مسقط- ش
بينما كان الألمان يستعدون للاحتفال بمرور عشرة أعوام على فوز أديبهم الكبير جونتر جراس بجائزة نوبل للآداب العام 1999، صاحب رواية "الطبل والصفيح" الشهيرة، والذي عُرف بمواقفه الإنسانية، وبدفاعه عن قيم المساواة والتسامح والسلام، فوجئ الألمان بخبر جعل أفراحهم تتضاعف، هو فوز الشاعرة والروائية هيرتا مولر الرومانية المولد، وألمانية اللغة والثقافة، بالجائزة نفسها لعام 2009• هيرتا مولر هي المرأة الثانية عشرة من بين نساء الأرض التي تفوز بهذه الجائزة الأدبية، التي أُطلقت العام 1901، والمرأة الثالثة التي تحوز عليها خلال العقد الأول من الألفية الجديدة بعد النمساوية ألفريدا لينيك 2004، والبريطانية دوريس ليسنج 2007 ، كما أنها تحمل الرقم 8 بين سلسلة الأدباء الألمان الحاصلين على جائزة نوبل للآداب، بعد جونتر جراس 1999، وهاينرش بول 1972، ونيللي ساكس 1966، وهيرمان هسه 1946، وتوماس مان 1929، وجيرهارت هاوبتمان 1912، ورودولف كريستوف أوكن 1908• في العام 1982 صدرت للكاتبة، مجموعتها القصصية الأولى "منحدرات" التي حذفت منها الرقابة الرومانية الكثير من المقاطع قبل نشرها، رغم أن الكاتبة كانت تتحدث فيها عن طفولتها وتصف مجتمع الأقلية الألمانية بأنه مجتمع سكّير وعنيف، وغير متحضّر، كما وصفت بوضوح قسوة المجتمع الروماني على هذه الأقلية، وبعد سنتين سببت هذه القصص الكثير من المضايقات للكاتبة، عندما أعيد نشرها كاملة في ألمانيا، فقد وُضعت الكاتبة تحت مراقبة الشرطة السرية، واعتُقلت وطُردت من عملها ووُصمت بأنها "عنصر طفيلي"، لأنها رفضت التعاون مع الشرطة السرية• وتتحدث "مولر" عن تلك الفترة بقولها: "كان 40 % من الشعب الروماني يتجسس لصالح الشرطة السرية، أما الـ60% الآخرون فمعظمهم من الأطفال والعجزة الذين يتقاضون رواتب تقاعدية".
الأجواء المشحونة اضطرتها للهرب هي وزوجها إلى ألمانيا العام 1986، لتبدأ هناك حياة جديدة خالية من الخوف والقلق، غير أن مخيلة الرعب الدكتاتوري ظلت تعمل مثل "ماكينة" لا تهدأ، مشكّلةً الفضاء الأدبي الذي ظلل نصوص هذه الكاتبة اللامعة في مجالَي الشعر والنثر، وهذا ما جعل الأكاديمية السويدية تذكر في حيثيات منح الجائزة: "استطاعت أن ترسم فضاء المحرومين بكثافة الشعر وموضوعية النثر"•• هذا الوصف يؤكد المنحى الإنساني لمجمل كتابات مولر، التي ابتعدت عن الدعاية السياسية الفجة والمباشرة•.
حكايات خلف السطور..
اشتهرت مولر بأعمالها الأدبية التي نقلت ظروف الحياة الصعبة في رومانيا في ظل حكم الرئيس الروماني الأسبق تشاوتشيسكو• و تحكي في رواياتها "أرجوحة النفَس" قصة اضطهاد الأقلية الألمانية في رومانيا تحت حكم "ستالين" من خلال قصة شاب تم القبض عليه العام 1945 بعد انتهاء الحرب وإيداعه بأحد معسكرات العمل السوفيتية التي لم تكن أقل قسوة من المعسكرات النازية•
مفارقات..
في روايات هيرتا مولر قواسم مشتركة، فأحداثُها تقع في رومانيا ، وهذه المفارقة لاحظها النقاد ، فهي تعيش في ألمانيا وتكتب عن رومانيا ، فهَلْ يعد هذا تمزقاً بين عالمين؟ ترد هيرتا مولر على هذا: "لا، الأمر يبدو طبيعياً جداً لي، فقد ولدت في رومانيا، كَبرت هناك، وعِشتُ هناك حتى الثانية والثلاثين من عمري، حين تَركتُها وأنا في حالة ذهنية مُعقّدة، كَتبت كتابي الأول "سهول" في رومانيا، والذي يدور حول وجهةِ نظرِ طفلٍ ألماني بمنطقة "أنات" (منطقة في غربِ رومانيا)، في ذلك الكتاب وفي كُتبي الأخرى، كان الموضوع المركزي هو الدكتاتورية، لسببٍ بسيط، هو أنني لم أعرف أو أَرى شيئا غيرَ ذلك، واستمرت كتاباتي حول الموضوع نفسها، هذا النوع مِن الأدب يوجدُ في جميع أنحاء العالم، أدبٌ يعتمدُ السيرةَ الذاتية، حيث تتقاطعُ فيه أحداث مُتطرّفة مع حياة المُؤلفين، أَعتقد أن هذا النوعَ من الأدب موجودٌ في كل مكان، مِنْ كوبا إلي الصين"• وعن شخوصها الروائية تقول : "إنهم يعكسون ما الذي يحدثُ للبشر عندما يعيشون في مجتمعٍ أَو نظامٍ مُستبد، أَعتقد أنني لم أختر الموضوع، بل سيرة حياتي هي التي اختارته لي"•
حافز الابداع عن معاناتها منذ الطفولة تقول: "ولَيست طفولتي وحدي، فقد حدثت أشياء مُماثلة للعديدِ مِن العائلات في قريتنا، وللجالية الألمانية بكاملها في رومانيا، عندما تكون طفلا فأنت لا تفكر بمفردات سياسية• لا تملك المقدرة، لا تملك الكلمات لتعي ما يجري حولك، لكنْ هناك طُرق للتسجيل غير الكلمات، فسُلوكنا أكثر تعقيداً، إنه يتجاوز الكلمات، لذا فقد امتصصت الكثير من الأحداث، وعشت التوترَ الذي كان حولي، شَعرتُ بأنّ شيئاً ما ـ بالرغم من أنّني لَمْ أَعْرفهُ تحديداً ـ كان شنيعاً وعدائياً"•
وتقول إن حياة المدينة شكلت صدمةً كبيرةً لها: "نعم، كَانَت عالماً مُختلفاً، ربما لأنني عندما جِئتُ إلي المدينة لم أكن أتحدث الرومانية بطلاقة، فقد تَعلّمتُ الرومانية في المدرسة، وأنا في السابعة في مدرسةٍ ألمانية، حيث كانت اللغةُ الرومانيةُ تُدَّرس لنا كلغةٍ ثانية، أَو كموضوعٍ ثانوي، مثل الجغرافيا، أَو العلوم، كنا ندرس الرومانية ثلاث مرات في الأسبوع : القواعد، الآداب، التهجئة، و ما شابه ذلك•• ، لكن في قريتي كنا نتخاطبُ بالألمانية، لذا لم تُتح لي فرصةُ استعمال الرومانية بشكلٍ يومي•• كنا نستعملها فقط في المدرسة، وليس خارجها•
وتضيف مولر: بطريقة ما أدركت أنّ كل تعليمِي السابقِ الانعزالي، لَمْ يعُد صالحاً بي، لم يعُد يتماشي مع حياتي الجديدة، اكتشفتُ أن مسافة 30 كيلومتراً فقط كانت كافيةً ليدركَ المرءُ أن ما يقبلهُ كحقيقةٍ مُطلقة في قريته، لا قيمة له في المدينة، لذا كان لا بُدَّ لي من أنْ أَبْدأَ بتَعليمِ نفسي وفي اتجاهٍ جديدٍ جداً"• ورداً على سؤال حول أن العديدُ مِنْ الكُتّابِ الألمانِِ الرومانيين مِنْ جيلها صاروا اليوم مشهورين، قالت : "نعم، نسبياً هناك عدد كبير منّا•• هناك اعتراف في ألمانيا بأن جزءاً من الأدب الألماني المعاصر يأتي من رومانيا ومن شرق أوروبا لا أكثر، ولا أقل، كُتُبنا ليست أسوأ ولا أفضل من كتب الذين أمضوا كل حياتهم في ألمانيا، نحن هم، وهم نحن، وهذا ما يجب أن يكُون"• حصدت كتابات هيرتا مولر الكثير من الجوائز، من بينها جائزة "كلايست" للأدب الألماني، وجائزة "فورت" للأدب الأوروبي، وترجمت أعمالها إلى ما يزيد على عشرين لغة ، وصدر لها أكثر من 14 كتاباً بين الشعر والقصة القصيرة والرواية والنقد الأدبي• من أشهر أعمالها : "منخفضات" مجموعة قصصية، وهي نشرت في ألمانيا عام 1984 (نشرت للمرة الأولى في رومانيا العام 1982 بعد أن حذفت العديد من الفقرات منها"•
بينما كان الألمان يستعدون للاحتفال بمرور عشرة أعوام على فوز أديبهم الكبير جونتر جراس بجائزة نوبل للآداب العام 1999، صاحب رواية "الطبل والصفيح" الشهيرة، والذي عُرف بمواقفه الإنسانية، وبدفاعه عن قيم المساواة والتسامح والسلام، فوجئ الألمان بخبر جعل أفراحهم تتضاعف، هو فوز الشاعرة والروائية هيرتا مولر الرومانية المولد، وألمانية اللغة والثقافة، بالجائزة نفسها لعام 2009• هيرتا مولر هي المرأة الثانية عشرة من بين نساء الأرض التي تفوز بهذه الجائزة الأدبية، التي أُطلقت العام 1901، والمرأة الثالثة التي تحوز عليها خلال العقد الأول من الألفية الجديدة بعد النمساوية ألفريدا لينيك 2004، والبريطانية دوريس ليسنج 2007 ، كما أنها تحمل الرقم 8 بين سلسلة الأدباء الألمان الحاصلين على جائزة نوبل للآداب، بعد جونتر جراس 1999، وهاينرش بول 1972، ونيللي ساكس 1966، وهيرمان هسه 1946، وتوماس مان 1929، وجيرهارت هاوبتمان 1912، ورودولف كريستوف أوكن 1908• في العام 1982 صدرت للكاتبة، مجموعتها القصصية الأولى "منحدرات" التي حذفت منها الرقابة الرومانية الكثير من المقاطع قبل نشرها، رغم أن الكاتبة كانت تتحدث فيها عن طفولتها وتصف مجتمع الأقلية الألمانية بأنه مجتمع سكّير وعنيف، وغير متحضّر، كما وصفت بوضوح قسوة المجتمع الروماني على هذه الأقلية، وبعد سنتين سببت هذه القصص الكثير من المضايقات للكاتبة، عندما أعيد نشرها كاملة في ألمانيا، فقد وُضعت الكاتبة تحت مراقبة الشرطة السرية، واعتُقلت وطُردت من عملها ووُصمت بأنها "عنصر طفيلي"، لأنها رفضت التعاون مع الشرطة السرية• وتتحدث "مولر" عن تلك الفترة بقولها: "كان 40 % من الشعب الروماني يتجسس لصالح الشرطة السرية، أما الـ60% الآخرون فمعظمهم من الأطفال والعجزة الذين يتقاضون رواتب تقاعدية".
الأجواء المشحونة اضطرتها للهرب هي وزوجها إلى ألمانيا العام 1986، لتبدأ هناك حياة جديدة خالية من الخوف والقلق، غير أن مخيلة الرعب الدكتاتوري ظلت تعمل مثل "ماكينة" لا تهدأ، مشكّلةً الفضاء الأدبي الذي ظلل نصوص هذه الكاتبة اللامعة في مجالَي الشعر والنثر، وهذا ما جعل الأكاديمية السويدية تذكر في حيثيات منح الجائزة: "استطاعت أن ترسم فضاء المحرومين بكثافة الشعر وموضوعية النثر"•• هذا الوصف يؤكد المنحى الإنساني لمجمل كتابات مولر، التي ابتعدت عن الدعاية السياسية الفجة والمباشرة•.
حكايات خلف السطور..
اشتهرت مولر بأعمالها الأدبية التي نقلت ظروف الحياة الصعبة في رومانيا في ظل حكم الرئيس الروماني الأسبق تشاوتشيسكو• و تحكي في رواياتها "أرجوحة النفَس" قصة اضطهاد الأقلية الألمانية في رومانيا تحت حكم "ستالين" من خلال قصة شاب تم القبض عليه العام 1945 بعد انتهاء الحرب وإيداعه بأحد معسكرات العمل السوفيتية التي لم تكن أقل قسوة من المعسكرات النازية•
مفارقات..
في روايات هيرتا مولر قواسم مشتركة، فأحداثُها تقع في رومانيا ، وهذه المفارقة لاحظها النقاد ، فهي تعيش في ألمانيا وتكتب عن رومانيا ، فهَلْ يعد هذا تمزقاً بين عالمين؟ ترد هيرتا مولر على هذا: "لا، الأمر يبدو طبيعياً جداً لي، فقد ولدت في رومانيا، كَبرت هناك، وعِشتُ هناك حتى الثانية والثلاثين من عمري، حين تَركتُها وأنا في حالة ذهنية مُعقّدة، كَتبت كتابي الأول "سهول" في رومانيا، والذي يدور حول وجهةِ نظرِ طفلٍ ألماني بمنطقة "أنات" (منطقة في غربِ رومانيا)، في ذلك الكتاب وفي كُتبي الأخرى، كان الموضوع المركزي هو الدكتاتورية، لسببٍ بسيط، هو أنني لم أعرف أو أَرى شيئا غيرَ ذلك، واستمرت كتاباتي حول الموضوع نفسها، هذا النوع مِن الأدب يوجدُ في جميع أنحاء العالم، أدبٌ يعتمدُ السيرةَ الذاتية، حيث تتقاطعُ فيه أحداث مُتطرّفة مع حياة المُؤلفين، أَعتقد أن هذا النوعَ من الأدب موجودٌ في كل مكان، مِنْ كوبا إلي الصين"• وعن شخوصها الروائية تقول : "إنهم يعكسون ما الذي يحدثُ للبشر عندما يعيشون في مجتمعٍ أَو نظامٍ مُستبد، أَعتقد أنني لم أختر الموضوع، بل سيرة حياتي هي التي اختارته لي"•
حافز الابداع عن معاناتها منذ الطفولة تقول: "ولَيست طفولتي وحدي، فقد حدثت أشياء مُماثلة للعديدِ مِن العائلات في قريتنا، وللجالية الألمانية بكاملها في رومانيا، عندما تكون طفلا فأنت لا تفكر بمفردات سياسية• لا تملك المقدرة، لا تملك الكلمات لتعي ما يجري حولك، لكنْ هناك طُرق للتسجيل غير الكلمات، فسُلوكنا أكثر تعقيداً، إنه يتجاوز الكلمات، لذا فقد امتصصت الكثير من الأحداث، وعشت التوترَ الذي كان حولي، شَعرتُ بأنّ شيئاً ما ـ بالرغم من أنّني لَمْ أَعْرفهُ تحديداً ـ كان شنيعاً وعدائياً"•
وتقول إن حياة المدينة شكلت صدمةً كبيرةً لها: "نعم، كَانَت عالماً مُختلفاً، ربما لأنني عندما جِئتُ إلي المدينة لم أكن أتحدث الرومانية بطلاقة، فقد تَعلّمتُ الرومانية في المدرسة، وأنا في السابعة في مدرسةٍ ألمانية، حيث كانت اللغةُ الرومانيةُ تُدَّرس لنا كلغةٍ ثانية، أَو كموضوعٍ ثانوي، مثل الجغرافيا، أَو العلوم، كنا ندرس الرومانية ثلاث مرات في الأسبوع : القواعد، الآداب، التهجئة، و ما شابه ذلك•• ، لكن في قريتي كنا نتخاطبُ بالألمانية، لذا لم تُتح لي فرصةُ استعمال الرومانية بشكلٍ يومي•• كنا نستعملها فقط في المدرسة، وليس خارجها•
وتضيف مولر: بطريقة ما أدركت أنّ كل تعليمِي السابقِ الانعزالي، لَمْ يعُد صالحاً بي، لم يعُد يتماشي مع حياتي الجديدة، اكتشفتُ أن مسافة 30 كيلومتراً فقط كانت كافيةً ليدركَ المرءُ أن ما يقبلهُ كحقيقةٍ مُطلقة في قريته، لا قيمة له في المدينة، لذا كان لا بُدَّ لي من أنْ أَبْدأَ بتَعليمِ نفسي وفي اتجاهٍ جديدٍ جداً"• ورداً على سؤال حول أن العديدُ مِنْ الكُتّابِ الألمانِِ الرومانيين مِنْ جيلها صاروا اليوم مشهورين، قالت : "نعم، نسبياً هناك عدد كبير منّا•• هناك اعتراف في ألمانيا بأن جزءاً من الأدب الألماني المعاصر يأتي من رومانيا ومن شرق أوروبا لا أكثر، ولا أقل، كُتُبنا ليست أسوأ ولا أفضل من كتب الذين أمضوا كل حياتهم في ألمانيا، نحن هم، وهم نحن، وهذا ما يجب أن يكُون"• حصدت كتابات هيرتا مولر الكثير من الجوائز، من بينها جائزة "كلايست" للأدب الألماني، وجائزة "فورت" للأدب الأوروبي، وترجمت أعمالها إلى ما يزيد على عشرين لغة ، وصدر لها أكثر من 14 كتاباً بين الشعر والقصة القصيرة والرواية والنقد الأدبي• من أشهر أعمالها : "منخفضات" مجموعة قصصية، وهي نشرت في ألمانيا عام 1984 (نشرت للمرة الأولى في رومانيا العام 1982 بعد أن حذفت العديد من الفقرات منها"•
¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية