بيروت - رويترز
كتاب الشاعر والصحافي اللبناني عبده وازن الذي حمل عنوان "قلب مفتوح" عمل غريب الفعل في النفس إذ قد يشعر القارئ أحيانا بأنه يرفعه فيجعله يطل على الحياة من عل كأنه أصبح ذا قدرة على مغادرة جسده. ولا يترك عبده وازن هذا القارئ حيث أوصله بل يهبط به إلى الحياة نفسها متناولا أبعادها المختلفة لكن بروحية فيها كثير من الأجواء التي كان قد رفعه إليها حتى حين يتحدث عن "ماديات" هذه الحياة. وقد يجوز لنا القول: خاصة حين يتحدث عن هذه الماديات.
يحمل عبده إلى هذه الماديات نفسا روحيا بل إنه يكشف عن كثير من الروحي في ما اتفق على وصفه بالمادي سواء في موضوع الجنس أو الأفعال اليومية العادية.
وكتاب "قلب مفتوح" أقرب الى نصوص مفتوحة بل يكاد يكون نصا واحدا مفتوحا متعدد الخطوط والالوان يجمع في ما فيه من مشاعر وأفكار ومرويات بين القصص والشعر وعالم النفس والروحانيات ويوميات الحياة التي تتلون عنده دائما بغمامية شعرية نفاذة وبما يصح أن يطلق عليه "أسى شفيف" على حد تعبيره وتعبير شاعره "الاثير" بدر شاكر السياب. والكتاب الذي يسري ما فيه كفيض ناعم هادئ ويشمل كثيرا مما في العالم وما في عالم الشاعر جاء أثر عملية جراحية هي عملية "القلب المفتوح". وقد صدر في 208 صفحات متوسطة القطع عن "الدار العربية للعلوم ناشرون" في بيروت و"منشورات الاختلاف" في الجزائر العاصمة.
لعبده وازن الذي يدير الصفحة الثقافية في جريدة "الحياة" مؤلفات عديدة وقد صدرت له مختارات من شعره بالفرنسية وأخرى بالبرتغالية وترجم عددا من قصائده إلى الاسبانية كما ترجم هو قصائد ونصوصا من الفرنسية الى العربية. إنه عمل ممتع يصعب التخلص من جاذبيته القوية واللطيفة الهادئة.
يعود من تجربة عملية القلب المفتوح الى حياته وحياة آخرين.. عائلته وبيئته الأولى وما بعدها. اليتيم المبكر وقصة الحب الأولى والعلاقة الجنسية الأولى والحرب وذلك الحس الديني العميق الذي يبدو لنا من خلال وصفه له أقرب إلى فطرة لا تغادره. لا شك في أن قراءة ذلك العالم اليومي من خلال تلك البساطة أو فلنقل من خلال قدرة عبده على جعل الأمور تبدو بسيطة "مصفاة" على طريقة ما وصفه نقاد عرب قدامى بأنه "الجهد لإخفاء الجهد" تشكل متعة رفيعة نادرة. بداية الكتاب تحملنا ببساطة موحية نفاذة الى ما يشبه كثيرا مما تعرضنا له نحن أو تعرض له أحباء لنا وكيف يعود الينا شريط حياتنا بتفاصيله عند مواجهة الموت أو الخطر أو أثر ذلك. وهو يدفع القارئ من خلال التجربة الحية المنقولة بجمال فني بعيد عن الادعاء والزخرفة -لا من خلال عمليات تنظير- الى نتائج توصل الى ما يشبه بعضها.. رجال فكر وفلسفة وإيمان ديني متنوع وكثير ممن شهدوا ما يشبه حالات "سفر" أو ما يبدو ابتعادا عن هذه الحياة. يبدأ عبده وازن بالقول "فتحت عيني كما لو أنني أفيق من نوم طويل.
كان الظلام من حولي خفيفا. لم أدر إن كان ليلا أو نهارا. ردهة واسعة أدركت حين أدرت ناظري أن فيها أسرة أخرى وأن على سرير بالقرب مني ينام رجل يرفع صوته حينا تلو حين...
"عندما فتحت عيني جيدا وعاد صوتي إلي تذكرت أول ما تذكرت كيف مددوني على سرير العربة البيضاء ثم كمثل رجل ثمل او مخدر استسلمت لنعاس لطيف تشوبه حال من النشوة. كانت هذه اللحظات آخر ما أذكره قبل أن يقودوني إلى غرفة الجراحة. كانت خطوتهم تلك حاسمة.. فإما أن أخرج حيا من هناك وإما..
"لم أبصر أحدا حينذاك سوى الممرضين. لم يأت أحد ليلقي علي نظرة أو لألقي عليه نظره. عبرت هذه الحظات بسرعة ثم غبت ببطء. كان ذلك أثر البنج الذي حقنوه في كيس المصل. البنج الذي رماني في نوم عميق خلو من الأحلام. إنها من المرات القليلة لا أحلم فيها أو لعلني لم أتذكر ما حلمت به."
وكتلك التجارب الصوفية والروحانية التي تتحدث عن انفصال الروح عن الجسد ثم عودتها إليه وعن وصف بعض من شارف على الموت تلك الرحلة بأنها تشبه الدخول في سرداب أو الخروج منه عند العودة يقول "إنني أتذكر الآن أستعيد ما حصل كما لو أنه حصل البارحة أو قبلها أو الشهر الفائت.
"كأنني خرجت من باب لا أذكر ما كان وراءه. ووجدت نفسي صدفة أمام الضوء فبهرت عيناي. كان علي أن استرجع نفسي ولكن لا أدري من أين.. أمن عتمة لم تكن عتمة أم من نهار ساطع لا يشبه النهار؟ أمن حقل فسيح كانت تنأى به غيوم ليست كالغيوم؟ إنني أتذكر الآن لحظات كأنني لم أعشها بل أشك إن كانت في صميم الزمن أم خارجه. الزمن الذي فقد معالمه فأضحى لا زمنيا .. طويلا أو سريعا أو..."
ويتحدث عن العملية الجراحية فيقول "كان جسدي بين أيديهم يفعلون به ما يشاؤون. أنا كنت غائبا لا ادري اين. اتخيل هذا الجسد بين ايدي اناس لا اعرفهم. جسد غريب بين ايدي اناس غرباء.. يحنون عليه.. يعملون فيه مباضعهم.. يبصرون الدم ينبثق منه ثم ينحنون فوقه برقة قاسية.. يرسمون على صفحته جرحا تلو جرح ويكتبون تاريخا جديدا له." وقال في مكان آخر "كنت افكر في الموت. فكرت فيه كثيرا ولكن لم أخف.
قوة ما كنت تنبض في. أنها الحياة نفسها تندفع مثل ينبوع خفي. أيقنت مرة أخرى انني كائن ديني مهما ابتعدت او اغتربت عن نفسي.. مهما جدفت وهرطقت.
ترسخ لدي هذا الاعتقاد اكثر فأكثر في تلك اللحظات الطويلة. هكذا كنت. هكذا ابقى."
ينقل عبده الينا صورة حياته.. طفولة وأحلاما وآلاما وصورة عن عالمه الصغير ثم الاكبر منه.. صورته وصورة الآخر ويكتشف تدريجا وحدة عالم الانسان. وقد استطاع عبده من خلال هذا الغوص في نفسه و"تاريخه".. صبيا وفتى وشابا ان يثير في نفس قارئه عالما راكدا كان في حالة سبات بدت كأنها نسيان عميق الجذور فجعل مافي نفس القارئ يطفو الى عالم وعيه وذاكرته. لقد حول قارئه الى شريك له في عمله هذا. ولاشك في ان ذلك انجاز مهم جدا.
تشعر بأنك حيث تسعى الى تقديم عرض عن الكتاب سيبقى سعيك ناقصا او ربما ظالما. هو عمل يقول الكثير الكثير. انه كتاب للقراءة الممتعة العميقة الغور والأثر في النفس.
كتاب الشاعر والصحافي اللبناني عبده وازن الذي حمل عنوان "قلب مفتوح" عمل غريب الفعل في النفس إذ قد يشعر القارئ أحيانا بأنه يرفعه فيجعله يطل على الحياة من عل كأنه أصبح ذا قدرة على مغادرة جسده. ولا يترك عبده وازن هذا القارئ حيث أوصله بل يهبط به إلى الحياة نفسها متناولا أبعادها المختلفة لكن بروحية فيها كثير من الأجواء التي كان قد رفعه إليها حتى حين يتحدث عن "ماديات" هذه الحياة. وقد يجوز لنا القول: خاصة حين يتحدث عن هذه الماديات.
يحمل عبده إلى هذه الماديات نفسا روحيا بل إنه يكشف عن كثير من الروحي في ما اتفق على وصفه بالمادي سواء في موضوع الجنس أو الأفعال اليومية العادية.
وكتاب "قلب مفتوح" أقرب الى نصوص مفتوحة بل يكاد يكون نصا واحدا مفتوحا متعدد الخطوط والالوان يجمع في ما فيه من مشاعر وأفكار ومرويات بين القصص والشعر وعالم النفس والروحانيات ويوميات الحياة التي تتلون عنده دائما بغمامية شعرية نفاذة وبما يصح أن يطلق عليه "أسى شفيف" على حد تعبيره وتعبير شاعره "الاثير" بدر شاكر السياب. والكتاب الذي يسري ما فيه كفيض ناعم هادئ ويشمل كثيرا مما في العالم وما في عالم الشاعر جاء أثر عملية جراحية هي عملية "القلب المفتوح". وقد صدر في 208 صفحات متوسطة القطع عن "الدار العربية للعلوم ناشرون" في بيروت و"منشورات الاختلاف" في الجزائر العاصمة.
لعبده وازن الذي يدير الصفحة الثقافية في جريدة "الحياة" مؤلفات عديدة وقد صدرت له مختارات من شعره بالفرنسية وأخرى بالبرتغالية وترجم عددا من قصائده إلى الاسبانية كما ترجم هو قصائد ونصوصا من الفرنسية الى العربية. إنه عمل ممتع يصعب التخلص من جاذبيته القوية واللطيفة الهادئة.
يعود من تجربة عملية القلب المفتوح الى حياته وحياة آخرين.. عائلته وبيئته الأولى وما بعدها. اليتيم المبكر وقصة الحب الأولى والعلاقة الجنسية الأولى والحرب وذلك الحس الديني العميق الذي يبدو لنا من خلال وصفه له أقرب إلى فطرة لا تغادره. لا شك في أن قراءة ذلك العالم اليومي من خلال تلك البساطة أو فلنقل من خلال قدرة عبده على جعل الأمور تبدو بسيطة "مصفاة" على طريقة ما وصفه نقاد عرب قدامى بأنه "الجهد لإخفاء الجهد" تشكل متعة رفيعة نادرة. بداية الكتاب تحملنا ببساطة موحية نفاذة الى ما يشبه كثيرا مما تعرضنا له نحن أو تعرض له أحباء لنا وكيف يعود الينا شريط حياتنا بتفاصيله عند مواجهة الموت أو الخطر أو أثر ذلك. وهو يدفع القارئ من خلال التجربة الحية المنقولة بجمال فني بعيد عن الادعاء والزخرفة -لا من خلال عمليات تنظير- الى نتائج توصل الى ما يشبه بعضها.. رجال فكر وفلسفة وإيمان ديني متنوع وكثير ممن شهدوا ما يشبه حالات "سفر" أو ما يبدو ابتعادا عن هذه الحياة. يبدأ عبده وازن بالقول "فتحت عيني كما لو أنني أفيق من نوم طويل.
كان الظلام من حولي خفيفا. لم أدر إن كان ليلا أو نهارا. ردهة واسعة أدركت حين أدرت ناظري أن فيها أسرة أخرى وأن على سرير بالقرب مني ينام رجل يرفع صوته حينا تلو حين...
"عندما فتحت عيني جيدا وعاد صوتي إلي تذكرت أول ما تذكرت كيف مددوني على سرير العربة البيضاء ثم كمثل رجل ثمل او مخدر استسلمت لنعاس لطيف تشوبه حال من النشوة. كانت هذه اللحظات آخر ما أذكره قبل أن يقودوني إلى غرفة الجراحة. كانت خطوتهم تلك حاسمة.. فإما أن أخرج حيا من هناك وإما..
"لم أبصر أحدا حينذاك سوى الممرضين. لم يأت أحد ليلقي علي نظرة أو لألقي عليه نظره. عبرت هذه الحظات بسرعة ثم غبت ببطء. كان ذلك أثر البنج الذي حقنوه في كيس المصل. البنج الذي رماني في نوم عميق خلو من الأحلام. إنها من المرات القليلة لا أحلم فيها أو لعلني لم أتذكر ما حلمت به."
وكتلك التجارب الصوفية والروحانية التي تتحدث عن انفصال الروح عن الجسد ثم عودتها إليه وعن وصف بعض من شارف على الموت تلك الرحلة بأنها تشبه الدخول في سرداب أو الخروج منه عند العودة يقول "إنني أتذكر الآن أستعيد ما حصل كما لو أنه حصل البارحة أو قبلها أو الشهر الفائت.
"كأنني خرجت من باب لا أذكر ما كان وراءه. ووجدت نفسي صدفة أمام الضوء فبهرت عيناي. كان علي أن استرجع نفسي ولكن لا أدري من أين.. أمن عتمة لم تكن عتمة أم من نهار ساطع لا يشبه النهار؟ أمن حقل فسيح كانت تنأى به غيوم ليست كالغيوم؟ إنني أتذكر الآن لحظات كأنني لم أعشها بل أشك إن كانت في صميم الزمن أم خارجه. الزمن الذي فقد معالمه فأضحى لا زمنيا .. طويلا أو سريعا أو..."
ويتحدث عن العملية الجراحية فيقول "كان جسدي بين أيديهم يفعلون به ما يشاؤون. أنا كنت غائبا لا ادري اين. اتخيل هذا الجسد بين ايدي اناس لا اعرفهم. جسد غريب بين ايدي اناس غرباء.. يحنون عليه.. يعملون فيه مباضعهم.. يبصرون الدم ينبثق منه ثم ينحنون فوقه برقة قاسية.. يرسمون على صفحته جرحا تلو جرح ويكتبون تاريخا جديدا له." وقال في مكان آخر "كنت افكر في الموت. فكرت فيه كثيرا ولكن لم أخف.
قوة ما كنت تنبض في. أنها الحياة نفسها تندفع مثل ينبوع خفي. أيقنت مرة أخرى انني كائن ديني مهما ابتعدت او اغتربت عن نفسي.. مهما جدفت وهرطقت.
ترسخ لدي هذا الاعتقاد اكثر فأكثر في تلك اللحظات الطويلة. هكذا كنت. هكذا ابقى."
ينقل عبده الينا صورة حياته.. طفولة وأحلاما وآلاما وصورة عن عالمه الصغير ثم الاكبر منه.. صورته وصورة الآخر ويكتشف تدريجا وحدة عالم الانسان. وقد استطاع عبده من خلال هذا الغوص في نفسه و"تاريخه".. صبيا وفتى وشابا ان يثير في نفس قارئه عالما راكدا كان في حالة سبات بدت كأنها نسيان عميق الجذور فجعل مافي نفس القارئ يطفو الى عالم وعيه وذاكرته. لقد حول قارئه الى شريك له في عمله هذا. ولاشك في ان ذلك انجاز مهم جدا.
تشعر بأنك حيث تسعى الى تقديم عرض عن الكتاب سيبقى سعيك ناقصا او ربما ظالما. هو عمل يقول الكثير الكثير. انه كتاب للقراءة الممتعة العميقة الغور والأثر في النفس.
¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية