سقراط في بيتنا - جديد عبدالله المهيري

    • سقراط في بيتنا - جديد عبدالله المهيري

      "عمي!" نادتني ابنة أخي بصوتها الرفيع وابتسامتها الخجولة دائماً "حورية البحر حقيقية؟" سألت وانتظرت إجابة لكنها تعلم أنني لن أجيبها وأظن أنها تستمتع بذلك لأنها تريد طرح مزيد من الأسئلة، هذه البنت تسأل كثيراً لدرجة أصل فيها لحافة الجنون لكنني أجيبها بقدر الإمكان خصوصاً إن كان السؤال عن شيء علمي أو يتعلق بالمعرفة، وإن كان السؤال غير مهم ففي الغالب أخبرها أنه غير مهم لكنها تعيد طرحه بأسلوب مختلف!

      "شو رأيك أنتي؟" سألتها، وهذا سؤال متكرر الآن لأنني أريد أن أعرف طريقة تفكيرها، أخبرتها أن هناك قصص كثيرة عن حوريات البحر وأن هناك حوريات بحر مذكرة ولا أعرف كيف أسميهم، لكن قبل كل هذا ما هي حورية البحر؟ وصفتها ابنة أخي بأنها نصف امرأة ونصف سمك وهذا وصف جيد، ثم سألتها "إن كان هناك شيء مثل حورية البحر فأين ستعيش؟ في مكان بارد أم حار؟" وقادني هذا السؤال للحديث عن الحيتان الكبيرة وشحومها فاستنتجت ابنة أخي أن الحوريات تعيش في مكان دافئ، لكنها أعادت طرح السؤال "هل هي حقيقية؟" أخبرتها أن تفكر وتبحث عن إجابة.

      أشعر بأنني أعذبها بعدم توفير إجابات مباشرة لكن ما يحدث أنني أقدم لها ما كنت أتمنى أن أجده في المدرسة، الحماس للتعلم والحماس للتعليم والحوارالمفتوح الحر بين الطالب والمدرس، هذا الحوار يعلم الطالب التفكير وطرح أسئلة أدق وأكثر أهمية ومحاولة استنباط إجابات من خلال طرح مزيد من الأسئلة والبحث عن منطق للسير عليه نحو الإجابة، هذا الأسلوب متعب ويستهلك الوقت وطاقة المدرس لكنه أسلوب أكثر فائدة من التلقين المباشر.

      عدم تقديم إجابات لم يثني ابنة أخي من طرح مزيد من الأسئلة بل على العكس بدأت ألاحظ أن أسئلتها غير المهمة بدأت تقل بشكل كبير وعدد أسئلتها المفيدة تزداد ولا زلت أصل إلى حافة الجنون في كل الأحوال، لأنها لا تتوقف عن طرح الأسئلة وفي الحقيقة ما تطرحه ليس أسئلة بل سلسلة تعذيب لا نهاية لها، فالحوار يبدأ بسؤال صغير "هل القرش يحب ياكل الإنسان؟" لنصل إلى الحديث عن الفرق بين ما هو مفترس وما هو غير مفترس ثم الحديث عن الإنسان نفسه، هل الإنسان مفترس أم لا؟

      هذا الأسلوب في الإجابة عن الأسئلة بأسئلة ليس جديداً وأنا تعلمته من مقالة بعنوان The Socratic Method التي يتحدث فيها كاتبها عن تجربة تعليم نظام الأرقام الثنائي بطرح الأسئلة فقط على الطلاب وقد نجح في تعليمهم، هذا جعلني أبحث أكثر عن سقراط وعن أسلوب تعليمه ووجدت أنني أحب هذا الأسلوب في التعليم والتعلم حتى قبل أن أعرف أن هناك ما يسمى بطريقة سقراط، بل أجد أن هذا هو الأسلوب الطبيعي للتعلم والتعليم، يمكن للكتب أن تقدم كثيراً من المعلومات لكن المنطق والاستنتاج والتفكير والنقد وغيرها من المهارات العقلية بحاجة لحوار وألعاب عقلية لا تتوقف.

      بالأمس فقط كنت أقرأ كتباً يشرح فكرة صعبة بعض الشيء وعندما فهمتها بدأت بالضحك بصوت عالي في الساعة الثالثة صباحاً، الكتاب شرحها عن طريق حوار بين شخصيات في قصة لذلك كنت أعيش جو هذا الحوار وعندما لمعة الفكرة في عقلي وفهمتها بدأت أضحك ولم أستطع أن أكمل قراءة الكتاب، وضعته جانباً وبدأت أمشي حول الغرفة أفكر في أمور أخرى متعلقة بما فهمته وأحاول ربط الأفكار، لم أكن أستطيع الجلوس ولا الثبات في مكان واحد لأن هناك حماس يتقد في صدري وعقلي وإن حاولت الجلوس سأختنق، في هذه اللحظة تمنيت لو أنني أستطيع نقل مشاعري هذه لكل الطلاب، لأنهم محرومون من هذا، محرومون من متعة التعلم، المدارس تقتل متعة التعلم، المدارس تقتل روح الإنسان وعقله.

      دعني أحاول شرح الفكرة التي فهمتها بالأمس، هناك كتب تشير لنفسها، سأفسر لك ذلك، ألا ترى في بعض الكتب ملاحظات تشير لكتب أخرى؟ ككتاب علمي يشير لكتاب علمي آخر كمصدر، لكن هناك كتب وأغلبها قصص تشير لنفسها، الكتاب يجعل نفسه المصدر، ما فائدة ذلك؟ في الغالب لا فائدة إلا متعة اللعب بالكلمات والمنطق، احتفظ بهذه الفكرة قليلاً وتخيل معي أن هناك دليل لعناوين الكتب التي لا تشير لنفسها، سيكون دليلاً ضخماً بلا شك، لكن ... السؤال المهم هنا: هل على الدليل أن يضع اسمه ضمن قائمة الكتب التي لا تشير لنفسها؟

      لن أعطيك إجابة، فكر فيها قليلاً، تمرين للمنطق ولعبة عقلية، إن شعرت بالحماس أو بدأت تضحك بدون أن تعرف سبب الضحك فهذا هو ما كنت أشعر به عندما كنت أفكر في هذا السؤال.

      التعليم يجب أن يكون ممتعاً ويجب أن يبث الحماس في قلب أي شخص، التعليم ليس هدفه إعداد الطالب لسوق العمل بل إعداده للحياة كلها، سوق العمل - أو الوظيفة بمعنى آخر - شيء محدود ويجعل الغاية السامية للتعليم مجرد شيء مادي بحت، وفي الحقيقة كثير من الوظائف لا تحتاج لشهادات جامعية أو ثانوية بل تحتاج لشخص يعرف أساسيات بسيطة ويمكنه أن يتدرب على الوظيفة في أيام ثم يتقنها في أيام ثم يعيش بقية عمره في جحيم ممل لا يطاق.

      غاية التعليم يجب أن تكون إعداد الفرد للحياة ضمن مجتمع عالمي، نعم أعني ذلك، نحن لسنا جزيرة منعزلة عن العالم، وديننا دين عالمي، عندما يتعلم الطالب أنه جزء من عالم كبير وأن الخيارات أمامه غير محدودة وأنه قادر على الإبداع والابتكار بعيداً عن الوظائف التقليدية عندها فقط سنرى إقبال الناس على العمل في مشاريع خاصة بهم تساهم فعلياً في تطوير المجتمع.

      عودة لسقراط، هذا أسلوب يمكن لأي معلم أن يطبقه الآن في مدارسنا، إن نجح شخص ما في تعليم طلاب نظام الأرقام الثنائي من خلال الأسئلة فقط فلا شك أننا نستطيع تعليم طلابنا أشياء مختلفة بنفس الأسلوب، ليس سهلاً أن تفعل ذلك، لكن كل الأشياء التي تستحق أن تبذل جهداً لها هي أشياء صعبة.



      المصدر : مدونة عبدالله المهيري


      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية

      وأدعوكم للإستفادة بمقالات متقدمة في مجال التقنية والأمن الإلكتروني
      رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
      المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
      والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني
      Eagle Eye Digital Solutions