مارك باودن
في خمسينيات القرن الماضي، تلك الفترة التي نشأت بها، أصبحت للمرة الأولى مدركا أن هناك عالما نابضا بالحيوية بعيدا عن ضاحيتي ذات المروج الأنيقة في شيكاغو، وذلك بسبب حركة الحقوق المدنية. وبعد ذلك دخلت مدرسة سانت بيترونيل الابتدائية وكنت أنظر إلى مجتمعي من خلال نوافذ من الزجاج الملون. وفي تلك الحالة من السذاجة، كنت أعتقد أن العالم يحوي صنفين فقط من الناس: الكاثوليك، الذين ينتمون أو ينضمون إلى "العقيدة الوحيدة الصحيحة" التي هي عقيدتنا؛ والعامة، وهم ذلك الجمع من الناس الأقل حظا من الناحية الروحية المحتشدين في المدارس العامة.
لم أكن قد قابلت يهوديا مطلقا. ولم أكن قد سمعت أبدا عن الإسلام أو الهندوسية أو أي دين من أديان العالم الأخرى. فقد كان كل من أعرفهم هم مسيحيون وبيض.
ولكنني سمعت كثيرا عن "الزنوج". فقد وصلني كفاحهم من أجل المساواة في الحقوق من خلال التليفزيون وصحيفة شيكاغو تريبيون التي كنت أقرؤها كل صباح ومن خلال الصفحات المصقولة لمجلة "الحياة" التي كنت أنتظرها بلهف كل أسبوع. وكما كان الحال مع كثيرين من جيلي، كان الاعتقاد بأن المحتجين دائما على حق – وفي المبدأ الأمريكي الأساسي القائل بأن كل الناس خلقوا سواسية – هو أول اقتناع قوي في حياتي.
وقد كنت أؤمن بذلك على الرغم من العنصرية المكشوفة لجدي المولود في ألاباما، الذي كان يستخدم بحرية تامة التنوعات الفظة لكلمة "زنجي"، والتي كان والديّ يمنعان استخدامها في بيتنا. كما كنت أؤمن به على الرغم من الاعتراف المزعج بأن تساوي الحقوق من شأنه أن يغير العالم المريح الذي كنت أعرفه.
وقد حدث هذا بالفعل – أحيانا بشكل أكبر مما كنت أتخيل، وأحيانا أخرى أقل. ولكني الآن وأنا أقترب من عقدي السادس من العمر، فأنا أعيش في أمريكا تنكمش فيها باطراد تلك القطعة البيضاء الأنجلوسكسونية من الفطيرة الديموغرافية. وعلى مدى الأربعين عاما القادمة، كما تظهر التصورات الإحصائية، فإن هؤلاء الامريكيين "الآخرين" – هؤلاء الذين نشأت وأنا أطلق عليهم "أقليات" – سيشكلون مجتمعين أكثر من نصف عدد السكان. بعبارة أخرى، ربما أعيش عمرا طويلا بما يكفي لأن أرى نفسي أنا أقلية.
في كتابه "المائة مليون القادمة: أمريكا عام 2050"، يشير جويل كوتكين إلى أن أمريكا بها أعلى نسبة خصوبة بين كل البلاد المتقدمة، بالأساس بسبب مواطنيها غير البيض. وتظل أمريكا هي الوجهة الأولية لمهاجري العالم، وبغض النظر عن كم عدد الجدران والقوانين التي يتم إنشاؤها، فسوف يواصلون المجيء.
وبخلاف موجات الهجرة في الماضي، يتسم القادمون الجدد اليوم بالتعليم والمهارات. لقد وصف كوتكين بجدارة سكان الولايات المتحدة بأنهم "مركب مبهر ومعقد،" وهو الآن يصبح ذلك بالفعل وأكثر. ويتنبأ كوتكين بأن أعداد الأمريكيين من أصل لاتيني وآسيوي سيزداد إلى ثلاثة أضعاف عام 2050.
لا يحتاج البيض من أمثالي إلى رجل أرصاد جوية ليعرفوا في أي اتجاه تهب الريح. بالنسبة لمعظم الأمريكيين ممن أعرفهم، هذا المسار المتعدد الأعراق هو أكثر من مجرد مسألة إحصائيات جافة. هناك فقرة مسرحية لا تنسى للممثل الكوميدي كريس روك، يحذر فيها قائلا، "في أمريكا، عليك أن تكون واعيا تماما لمن تكرهه، لأنه قد ينتهي به المطاف كأحد أفراد أسرتك." مازالت عائلتي المباشرة في أغلبها أنجلو أيرلندية ألمانية مسيحية (وهو في حد ذاته يدل على أجيال من الاختلاط)، ولكنها أيضا أمريكية من أصل أفريقي وروسية ودنمركية ويهودية وكورية. وهناك أيضا سلالة قوية من أبناء العمومة الإيطاليين، وهناك زفاف يوناني يلوح في الأفق.
هذا ليس أمرا جديدا. فكما يستطيع أي شخص قام بتحليل الدي إن إيه أن يخبرك، أمريكا هجينة منذ بدايتها. في عام 1742، حتى قبل أن توجد الأمة الأمريكية أو يطلق عليها "بوتقة صهر"، وصف أحد كبار السن من مورافيا موطني وموطنه بهذه الطريقة: "بنسلفانيا بابلية بالكامل". وكان المبشر اللوثري الشهير في القرن الثامن عشر، هنريك موهلينبرج، قلقا بشأن نقاء عقيدته اللوثرية في فيلادلفيا متعددة اللغات، مشيرا بانزعاج إلى أن الشباب "سيتدهور بالتدريج ... بسبب الامتزاج مع الجنسيات الأخرى."
وعندما بدأت جدران القومية والدين تنهار، ظل العرق موجودا. وأثناء الحرب الأهلية، نشر ملاك العبيد المخاوف من "تمازج الأجناس"، محذرين من أن العبيد المحررين سيتزاوجون مع العرق الأبيض ومن ثم يلوثون نقاءه، مما حدا بأبراهام لينكولن بالمقاومة.
هذا التلاقح الخائف المنبوذ الذي يلاقي مقاومة في كل خطوة يخطوها، والذي دائما ما يصحبه العنف، هذا التلاقح هو أمريكا. ربما يثير هذا المقال النظرات الساخرة المعتادة، ولكن هؤلاء الذين يتشبثون بأساطير النقاء العرقي في هذا البلد يسبحون ضد تيار لا يمكن إيقافه. أظهر مسح أجراه معهد جالوب مؤخرا أن نسبة 95% من الأمريكيين في المرحلة العمرية بين 18 و29 عاما يوافقون على التعارف مختلط الأعراق بين الشباب والفتيات، مقارنة بنسبة 45% فقط ممن هم فوق سن 64 عاما.
وعندما تتآكل الجدران العنيدة للهوية العرقية والإثنية، تفقد العرقية معناها. وعندما لا يرسل لون البشرة من المؤشرات أكثر مما يرسله لون العين أو الشعر (وعندئذ فقط)، ستكون العرقية قد ماتت. وستتعجب الأجيال المستقبلية ذات لون البشرة الأكثر دكانة متسائلة علامَ كانت كل تلك الضجة.
لقد كانت أمتنا هي الأولى في العالم التي أُسست على فكرة، وليس على مفهوم ما للتفوق العرقي أو الديني. وتظل المساواة العامة العالمية، وهي أول فكرة كبيرة اعتنقتها أنا كطفل، هي المفهوم الأكثر ثورية في التاريخ الإنساني. فقد ذكرها صراحة توماس جيفرسون في إعلان الاستقلال، وتم فرضها بتكلفة باهظة على يد جيوش الاتحاد في الحرب الأهلية. كما طالب الثوري د. مارتن لوثر كنج أن نرقى لمستوى هذه الفكرة في القرن الماضي، وهي التي تحدد وتعرف كفاحنا ضد الثيوقراطيين الإسلاميين اليوم.
البعض قلق من أن التحول إلى "مركب مبهر ومعقد" سيحطم تراثنا. كلا، إنه يتممه. إن هذا المركب هو السبب في أن أمريكا مازالت هي النموذج المحتذى في عالم أصبحت حدوده سهلة العبور بالصورة التي نراها، حيث الحواجز الطبقية تتساقط ضحية للتعليم والاتصالات العالمية الفورية. إنه هو السبب في أن أمريكا مازالت هي الترياق لكل أشكال الطغيان. إنها الأمة التي قُدر لنا أن تكون أمتنا.
في خمسينيات القرن الماضي، تلك الفترة التي نشأت بها، أصبحت للمرة الأولى مدركا أن هناك عالما نابضا بالحيوية بعيدا عن ضاحيتي ذات المروج الأنيقة في شيكاغو، وذلك بسبب حركة الحقوق المدنية. وبعد ذلك دخلت مدرسة سانت بيترونيل الابتدائية وكنت أنظر إلى مجتمعي من خلال نوافذ من الزجاج الملون. وفي تلك الحالة من السذاجة، كنت أعتقد أن العالم يحوي صنفين فقط من الناس: الكاثوليك، الذين ينتمون أو ينضمون إلى "العقيدة الوحيدة الصحيحة" التي هي عقيدتنا؛ والعامة، وهم ذلك الجمع من الناس الأقل حظا من الناحية الروحية المحتشدين في المدارس العامة.
لم أكن قد قابلت يهوديا مطلقا. ولم أكن قد سمعت أبدا عن الإسلام أو الهندوسية أو أي دين من أديان العالم الأخرى. فقد كان كل من أعرفهم هم مسيحيون وبيض.
ولكنني سمعت كثيرا عن "الزنوج". فقد وصلني كفاحهم من أجل المساواة في الحقوق من خلال التليفزيون وصحيفة شيكاغو تريبيون التي كنت أقرؤها كل صباح ومن خلال الصفحات المصقولة لمجلة "الحياة" التي كنت أنتظرها بلهف كل أسبوع. وكما كان الحال مع كثيرين من جيلي، كان الاعتقاد بأن المحتجين دائما على حق – وفي المبدأ الأمريكي الأساسي القائل بأن كل الناس خلقوا سواسية – هو أول اقتناع قوي في حياتي.
وقد كنت أؤمن بذلك على الرغم من العنصرية المكشوفة لجدي المولود في ألاباما، الذي كان يستخدم بحرية تامة التنوعات الفظة لكلمة "زنجي"، والتي كان والديّ يمنعان استخدامها في بيتنا. كما كنت أؤمن به على الرغم من الاعتراف المزعج بأن تساوي الحقوق من شأنه أن يغير العالم المريح الذي كنت أعرفه.
وقد حدث هذا بالفعل – أحيانا بشكل أكبر مما كنت أتخيل، وأحيانا أخرى أقل. ولكني الآن وأنا أقترب من عقدي السادس من العمر، فأنا أعيش في أمريكا تنكمش فيها باطراد تلك القطعة البيضاء الأنجلوسكسونية من الفطيرة الديموغرافية. وعلى مدى الأربعين عاما القادمة، كما تظهر التصورات الإحصائية، فإن هؤلاء الامريكيين "الآخرين" – هؤلاء الذين نشأت وأنا أطلق عليهم "أقليات" – سيشكلون مجتمعين أكثر من نصف عدد السكان. بعبارة أخرى، ربما أعيش عمرا طويلا بما يكفي لأن أرى نفسي أنا أقلية.
في كتابه "المائة مليون القادمة: أمريكا عام 2050"، يشير جويل كوتكين إلى أن أمريكا بها أعلى نسبة خصوبة بين كل البلاد المتقدمة، بالأساس بسبب مواطنيها غير البيض. وتظل أمريكا هي الوجهة الأولية لمهاجري العالم، وبغض النظر عن كم عدد الجدران والقوانين التي يتم إنشاؤها، فسوف يواصلون المجيء.
وبخلاف موجات الهجرة في الماضي، يتسم القادمون الجدد اليوم بالتعليم والمهارات. لقد وصف كوتكين بجدارة سكان الولايات المتحدة بأنهم "مركب مبهر ومعقد،" وهو الآن يصبح ذلك بالفعل وأكثر. ويتنبأ كوتكين بأن أعداد الأمريكيين من أصل لاتيني وآسيوي سيزداد إلى ثلاثة أضعاف عام 2050.
لا يحتاج البيض من أمثالي إلى رجل أرصاد جوية ليعرفوا في أي اتجاه تهب الريح. بالنسبة لمعظم الأمريكيين ممن أعرفهم، هذا المسار المتعدد الأعراق هو أكثر من مجرد مسألة إحصائيات جافة. هناك فقرة مسرحية لا تنسى للممثل الكوميدي كريس روك، يحذر فيها قائلا، "في أمريكا، عليك أن تكون واعيا تماما لمن تكرهه، لأنه قد ينتهي به المطاف كأحد أفراد أسرتك." مازالت عائلتي المباشرة في أغلبها أنجلو أيرلندية ألمانية مسيحية (وهو في حد ذاته يدل على أجيال من الاختلاط)، ولكنها أيضا أمريكية من أصل أفريقي وروسية ودنمركية ويهودية وكورية. وهناك أيضا سلالة قوية من أبناء العمومة الإيطاليين، وهناك زفاف يوناني يلوح في الأفق.
هذا ليس أمرا جديدا. فكما يستطيع أي شخص قام بتحليل الدي إن إيه أن يخبرك، أمريكا هجينة منذ بدايتها. في عام 1742، حتى قبل أن توجد الأمة الأمريكية أو يطلق عليها "بوتقة صهر"، وصف أحد كبار السن من مورافيا موطني وموطنه بهذه الطريقة: "بنسلفانيا بابلية بالكامل". وكان المبشر اللوثري الشهير في القرن الثامن عشر، هنريك موهلينبرج، قلقا بشأن نقاء عقيدته اللوثرية في فيلادلفيا متعددة اللغات، مشيرا بانزعاج إلى أن الشباب "سيتدهور بالتدريج ... بسبب الامتزاج مع الجنسيات الأخرى."
وعندما بدأت جدران القومية والدين تنهار، ظل العرق موجودا. وأثناء الحرب الأهلية، نشر ملاك العبيد المخاوف من "تمازج الأجناس"، محذرين من أن العبيد المحررين سيتزاوجون مع العرق الأبيض ومن ثم يلوثون نقاءه، مما حدا بأبراهام لينكولن بالمقاومة.
هذا التلاقح الخائف المنبوذ الذي يلاقي مقاومة في كل خطوة يخطوها، والذي دائما ما يصحبه العنف، هذا التلاقح هو أمريكا. ربما يثير هذا المقال النظرات الساخرة المعتادة، ولكن هؤلاء الذين يتشبثون بأساطير النقاء العرقي في هذا البلد يسبحون ضد تيار لا يمكن إيقافه. أظهر مسح أجراه معهد جالوب مؤخرا أن نسبة 95% من الأمريكيين في المرحلة العمرية بين 18 و29 عاما يوافقون على التعارف مختلط الأعراق بين الشباب والفتيات، مقارنة بنسبة 45% فقط ممن هم فوق سن 64 عاما.
وعندما تتآكل الجدران العنيدة للهوية العرقية والإثنية، تفقد العرقية معناها. وعندما لا يرسل لون البشرة من المؤشرات أكثر مما يرسله لون العين أو الشعر (وعندئذ فقط)، ستكون العرقية قد ماتت. وستتعجب الأجيال المستقبلية ذات لون البشرة الأكثر دكانة متسائلة علامَ كانت كل تلك الضجة.
لقد كانت أمتنا هي الأولى في العالم التي أُسست على فكرة، وليس على مفهوم ما للتفوق العرقي أو الديني. وتظل المساواة العامة العالمية، وهي أول فكرة كبيرة اعتنقتها أنا كطفل، هي المفهوم الأكثر ثورية في التاريخ الإنساني. فقد ذكرها صراحة توماس جيفرسون في إعلان الاستقلال، وتم فرضها بتكلفة باهظة على يد جيوش الاتحاد في الحرب الأهلية. كما طالب الثوري د. مارتن لوثر كنج أن نرقى لمستوى هذه الفكرة في القرن الماضي، وهي التي تحدد وتعرف كفاحنا ضد الثيوقراطيين الإسلاميين اليوم.
البعض قلق من أن التحول إلى "مركب مبهر ومعقد" سيحطم تراثنا. كلا، إنه يتممه. إن هذا المركب هو السبب في أن أمريكا مازالت هي النموذج المحتذى في عالم أصبحت حدوده سهلة العبور بالصورة التي نراها، حيث الحواجز الطبقية تتساقط ضحية للتعليم والاتصالات العالمية الفورية. إنه هو السبب في أن أمريكا مازالت هي الترياق لكل أشكال الطغيان. إنها الأمة التي قُدر لنا أن تكون أمتنا.
¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية