زمن الزلازل أخبار الشبيبة

    • زمن الزلازل أخبار الشبيبة

      كتب - أحمد إبراهيم

      كنت قد جلست بعد صلاة الجمعة والقلم أتركه يحتسي من آخر الأحداث أسخنها، متربصا لسخونة القمة النووية الأخيرة التي انعقدت في واشنطن ومقتنعا بما لمخلفاتها من حرارة ليس بعدها حرارة وسخونة ليس فوقها سخونة، وكنت قد اخترته موضوعا رئيسيا للمقال الذي اختار لنفسه عنوان(القمّة النووية، خمسينيةٌ بلا ألفين) .. والألفان هنا بكسر اللام وأقصد به حرف (الألف) مكررا، لسقوط حرف الألف مرتين، ولم يكن سقوطهما عن قائمة الدول المشاركة في القمة عن سهو وعمد، إذ لاحظ الخبراء والمراقبون بعد التدقيق في القائمة حسب الترتيب الهجائي لأسماء الدول المشاركة أنها لم تجد فيها حرف(الألف) ثم لم تجد فيها-أيضا- حرف(الألف)، فلا (إسرائيل) ولا (إيران) في القمة النووية، لعل إحداهما لم تُدعَ إليها والأخرى لم تحضرها ورغم ذلك بقيتا الغائبتين الحاضرتين عن قمة انتهت دون أن ينتهي الحديث عن التي تملك أكبر ترسانة نووية في المنطقة أو التي تسعى إليها.

      إلى هنا واهتزّ بدني على خبر من البرازيل تجمّد له القلم فتجنّد له بتغيير مساره من القمة النووية بنيويورك الى القمة الثانية لـ(بريك) بالبرازيل التي كان يحضرها الرئيس الصيني (هوجين تاو) ضمن دول مجموعة (بريك) التي تضم الصين والبرازيل وروسيا والهند، والرئيس الصيني الذي كان قد اتجه مباشرة من العاصمة الأمريكية واشنطن وخرج توا من القمة النووية، وكان مقررا أن يتوجه من البرازيل مباشرة إلى كل من فنزويلا وتشيلي.

      قيل عن هذا السندباد الصيني فجأة انه بات لايتحرك إلا في اتجاه واحد، فلا يستطيع الجلوس على الكرسي، ولا الوقوف على القدمين ولا المشي عليهما، ولا الصعود الى المنصات، وأنه لايتحدث الى "مايكروفونات" الصحفيين ولا ينظر في "كاميرات" الفضائيات، وأنه لم يصبْ بجلطة دماغية ولا صعقة كهربائية لكنه تسمّر في مكانه وعاد قافلا إلى مطار برازيليا عاصمة جمهورية البرازيل الاتحادية حيث تقبع الطائرة التي أقلته من بكين عاصمة جمهورية الصين الشعبيية. ومن حقه (هوجين تاو) أن يتجمّد مكانه ويقفل راجعا من حيث أتى ويسجد للشمس إن كان يعبد الله من خلالها طالبا من الله العون لشعبه، لأن الزلزال هذه المرة اقتحم مرة أخرى الإقليم نفسه في جنوب غرب الصين الذي دمره قبل سنتين يوم 12 مايو 2008 بقوة 7.8 من مقياس ريختر، فقتل وفقد 87 ألف شخص، وأصاب وشرّد 370 جريحا ومنكوبا.

      القلب يعتصر ألما عن بُعد، على أن هناك بين المنكوبين تُسمع صيحات 30 طفلا من أطفال المدارس تحت الأنقاض، الكل في بلاد العرب والاسلام شعر بأسى عميق لهذه الكارثة، فكثير منا زار تلك البلاد الجميلة، ولنا أصدقاء ومعارف جمعتنا بهم الحياة والعمل خاصة في العصر الرقمي للإنترنت، متبادلين الأدبيات المتنوعة من زاد الفكر العربي الصيني من الثقافات المشتركة الحضارية والتراثية والطبية والصناعية وغيرها، فإذا كانت كلمات العزاء عن بعد لاتخفف من آلام الكارثة إذ لاتنقذ طفلا عن بعد ولاتعصب جرحا او تسعف مصابا، فلعل هذه المشاركة الوجدانية بمقال من الوطن العربي لكاتب وقرّائه العرب تحمل شيئا من الأمل بأن تنتهي هذه المحنة على خير وأن تندمل الجراح قريبا ويتماثل المصابون للشفاء وينتصر هذا الشعب العظيم على تحدياته وآلامه، ورغم فداحة الكارثة يظل الصينيون ينظرون الى الطبيعة كأم عظمى مفعمة بالحنان، وإن غضبت أحيانا وتصرفت بمثل هذه القسوة الموجعة بعيدا عن حنان الأمومة وتبصرها وعاطفتها، فإن غضب الأم لاتعني العاصفة، وإنما تعني رياح الرحمة، تلك الريح التي تنشر ذيل الحصان في ألف خصلة من الخيوط، فتنعكس الشمس على حراشف التنّين في عشرة آلاف من قطعة الذهب، كل قطعة منها تفتح ألف باب، وكل باب يفتح ألف باب إنه باب العزيمة بالأمل .. وفي هذ يكمن سر النجاح الصيني يا أولي الألباب.

      والزلازل لم تعد قادرة على إغلاق تلك الأبواب مهما كثرت وتكررت خاصة في الفترات الآخيرة، فقد أتتنا قبل شهرين في 27 فبراير 2010 بقوة 8.8 من مقياس ريختر لتدمر مدينة كونسيسيون شمالي شرقي تشيلي تدميرا شاملا على غرار تسونامي المحيط الهادئ، ثم أتتنا بقوة سبع درجات ريختر لتودي بحياة ما يقارب ربع مليون إنسان في هاييتي، وكانت قبل ذلك قد اقتحمت إيطاليا في 6 أبريل 2009 لتودي بحياة حوالي 300 شخص، وأتتنا بقوة 6.4 من مقياس ريختر في 29 أكتوبر لتقتل حوالي 300 شخص في إقليم بلوشستان في منطقة تقع على بعد 70 كيلو مترا من شمال مدينة كويتا الباكستانية، وما جاءت الى الصين اليوم كانت قد ذهبت في 12 مايو 2008 لتدمر المنطقة نفسها بجنوب غرب الصين التي دمرتها اليوم.

      كما كانت قد دمرت في 17 يوليو 2006 بقوة 7.7 ريختر من قاع البحر بإحداث موجات تسونامي على طولي 200 متر لشواطئ جزيرة جاوة الإندونيسية بقتل المئات، ، ثم وفي 27 مايو 2006 بقوة 6.3 مقياس ريختر وصلت الى جزيرة جاوة الإندونيسية فقلبتها رأسا على عقب، وفي 1 أبريل 2006، دخلت منطقة بعيدة غربي إيران فقتلت حوالي 70 شخصا، ويبدو أن الإيرانيين لا يؤمنون بكذبة إبريل فصدقوا الخبر وكانت الأقل خسارة، كما زارت قبلها إقليم كشمير المتنازع عليها بين الهند وباكستان بقوة 7.6 من مقياس ريختر فزهقت بأوراح 73 شخصا، كما لم ينج منها المغرب العربي في 21 مايو 2005 بقتل الآلاف في الجزائر وكذلك فعلت بتركيا والهند وأفغانستان، وقبلها جزيرة تايوان وقبل قبلها اليابان، ورغم ما كانت الأقوى تاريخيا في العالم ما وصلت الى تشيلي وقع بقوة 9.5 من مقياس ريختر، إلا أن ما وقع في اليابان في 1 سبتمبر 1923 هي التي اشتهرت بزلزال كانتو الكبير الذي أودى خارج طوكيو بحياة 142800 شخص.

      عزيزي القارئ لاتخف ولاتتشاءم من البقاء على كوكب الأرض، فقد بشرنا الرئيس الأمريكي باراك أوباما في آخر تكهناته عن مستقبل الإنسان على وجه الأرض خاصة بعد ما عانته أمريكا من الزلازل الطبيعية في ولاياتها والاصطناعية في كل من أفغانستان والعراق، وبعد السحابة البركانية الأخيرة المنبعثة من أيسلندا والزلازل الأخيرة التي وقعت داخل الولايات الامريكية المتحدة .. فقد بشّرنا الرئيس الأمريكي ليلة أمس في إحدى تكهنّاته الأمنية انه وقريبا سينطلق من أمريكا المركب الفضائي الناجح الذي سينقل الإنسان إلى المريخ، وأخشى أنه سيعطي الأولوية لمساجين جوانتنامو وإلا كنت قد اقترحت على من لا يعجبه كوكب الأرض أن يحتفظ في جيوبه بثمن التذكرة بالدولار الأمريكي.

      *كاتب إماراتي

      البريد الإلكتروني: ui@eim.ae

      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية