباعية السلام" التي تحضر اجتماعها اللجنة الرباعية الدولية الخاصة بالسلام في الشرق الأوسط بالعاصمة الروسية موسكو لإعادة إطلاق محادثات السلام بين الفلسطينين والإسرائيليين، حيث وزيرة خارجية أمريكا تجتمع بنظيرها الروسي سيرجي لافروف بالتضامن مع الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون ومعهم كل من توني بلير رئيس وزراء بريطاينا الأسبق و"كاثرين اشتون" مسؤولة العلاقات الخارجية في الاتحاد الأوروبي.
مكالمة نتانياهو كانت ليلة الخميس، أي مباشرة بعد الليلة التي تلت الصاروخ من غزة، وإن لم يُكشف عن تلك المكالمة الكثير ولم يتكهن بها الخبراء والمراقبون، لكنها وردت إلى حيث ما كانت هيلاري ضمن رباعية السلام عن الشرق الأوسط، فمن المؤكد أنها تخص بالسلام في الشرق الأوسط، ولعل الطرف الإسرائيلي قد أبدى المرونة والتنازلات تجاه السلام والسجناء الفلسطينيين ولو بدون سخاء .. فهل يعني ذلك أن غزة أخافت إسرائيل بهذا الصاروخ.؟ .. لا أعتقد ذلك .. فقد أخطأت غزة توقتيها وإن أصاب الصاروخ الهدف .. فمن يترجم لي وكيف يُترجم هذا الصاروخ الأخير الذي أطلق من غزة على مزرعة بجنوب إسرائيل فأرهق روح مهاجر تايلندي كان وراء لقمة عيشه في المزرعة!
لم يكن هذا وقت الدم والديناميت ياغزة، رائحة الدم تُريح ولا تستريح، بل وتُعفّن المناخ والطبيعة لتجمع على الأجساد الكلاب والضباع، وفوق الجثامين العقبان والغربان، صاروخا قتل مزارعا تايلنديا لن تُدفن مع جثته مخلفات ذلك الصاروخ ولن تختفي آثاره باختفاء النعش، بل وينبت فيها الريش بالشظايا المتطايرة إلى شرق آسيا وجنوبها وغربها، وإلى كل الاتجاهات للقارات السبعة بالصوت والصدى "الإرهاب الإرهاب".
وهل يليق بأهل غزة الأكثر التزاما بالدين الإسلامي الحنيف ثوب الإرهاب؟ وهل المسلمون هم الإرهابيون وشريعة الغاب هو الإسلام وقد سنن شارعه حرمة لدم الحيوان قبل الإنسان وللذمّي قبل الأمّي؟! فكل ذي روح غير مؤذ محترم ومصون الدم في الإسلام، وكان من سيرته صلى الله عليه وسلم إذا وجد هرّة نائمة على عباءته لا يوقظها، وإن رفع الأذان يطلب مقصا ليقص به عباءته ويخرج للصلاة بعباءة مقطوعة الذيل.! نعم، هذه هي الأخلاق الإسلامية، الروح له الأمان أينما وجد في الديار الإسلامية؟ فهل المسلم مازال يصنف إرهابيا في قواميس الكون؟ إن أجبتم بنعم، فبماذا تصنفون شارون وشامير وشافيز وموفاز وبيريز ودايان .. ومن هو شمعون بيريز في نظركم؟ أليس هو ذلك الحائز على جائزة نوبل للسلام؟
لماذا الصواريخ في مثل هذا الوقت بالذات ياغزة وكاد الحديد أن يلين لنار العرب بفتور إسرائيلي أمريكي غير مسبوق للفلسطيين وآبائهم وأجدادهم عندما تلقى جون بايدن في قعر بيت المضيف ألف وستمائة ملعقة حارة في حلقة بالمستوطنات التهويدية وهو يتشدق بالسلام في المنطقة على منصاتهما.. "بايدن وروبرت جيتس" مرّا من هنا فاعتنقا إسرائيل أولا وقبّلاها واحتضناها قبل كل شيء، ثم أدار وجهيهما نحونا بابتسامة صفراء وهما يكبكبان على أكتاف العرب "برافو عليكم يا أبناء المعلقات السبع وامرؤ القيس، عليكم بالسلام".
"فعليكما السلام يا بايدن وياجيتس" .. نعم هذا هو الجواب الأصوب ومن أدق الصواريخ .. لقد أخطأتكم بصاروخكم الهدف والمرمى يا أهل غزة، وأعطيتم العدو مفتاح غزة والضفة والقدس في آن واحد، وذريعة العدوان والاستيطان والتهويد واستباحة المقدسات، بل وأهديتموه بوابة ألف ليلة وليلة.
دوىّ صاروخكم يا أهل غزة دفعت ذاكرتي للوراء لأتذكر الاستاذ جابر عصفور مدير مركز القومي للترجمة في القاهرة الذي يبدو أني رأيته مرتين من باب الصدفة ومن دون أن يعرفني أو أعرفه بمنطقة السيدة زينب في القاهرة وأنا أتجول بين مطبوعات قومية معروضة بأسعار زهيدة على الأكشاك المجاورة لحرم المرأة وقد تكرر على مسمعي الآن اسمه من وكالة رويتر وأنا منكبٌّ على هذا المقال أن جابر عصفور قال في بيان مؤتمر (الترجمة وتحديات العصر) الذي يفتح في 28 مارس الجاري ويشارك فيه أكثر من 80 باحثا ومترجما عربيا وأجنبيا والذي يقيمه المركز القومي للترجمة.. وبودي أن أطرح على هذا المؤتمر من خلال هذا المقال إن وصلته سطوري أن يضيف إلى برامجها ترجمة كل ما يصدر في العالم وبكل اللغات ما لهذا الصاروخ المفاجئ الغزوي من صدى وان يترجم لنا أيضا الصاروخ نفسه بكل مكوناته القاذوراتية والهيدروجينية التفجيرية المستهدفة، ومن أوصل هذا الصاروخ إلى غزة؟ وأين سيوصّل هذا الصاروخ غزة بعد أن وصل إسرائيل؟
قد نجد بين السطور من يترجم لنا هذا الصاروخ على أنه الجهاد المقدس بصدى أيقظت نيام العرب من الخليج الى المحيط وأرعبت ربيبة العم سام بتل أبيب، وأن دويها أيقظت إسرائيل على ليلة الرعب مقابل ما أخذت إسرائيل من الفلسطينيين ستين سنة من ليال الرعب، وان هذا الجيش الذي لا يُقهر لم يعد يتنعم نومة العوافي وقادته وأركانه الذين لا تخيفهم دبابات وطائرات 22 دولة عربية باتوا يرتعشون رعبا تحت الأنفاق من طفل غزّاوي أو رضيع جنوبي .. إنها قراءات جميلة، لكنها كلها بلا ترجمة، لا يقرأها إلا العرب فلا يفهمها غير العرب، أجزم وبالذات في هذه الأيام أن صاروخا يرسل بغصن الزيتون عبر القارات لنحكم بها قلوب العالم بالحب والسلام أسهل وأعظم من صاروخ يرسل بالحمم والقاذورات لإزالة إسرائيل فيزول السلام ولن تزول إسرائيل..!
*كاتب إماراتي.
البريد الإلكتروني: ui@eim.ae
¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية