السلام بين العادة والضرورة أخبار الشبيبة

    • السلام بين العادة والضرورة أخبار الشبيبة

      توماس فريدمان

      لو أن المرء يعتقد أن الخلافات الامريكية الاسرائيلية الاخيرة هي نفسها تلك الخلافات القديمة بسبب المستوطنات، هو إذن مغمض العينين. وهذا الوصف هو ما أصف به الكثير من الاسرائيليين والعرب واليهود الامريكيين اليوم. فالخلاف الحالي يعكس تغيرا جذريا وقع تحت سطح العلاقات الاسرائيلية الأمريكية. وذلك التغير الجذري ألخصه كالتالي: في العقد الأخير، مضت عملية السلام الاسرائيلية الفلسطينية – بالنسبة لإسرائيل- من الضرورة الى العادة. وفي العقد الأخير، مضت عملية السلام الاسرائيلية الفلسطينية – بالنسبة لأمريكا- من العادة الى الضرورة. وهنا مربط الفرس.

      فانهيار عملية سلام أوسلو، مصحوبا بالانسحاب الاسرائيلي من لبنان وغزة- والذي لم يتبعه السلام، بل تبعه صواريخ من حماس ومن حزب الله- هدم معسكر السلام الاسرائيلي والاحزاب السياسية المنحازة للسلام. وفي نفس الوقت، الحصار الذي ضربه الاسرائيليون حول الضفة الغربية لمنع الانتحاريين الفلسطينيين من دخول اسرائيل (توقفت تلك الهجمات الانتحارية منذ 2006)، بالاضافة الى النهضة التي حدثت لصناعة التكنولوجيا الذكية في اسرائيل- والتي يتم من خلالها جزء كبير من الأعمال التجارية، بالاسلوب الرقمي ، ما يمكن من تجنب الصراعات اليومية- كان معناه أنه حتى بدون وجود السلام، يمكن لاسرائيل أن تتمتع بوجود سلمي للغاية، ومستوى معيشي آخذ في الارتفاع.

      ولنقول الأمر بشكل آخر، نقول إن انهيار عملية السلام، مصحوب بتشييد جدار الفصل الاسرائيلي، مصحوبان بالنهضة في الشبكة العنكبوتية، جعلوا صنع السلام مع الفلسطينيين أمرا أقل ضرورة بالنسبة لإسرائيل وكذلك جعلوه أمرا أكثر قليلا من كونه مجرد عادة. والمزيد من الاسرائيليين، واعون أم غير واعين، يبدو أنهم يعتقدون أن بمقدورهم بالفعل أكل الكعكعة كلها: دولة يهودية و دولة ديمقراطية و دولة على كل أراضي اسرائيل، بما فى ذلك الضفة الغربية- والسلام أيضا.

      لم لا؟ فلقد كتب دان إيرفون في النيوزويك يوم 11 يناير الماضي إن :" وضعا امنيا جيدا، وشعورا بأن قبول العرب بالوجود الاسرائيلي لم يعد هما كثيرا، واستياء متزايدا من السياسات بشكل عام جعلوا الكثير من الاسرائيليين ينظرون مجددا في الحسابات الأساسية التي تدفع عملية السلام.فبدلا من السعي وراء السلام، يسأل الاسرائيليون الآن: من يحتاج السلام؟ فالسياحة في إسرائيل ارتفعت معدلاتها فى العام 2008 الى رقم قياسي هو الأعلى خلال عشر سنوات. وقال صندوق النقد الدولي إن إجمالي الناتج المحلي الاسرائيلي سينمو في العام 2010 أسرع من مثيله في معظم الدول المتقدمة. باختصار، يستمتع الاسرائيليون بالسلام من دون اتفاقية سلام."

      والآن، وفي نفس الفترة، انتقلت امريكا من مجرد وجود عدد قليل من الجنود التابعين لها في الشرق الأوسط، الى الانخراط في حربين هناك- واحدة في العراق وأخرى في أفغانستان- بالاضافة الى كفاح عالمي لقوى التطرف. وفي ظل وجود جنود امريكيين يجوبون الشارع العربي بمعنى الكلمة، مضت عملية السلام الاسرائيلية الفلسطينية من كونها عادة يمارسها الدبلوماسيون الامريكيون و تنتمي لما بعد الحرب الباردة الى ضرورة. ومؤخرا قال كل من جوزيف بايدن نائب الرئيس الأمريكي والجنرال ديفيد بيترايوس إن الصراع الاسرائيلي الأمريكي يثير المشاعر المناهضة لأمريكا، بسبب التصور أن امريكا عادة تأتي في صف اسرائيل، وهذه المشاعر تستغلها بعض القوى المتطرفة كالقاعدة و حماس وحزب الله لتولد المناهضة لأمريكا، والتي تهدد حياة الجنود الأمريكيين في المنطقة.

      والقضية التي يجب أن تجعل عملية صنع السلام ضرورة وليست عادة بالنسبة لاسرائيل وأمريكا معا هي مواجهة إيران النووية. وللأسف، ترى اسرائيل مسألة منع إيران من التحول الى دولة نووية ركوبا مجانيا و تراه أمرا منفصلا عن القضية الفلسطينية، بينما ترى أمريكا الأمرين يكمل أحدهما الآخر. وفي وقت تحاول فيه امريكا حشد تحالف عالمي لمواجهة ايران، في وقت تستخدم فيه إيران الصراع الفلسطيني الاسرائيلي لتحرج العرب الموالين لأمريكا وتوسع نفوذها عبر العالم الاسلامي، يجب أن يكون السلام ذخرا استراتيجيا لأمريكا واسرائيل.

      وقد حث الكاتب الاسرائيلي أري شافيت في عموده في صحيفة هاآرتس اليومية الاسرائيلية، حث على ضرورة أن تتبنى اسرائيل وجهة نظر أكثر تكاملا- يسميها هو استراتيجية "فلسطين- إيران- فلسطين": يجب أن تأخذ اسرائيل المبادرة وتفاتح الفلسطينيين، وهذا سيحقق التقدم على تلك الجبهة بشكل أسهل، وهذا سيدعم التحالف الأمريكي ضد إيران، وهذا سيضعف قطعا طهران وحلفاءها، وهذا سيفتح الطريق لمزيد من التقدم على الجبهة الاسرائيلية الفلسطينية. ويقترح أري شافيت أن تتوصل اسرائيل الى اتفاق مؤقت مع الفلسطينيين بخصوص الضفة الغربية أو حتى تنظر في انسحاب أحادي الجانب.

      يقول: أري شافيت:" بطريقة أو بأخرى، كان يجب أن يقوم نتانياهو بنقلة عبقرية على الجبهة الفلسطينية كان بمقدورها أن تحدث نقلات عبقرية على الجبهة الايرانية. وهذه بدورها كانت ستجعل التعامل مع قلب الصراع الإسرائيلي الفلسطيني ممكنا على نطاق كبير." وفي الحقيقة، القدس والمستوطنات والسلام وايران كلها ملفات مرتبطة ببعضها، والادعاء بأنه من الممكن التعامل مع بعض هذه الملفات بطريقة العادة ومع البعض الاخر بطريقة الضرورة هو وهم كبير.

      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية