العلاقات الأمريكية الصينية وتغير مسارات

    • العلاقات الأمريكية الصينية وتغير مسارات

      مارتن جاك

      ما يقلق أمريكا أكثر ليس أن تلبس الصين حذاء أكبر بكثير من مقاسها- على الأقل على المدى القريب- لكن القلق الأكبر هو من إحساس متفاقم بالإحباط الأمريكي من أن حذاء أمريكا لم يعد مقاسه كبيرا كما كان أو كما يجب أن يكون .

      يبدو أن المشاحنات بين أمريكا والصين تصير أكثر عددا وأكثر خطورة. فالصينيون اعترضوا بعبارات قوية على صفقة الأسلحة الأمريكية الأخيرة إلى تايوان وهددوا بفرض عقوبات على تلك الشركات المتورطة في الصفقة. واتهم الرئيس أوباما مؤخرا الصين بالتلاعب بالعملة. وفي دافوس، هاجم مدير مجلس الاقتصاد القومي، التابع للبيت الأبيض لاري سومرز الصين هجوما منحرفا مشيرا إلى السياسات التجارية البحتة، التي تمارسها الصين.

      والاختلاف بين أمريكا والصين في قمة المناخ المنعقدة في كوبنهاجن في ديسمبر الفائت تواصل صداها كما أن الحكومة الصينية تصرفت بشدة إزاء ادعاءات جوجل- والمدعومة من قبل الإدارة الأمريكية- بأن الهجمات التي تعرضت لها تولدت في الصين، وإزاء بيان جوجل وقفها التعاون مع رقابة الحكومة الصينية للإنترنت.

      أيضا كانت أمريكا وماتزل بشكل متزايد منتقدة لعدم استعداد الصين الموافقة على فرض عقوبات جديدة على إيران. وفي النهاية ها هي الحكومة الصينية تتهم الإدارة الأمريكية بالتدخل في شؤونها الداخلية من خلال الإصرار على لقاء أوباما بالدلاي لاما هذا الأسبوع في واشنطون.

      ومسألة الخصومة هذه صارت كثيفة وسريعة الوتيرة. رغم هذا بالكاد تكون هذه الاحتدامات، في أغلبها جديدة. فردة فعل الصين من صفقة الأسلحة الامريكية الى تايوان كان متنبأ بها كاملة، والجديد في الامر، هو تهديد الصين بفرض عقوبات على الشركات "المتورطة" في تلك الصفقة. وردة فعل الصين من لقاء أوباما بالدلاي لاما في واشنطون كان متنبأ بها هي الأخري بنفس المقدار.

      وبيانا أوباما وسومرز بخصوص التلاعب بالعملة في الصين والسياسات التجارية البحتة مختلفان قليلا عن بعضهما البعض. وحقيقي أنه ما من شيء جديد بالكامل؛ فلقد اتهم وزير المالية الامريكي تيموثي جيثنر الصين في يناير 2009 بالتلاعب بالعملة. لكن منذ أن أدلى جوثنر بملحوظته غير المبنية على حكم صائب، والإدارة الامريكية اختارت حتى الآن أن تكون أكثر حذرا.

      أما جوجل والتغير المناخي فهما عنصران جديدان نسبيا في الاحتدام. لكن علينا ألا نندهش من تلك الخلافات. فصعود الصين يعني أنها لها دور في مناطق في العالم وفي قضايا كان للصين فيها في السابق دور محدود أو لم يكن لها فيها دور. فالصين بشكل متزايد تصبح قوة عالمية لها مصالح تدافع عنها حول العالم، وقدرها أن تدخل في صراع مع أمريكا في عدد متزايد من الموضوعات.

      ويبدو أن العلاقات الصينية الأمريكية تدخل مرحلة مختلفة جدا. والسؤال الرئيس هو هل سيؤدي هذا إلى حدة متفاقمة في العلاقات بين الدولتين إلى تلك النقطة حيث تتضرر العلاقات الثنائية بينهما بشدة أم أن العلاقات الإيجابية بشكل عام خلال العقود الثلاثة الأخيرة يمكن أن تتواصل.

      هناك المزيد من التغير الكامن في العلاقة بين الدولتين، وأعني صعود الصين وانحدار أمريكا. وبينما كلاهما غير جديد، بدأ انحدار أمريكا في التحول إلى أمر معترف به منذ الأزمة المالية العالمية. وتعبيرات "وجود" نقلة في السلطة بين الدولتين عديدة. وصارت الصين أكثر ثقة في نفسها، وبطريقة لطيفة أكثر حزما.

      وأوضح ما كان هذا كان في الطريقة التي عبرت بها الصين عن مخاوفها بخصوص قيمة الدولار، وأثارت مسألة "العمل" بعملة احتياطية جديدة مبنية على حقوق سحب خاصة، وصبت لومها في الأزمة المالية العالمية على تصرفات البنوك الغربية، خاصة بنوك أمريكا. رغم هذا ربما هو من الخطأ قليلا أن نخلص إلى أن هناك تغيرا كبيرا في المدخل الصيني نحو أمريكا. على العكس تظل الاولويات الصينية الاساسية كما حددها دينج تشياوبينج. والأولوية الاولى هي تحقيق النمو الاقتصادي وانتشال العشرات من الملايين الصينيين من الفقر، وتأسيس البيئة الخارجية الأفضل للوصول الى هذه الأهداف، والذي كان يعنى، ومازال يعني، وقبل أي شيء آخر، تأسيس علاقة جيدة مع أمريكا.

      وعلى الرغم من أن الصينيين باوا يتصرفون من منطلق ثقة أكبر في النفس ومن منطلق المزيد من الحزم، لا أرى أي دليل قوي على أنهم تخلوا عن "مكانهم" المجرب والموثوق فيه. بل على العكس، نجت هذه الوضعية المجربة كثيرا معهم ومازالت ناجحة. فالوقت في صالحهم، ومن ثم، هم يطيقون الصبر.

      لكن ماذا عن أمريكا؟ حقيقة أن أمريكا بات لتوها تفيق على حقيقة أنها في انحدار هي مدعاة للقلق الشديد. وأمريكا تماما غير مستعدة لما قد يعنيه هذا: لن تستطيع أمريكا بعد الآن أن تتعامل مع الآخرين بنفس الطريقة التي اعتادت عليها، لن تستطيع بعد الآن أن تفترض في نفسها التفوق في تعاملاتها مع الصين، وعليها أن تبحث عن فهم جديد للصين، بدلا من أن تتوقعها أن تواصل لعب العازف الثاني في الفرقة الموسيقية.

      ووعي أمريكا بضعفها، والذي جاء متأخرا عن أوانه، حدث أن جاء فجأة وباندفاع، حتى إنها لم تتمكن من هضمه جيدا، فلا النخب السياسية هضمته جيدا ولا الشعب الأمريكي نفسه. وحقيقي أن الغالبية مازالوا ينكرون هذه الحقيقة انكارا تاما. والتوضيح الكلاسيكي لهذا الأمر كان الغضب والإحباط في الميديا وفي الدوائر السياسية من توجه - يستحق الندم عليه قليلا – الرئيس أوباما من الصينيين خلال زياراته إلى بكين في نوفمبر الفائت. وفي الواقع كان الرئيس أوباما محقا على صعيدين: أولا على أمريكا أن تتعلم الآن كيف تتعامل مع الصين على قدم المساواة. ثانيا، يجب ألا تنسى أمريكا أبدا أن الصين تدينها.

      ولنضع الأمر ببساطة نقول: ما يقلق أمريكا أكثر ليس أن تلبس الصين حذاء أكبر بكثير من مقاسها- على الأقل على المدى القريب- لكن القلق الأكبر هو من إحساس متفاقم بالإحباط الأمريكي من أن حذاء أمريكا لم يعد مقاسه كبيرا كما كان أو كما يجب أن يكون، هذا بالإضافة إلى عدم رغبة أو استعداد لفهم الصين من خلال أي معايير أخرى ليست أمريكية. ويمكن للتبعات أن تكون خطيرة. فالعلاقات بين الدولتين من الممكن أن تواصل تدهورها بشكل مستمر، مع الآثار السلبية لهذا التدهور بالطبع على كل العالم. وهذا ليس فيه أي خير لأي أحد. هو سيجعل الأمور أكثر صعوبة على الصين، وربما يبطئ من تقدمها، لكن أمريكا ربما تعاني أكثر من الصين. كما يجب ألا تختلط الصين في الذهنية الأمريكية بالاتحاد السوفييتي السابق. فالصين مختلفة جدا عن الاتحاد السوفييتي، وهي خصم أكثر صعوبة، موطن قوته في نهاية المطاف ليس في عدته العسكرية، بل في براعته الاقتصادية، عدو سلاحه الدبلوماسي ليس قعقعة السيوف، بل الصبر الحميد.

      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية