قبل البدء بذكر الفضائل نورد هذه المقدمة: إن البعض -مع الأسف- من ذوي العقول الذين غلبت عليهم المادية، لا يكاد يصدق بل يستغرب أدنى فضيلة أو كرامة لهم (ع).. فكما نعلم أن الإسلام هو خاتم الأديان، وبالتالي فإنه لا بد أن يمثل قمة الأديان.. والنبي (ص) هو خاتم الأنبياء؛ فهو القمة في الأنبياء.. وعلي (ع) هو القمة وفاطمة هي سيدة نساء العالمين، والقرآن الكريم هو القمة في الكتب السماوية.. فمن الطبيعي أن تكون هذه الشخصيات الموجودة في هذا الخط الرسالي شخصيات متميزة، لها ما لها من الكرامات التي تذهل الألباب وتعجز عنها الأذهان.. والقرآن الكريم أشار إلى بعض تلك الخوارق، التي ما كانت لتصدق لولا أننا نؤمن به ونعتقد بما فيه: فهذا الهدهد الذي ذهب إلى اليمن، ثم يأتي بتحليل سياسي، وعسكري، وديني، وثقافي!.. وتلك نملة تشخّص الموكب، وصاحب الموكب!.. وذلك الذي جاء بعرش بلقيس، في أقل من طرفة العين!.. فإذن، إن القرآن الكريم أراد أن يعوّدنا على هكذا كرامات، فلا غرابة في الأمر ما دام الأمر مرتبطا بمشيئة الله تعالى.. وإنما الاستقلالية في المزايا، وفي المناقب والتصرفات في هذا العالم، هو الذي ليس له معنى ولا وجود، وهو وأمر مرفوض.. ولهذا أمرنا في روايات أهل البيت (ع) أنه في الرواية التي لا نفقه لها معنى ندعها في سنبلها، إلا إذا كانت مخالفة لما في كتاب الله عز وجل.
س1/ هل لكم أن توردوا لنا بعض الأحاديث المروية عن فضائل السيدة فاطمة (ع)؟..
إن النصوص كثيرة ومتواترة في كتب الفريقين، نقف هنا على ما روته أم المؤمنين عائشة في حق مولاتنا فاطمة (ع):
* قالت عائشة: أقبلت فاطمة (ع) تمشي، لا والله الذي لا إله إلا هو، ما مشيها يخرم (أي ينقص) من مشية رسول الله (ص).
* وقالت: (ما رأيت أحداً أشبه سمتاً، ودلاً وهديا برسول الله (صلّى الله عليه وآله) في قيامها، وقعودها، من فاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله).
* فإذا كان الشبه في المشي أمر تكويني، فهذا أيضاً شبه معنوي حيث تقول: (ما رأيت من الناس أحدا أشبه كلاما وحديثا برسول الله (ص) من فاطمة، كانت إذا دخلتْ عليه رحّب بها، وقبّل يديها وأجلسها في مجلسه).. فهنا تعبير جميل يدل على شدة شوق النبي (ص) وحبه لها (ع)، وهو الملاحظ في كلمة (قام إليها).. فمعناها في اللغة يدل على الشوق المفرط، وأن هنالك حركة واستقبال من الطرف الآخر، فلم يقل: (قام لها).
* نور الزهراء (ع) كان يزهر، ويضيء في ظلام الليل الدامس، وهذا ما نقل عن عائشة: (كنّا نخيط، ونغزل، وننظم الأبرة باللّيل في ضوء وجه فاطمة (عليها السلام).. فالنور نور معنوي؛ ولكنه تجاوز عالم المعنى إلى عالم الحس، كما نقرأ في القرآن الكريم، بتجلي هذا النور على شكل نور حسي للمؤمنين يوم القيامة {يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ}.. ولكن بمشيئة الله عز وجل، وكرامة للزهراء (ع)، أبرز هذا النور في الحياة الدنيا.
* يقرن النبي (ص) رضاها برضا الرب تعالى، حيث قال: (فاطمة بضعة مني وأنا منها؛ فمن آذاها فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله).. أي أن ما يبدو في قلب فاطمة من مشاعر: حب أو بغض، ميل أو شوق.. فهذه المشاعر ليست جزافية، وليست مشاعر بنت من بنات المسلمين.. وإنما هي مشاعر امرأة رسالية متصلة بعالم الغيب، وإلا حاشا للنبي (ص) أن يجعل رضا بنت من بناته منوطاً برضا الله وغضبه!..
* وقالت عائشة في صدق الزهراء (ع): (ما رأيت أحداً قط أصدق من فاطمة (سلام الله عليها) غير أبيها).
* وقد نُقل (كان النبي (صلى الله عليه وآله) إذا قدم من سفر، قبّل نحر فاطمة وقال: منها أشمّ رائحة الجنة).
* وكان رسول الله (ص) يقول: (هي خير بناتي).
س2/ حبذا لو بينتم لنا عن دور الزهراء (ع) في المنزل والمجتمع؟..
أنا أعتقد أنه ليس هنالك امرأة وصلت إلى ما وصلت إليه فاطمة (ع): من الجامعية في التعامل، والتنسيق بين المهام والواجبات العبادية والأسرية.. حيث لم يُر أعبد منها، فقد كانت تقف في محرابها حتى تتورم قدماها، وكانت حريصة على القيام بخدمة المنزل، وتبذل جهدها لتوفير الراحة لبعلها أمير المؤمنين (ع).. وقد روي أنها: (استقت بالقربة حتى أثّر في صدرها، وطحنت بالرحى حتى مجلت يداها، وكسحت البيت حتى اغبرّت ثيابها، وأوقدت النار تحت القِدْر حتى دكنت ثيابها؛ فأصابها من ذلك ضرر شديد).
للأسف أن المرأة المؤمنة -هذه الأيام- إذا وجدت بعض الأجواء الروحية، تعيش حالة البعد عن الزوج، وتكره عمل المنزل.. وكأن هناك اثنينية بين عالم الغيب وعالم المعنى!.. والحال بأن الزهراء (ع) كأمير المؤمنين (ع) كان يقوم بتكليفه في كل ظرف: فهو المقاتل الأول بإجماع المسلمين، وهو القاضي الأعدل في ميدان القضاء، وهو العابد الأول في محراب العبادة.. فإذن، نحن نريد أن نصل إلى هذه الدرجة، من امتلاك الامتياز الأعظم في كل ما نقوم به: عبادة، وخدمة، وتثقيفاً، وثقافة.
س3/ ماذا عن موضوع تسبيحة الزهراء(ع)؟..
إن المحطتين الرئيسيتين التي يستحب فيهما تسبيحة الزهراء (ع) هما: قبل النوم، وبعد الصلوات اليومية.. فيبدو أن فاطمة (ع) كان عليها ضغط القيام بأعباء المنزل، فانطلقت إلى النبي المصطفى (ص) -وهو حاكم العالم الإسلامي ظاهراً وباطناً.. وظاهرة الخدم كانت موجودة في حياة النبي (ص)، وليست بظاهرة غريبة- ولكن النبي (ص) عوضها بهذه التسبيحة لأمرين:
الأول: عدم التميز: وهي رغبة النبي (ص) في أن تعيش فاطمة كأي امرأة مستضعفة في المدينة من نساء المسلمين، حيث أنه ليست كل امرأة في المدينة لها خادمة.. فالنبي (ص) لم يحب أن يخص فاطمة بامتياز مادي، وهذا هو ديدنهم (ع)، ونحن نعلم سلوك علي (ع) أمير المؤمنين في بيت المال، وكيف كان طعامه.
الثاني: لتكسب الخلود: نلاحظ أن الله سبحانه وتعالى كيف يكتب الخلود لعبده، إذا تجاوز برغبة من رغباته.. فلو أن فاطمة (ع) اتخذت خادمة تعينها في أمور المنزل؛ لبقيت سنوات من عمرها القصير وانتهى الأمر.. ولكن الله تعالى أكرمها بما قاله النبي (ص): (أفلا أعلمكما ما هو خير لكما من الخادم؟.. إذا أخذتما منامكما فسبّحا ثلاثاً وثلاثين، واحمدا ثلاثاً وثلاثين، وكبّرا أربعا وثلاثين الزهراء(ع)).. هذه التسبيحات الذي يقول عنها الإمام الصادق (ع) أنها من مصاديق الذكر الكثير: (من بات على تسبيح فاطمة ( عليها السلام ) كان من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات).. وأنه أحب إلى الله تعالى من ألف ركعة في كل يوم، حيث روي عنه عليه السلام: (تسبيح فاطمة الزهراء في كلّ يوم، من دُبر كلّ صلاة؛ أحبُّ إلىَّ من صلاة ألف ركعة في كلّ يوم).. والإمام الباقر يضيف الاستغفار بعد تسبيحات الزهراء؛ لتغفر له ذنوبه، ويتباعد عنه الشيطان: (من سبح تسبيحة فاطمة، ثم استغفر الله؛ غفر له.. وهي مئة باللسان، وألف بالميزان.. تطرد الشيطان، وترضي الرحمن).
ولكن -مع الأسف- نحن مع التكرار الكثير لهذا العمل المبارك، كأنه فقد مغزاه.. فنكررها على شكل تلاوة لفظية سريعة، حتى أن الإنسان بعض الأوقات لا يميز الكلمات، فضلاً عن التأمل في المعاني المختزنة فيها!.. فإذن، اقتراحي هو اتخاذ تسبيحات الزهراء ذكراً، كما قال الإمام الصادق (ع) هو الذكر الكثير، وهو ذكر توحيدي متناسب مع جو الصلاة، وخاصة مع ما ذكره الباقر (ع) بإضافة الاستغفار؛ ليكون معجونا جامعا ومانعا.
س4/ ما هي بعض وجوه الشبه بين السيدة مريم والسيدة الزهراء(ع)؟..
هنالك أوجه عديدة نذكر منها:
* مسألة الاصطفاء الإلهي: قال تعالى في حق مريم (ع): {إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ}.. فكما أن الله تعالى اصطفى السيدة مريم (ع)، كذلك اصطفى سيدتنا فاطمة (ع)، مع العلم بأنه لا جزافية في فعل الله تعالى وعطاءاته.. إذ لابد من أرضية مرجحة للدخول في عالم الاصطفاء والجذب الإلهي، فالذي يريد أن يكون كفاطمة (ع) عليه أن يكون مثلها في كل جوانبها الحياتية: سلوكها، وتعاملها، وعبادتها، ودفاعها عن عقيدتها.
* الجانب المأساوي: إن مريم (ع) عاشت شطراً من حياتها مأساة الذين اتهموها بالبغي.. وفاطمة (ع) عاشت المحن والبلاءات في حياتها.
* الرعاية الإلهية: مريم (ع) كفَّلها ربها زكريا (ع) وأنبتها نباتاً حسنا.. وكذلك سيدتنا فاطمة (ع) كفَّلها النبي المصطفى وعلي(ع).
س5/ ماذا عن مصحف فاطمة، وما هي حقيقته، وما هو مضمونه، وأين هو؟..
أنا أتعجب في عصر التلاقح الثقافي، والانتشار الضخم لشبكات الإنترنت، إذ لم يبق شيء خافٍ في عقائد الشعوب.. والإنسان في هذه الأيام بإمكانه أن يدخل أي مفردة من المفردات في محركات البحث؛ ليحصل على ما يريد.. فليس هنالك في مساجد المسلمين قاطبة، غير هذا القرآن المتداول، ولو كان لبان واشتهر أمره.
وعلى كلٍّ، فإن علماء الإمامية وعلماء المسلمين نفوا هذا الأمر؛ لأن رب العالمين وعد بحفظ كتابه، وهو الوفي بتنفيذ وعده.. وثم هناك اشتباه في اللفظ المشترك لكلمة المصحف، فهي ليست كلمة مطلقة للقرآن الكريم فحسب!.. وهذا المصحف كما ورد في الروايات المختلفة، قال الصادق (ع): (إنّ فاطمة (ع) مكثت بعد رسول الله (ص) خمسة وسبعين يوماً، وكان دخلها حزنٌ شديدٌ على أبيها.. وكان جبرائيل (ع) يأتيها فيُحسن عزاءها على أبيها، ويطيّب نفسها، ويخبرها عن أبيها ومكانه، ويخبرها بما يكون بعدها في ذريتها.. وكان علي (ع) يكتب ذلك؛ فهذا مصحف فاطمة(ع)).. وطبعاً حديث الملائكة مع سيدة نساء العالمين أمر غير مستغرب، كما نقرأ في القرآن الكريم الملائكة التي تحدثت مع مريم، وكذلك أوحى الله إلى أم موسى.
س1/ هل لكم أن توردوا لنا بعض الأحاديث المروية عن فضائل السيدة فاطمة (ع)؟..
إن النصوص كثيرة ومتواترة في كتب الفريقين، نقف هنا على ما روته أم المؤمنين عائشة في حق مولاتنا فاطمة (ع):
* قالت عائشة: أقبلت فاطمة (ع) تمشي، لا والله الذي لا إله إلا هو، ما مشيها يخرم (أي ينقص) من مشية رسول الله (ص).
* وقالت: (ما رأيت أحداً أشبه سمتاً، ودلاً وهديا برسول الله (صلّى الله عليه وآله) في قيامها، وقعودها، من فاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله).
* فإذا كان الشبه في المشي أمر تكويني، فهذا أيضاً شبه معنوي حيث تقول: (ما رأيت من الناس أحدا أشبه كلاما وحديثا برسول الله (ص) من فاطمة، كانت إذا دخلتْ عليه رحّب بها، وقبّل يديها وأجلسها في مجلسه).. فهنا تعبير جميل يدل على شدة شوق النبي (ص) وحبه لها (ع)، وهو الملاحظ في كلمة (قام إليها).. فمعناها في اللغة يدل على الشوق المفرط، وأن هنالك حركة واستقبال من الطرف الآخر، فلم يقل: (قام لها).
* نور الزهراء (ع) كان يزهر، ويضيء في ظلام الليل الدامس، وهذا ما نقل عن عائشة: (كنّا نخيط، ونغزل، وننظم الأبرة باللّيل في ضوء وجه فاطمة (عليها السلام).. فالنور نور معنوي؛ ولكنه تجاوز عالم المعنى إلى عالم الحس، كما نقرأ في القرآن الكريم، بتجلي هذا النور على شكل نور حسي للمؤمنين يوم القيامة {يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ}.. ولكن بمشيئة الله عز وجل، وكرامة للزهراء (ع)، أبرز هذا النور في الحياة الدنيا.
* يقرن النبي (ص) رضاها برضا الرب تعالى، حيث قال: (فاطمة بضعة مني وأنا منها؛ فمن آذاها فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله).. أي أن ما يبدو في قلب فاطمة من مشاعر: حب أو بغض، ميل أو شوق.. فهذه المشاعر ليست جزافية، وليست مشاعر بنت من بنات المسلمين.. وإنما هي مشاعر امرأة رسالية متصلة بعالم الغيب، وإلا حاشا للنبي (ص) أن يجعل رضا بنت من بناته منوطاً برضا الله وغضبه!..
* وقالت عائشة في صدق الزهراء (ع): (ما رأيت أحداً قط أصدق من فاطمة (سلام الله عليها) غير أبيها).
* وقد نُقل (كان النبي (صلى الله عليه وآله) إذا قدم من سفر، قبّل نحر فاطمة وقال: منها أشمّ رائحة الجنة).
* وكان رسول الله (ص) يقول: (هي خير بناتي).
س2/ حبذا لو بينتم لنا عن دور الزهراء (ع) في المنزل والمجتمع؟..
أنا أعتقد أنه ليس هنالك امرأة وصلت إلى ما وصلت إليه فاطمة (ع): من الجامعية في التعامل، والتنسيق بين المهام والواجبات العبادية والأسرية.. حيث لم يُر أعبد منها، فقد كانت تقف في محرابها حتى تتورم قدماها، وكانت حريصة على القيام بخدمة المنزل، وتبذل جهدها لتوفير الراحة لبعلها أمير المؤمنين (ع).. وقد روي أنها: (استقت بالقربة حتى أثّر في صدرها، وطحنت بالرحى حتى مجلت يداها، وكسحت البيت حتى اغبرّت ثيابها، وأوقدت النار تحت القِدْر حتى دكنت ثيابها؛ فأصابها من ذلك ضرر شديد).
للأسف أن المرأة المؤمنة -هذه الأيام- إذا وجدت بعض الأجواء الروحية، تعيش حالة البعد عن الزوج، وتكره عمل المنزل.. وكأن هناك اثنينية بين عالم الغيب وعالم المعنى!.. والحال بأن الزهراء (ع) كأمير المؤمنين (ع) كان يقوم بتكليفه في كل ظرف: فهو المقاتل الأول بإجماع المسلمين، وهو القاضي الأعدل في ميدان القضاء، وهو العابد الأول في محراب العبادة.. فإذن، نحن نريد أن نصل إلى هذه الدرجة، من امتلاك الامتياز الأعظم في كل ما نقوم به: عبادة، وخدمة، وتثقيفاً، وثقافة.
س3/ ماذا عن موضوع تسبيحة الزهراء(ع)؟..
إن المحطتين الرئيسيتين التي يستحب فيهما تسبيحة الزهراء (ع) هما: قبل النوم، وبعد الصلوات اليومية.. فيبدو أن فاطمة (ع) كان عليها ضغط القيام بأعباء المنزل، فانطلقت إلى النبي المصطفى (ص) -وهو حاكم العالم الإسلامي ظاهراً وباطناً.. وظاهرة الخدم كانت موجودة في حياة النبي (ص)، وليست بظاهرة غريبة- ولكن النبي (ص) عوضها بهذه التسبيحة لأمرين:
الأول: عدم التميز: وهي رغبة النبي (ص) في أن تعيش فاطمة كأي امرأة مستضعفة في المدينة من نساء المسلمين، حيث أنه ليست كل امرأة في المدينة لها خادمة.. فالنبي (ص) لم يحب أن يخص فاطمة بامتياز مادي، وهذا هو ديدنهم (ع)، ونحن نعلم سلوك علي (ع) أمير المؤمنين في بيت المال، وكيف كان طعامه.
الثاني: لتكسب الخلود: نلاحظ أن الله سبحانه وتعالى كيف يكتب الخلود لعبده، إذا تجاوز برغبة من رغباته.. فلو أن فاطمة (ع) اتخذت خادمة تعينها في أمور المنزل؛ لبقيت سنوات من عمرها القصير وانتهى الأمر.. ولكن الله تعالى أكرمها بما قاله النبي (ص): (أفلا أعلمكما ما هو خير لكما من الخادم؟.. إذا أخذتما منامكما فسبّحا ثلاثاً وثلاثين، واحمدا ثلاثاً وثلاثين، وكبّرا أربعا وثلاثين الزهراء(ع)).. هذه التسبيحات الذي يقول عنها الإمام الصادق (ع) أنها من مصاديق الذكر الكثير: (من بات على تسبيح فاطمة ( عليها السلام ) كان من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات).. وأنه أحب إلى الله تعالى من ألف ركعة في كل يوم، حيث روي عنه عليه السلام: (تسبيح فاطمة الزهراء في كلّ يوم، من دُبر كلّ صلاة؛ أحبُّ إلىَّ من صلاة ألف ركعة في كلّ يوم).. والإمام الباقر يضيف الاستغفار بعد تسبيحات الزهراء؛ لتغفر له ذنوبه، ويتباعد عنه الشيطان: (من سبح تسبيحة فاطمة، ثم استغفر الله؛ غفر له.. وهي مئة باللسان، وألف بالميزان.. تطرد الشيطان، وترضي الرحمن).
ولكن -مع الأسف- نحن مع التكرار الكثير لهذا العمل المبارك، كأنه فقد مغزاه.. فنكررها على شكل تلاوة لفظية سريعة، حتى أن الإنسان بعض الأوقات لا يميز الكلمات، فضلاً عن التأمل في المعاني المختزنة فيها!.. فإذن، اقتراحي هو اتخاذ تسبيحات الزهراء ذكراً، كما قال الإمام الصادق (ع) هو الذكر الكثير، وهو ذكر توحيدي متناسب مع جو الصلاة، وخاصة مع ما ذكره الباقر (ع) بإضافة الاستغفار؛ ليكون معجونا جامعا ومانعا.
س4/ ما هي بعض وجوه الشبه بين السيدة مريم والسيدة الزهراء(ع)؟..
هنالك أوجه عديدة نذكر منها:
* مسألة الاصطفاء الإلهي: قال تعالى في حق مريم (ع): {إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ}.. فكما أن الله تعالى اصطفى السيدة مريم (ع)، كذلك اصطفى سيدتنا فاطمة (ع)، مع العلم بأنه لا جزافية في فعل الله تعالى وعطاءاته.. إذ لابد من أرضية مرجحة للدخول في عالم الاصطفاء والجذب الإلهي، فالذي يريد أن يكون كفاطمة (ع) عليه أن يكون مثلها في كل جوانبها الحياتية: سلوكها، وتعاملها، وعبادتها، ودفاعها عن عقيدتها.
* الجانب المأساوي: إن مريم (ع) عاشت شطراً من حياتها مأساة الذين اتهموها بالبغي.. وفاطمة (ع) عاشت المحن والبلاءات في حياتها.
* الرعاية الإلهية: مريم (ع) كفَّلها ربها زكريا (ع) وأنبتها نباتاً حسنا.. وكذلك سيدتنا فاطمة (ع) كفَّلها النبي المصطفى وعلي(ع).
س5/ ماذا عن مصحف فاطمة، وما هي حقيقته، وما هو مضمونه، وأين هو؟..
أنا أتعجب في عصر التلاقح الثقافي، والانتشار الضخم لشبكات الإنترنت، إذ لم يبق شيء خافٍ في عقائد الشعوب.. والإنسان في هذه الأيام بإمكانه أن يدخل أي مفردة من المفردات في محركات البحث؛ ليحصل على ما يريد.. فليس هنالك في مساجد المسلمين قاطبة، غير هذا القرآن المتداول، ولو كان لبان واشتهر أمره.
وعلى كلٍّ، فإن علماء الإمامية وعلماء المسلمين نفوا هذا الأمر؛ لأن رب العالمين وعد بحفظ كتابه، وهو الوفي بتنفيذ وعده.. وثم هناك اشتباه في اللفظ المشترك لكلمة المصحف، فهي ليست كلمة مطلقة للقرآن الكريم فحسب!.. وهذا المصحف كما ورد في الروايات المختلفة، قال الصادق (ع): (إنّ فاطمة (ع) مكثت بعد رسول الله (ص) خمسة وسبعين يوماً، وكان دخلها حزنٌ شديدٌ على أبيها.. وكان جبرائيل (ع) يأتيها فيُحسن عزاءها على أبيها، ويطيّب نفسها، ويخبرها عن أبيها ومكانه، ويخبرها بما يكون بعدها في ذريتها.. وكان علي (ع) يكتب ذلك؛ فهذا مصحف فاطمة(ع)).. وطبعاً حديث الملائكة مع سيدة نساء العالمين أمر غير مستغرب، كما نقرأ في القرآن الكريم الملائكة التي تحدثت مع مريم، وكذلك أوحى الله إلى أم موسى.