ديفيد بروكس
هل كان الأساس الذي قامت عليه أمريكا هو مفارقة ردايكالية عن "الماضي" أم شكلا من أشكال المحافظة على ذلك الماضي؟ ذلك السؤال هو صلب الصدامات اليوم بين الأحزاب المختلفة، وداخل الحزب الواحد
عندما كنت طالبا في الجامعة، درست مقررا عن عصر "التنوير"، (مصطلح يشير إلى القرن السادس عشر في الفلسفة الأوروبية، وقت ظهور حركة ثقافية دافعت عن العقلانية كوسيلة للتأسيس للمعرفة والأخلاق، بديلة عن الدين) وفي ذلك العصر، عندما كان الناس يتحدثون عن التنوير كانوا يعنون "التنوير الفرنسي"- يعنون المفكرين أمثال ديكارت وروسو وفولتير. وهؤلاء كانوا فلاسفة تحدوا وواجهوا عالما مليئا بالخرافات والنظم الإقطاعية، وسعوا إلى فتح عيون العالم على نور العقل. وملهمين بالثورة العلمية، كان لديهم إيمان عظيم بقوة "العقل الفرداني" على ردع الخطأ والوقوف من منطلق المنطق على حقيقة الكون.
ونموذج هؤلاء الفلاسفة الأعظم كان ديكارت. فلقد كان هدفه أن يبدأ التفاهم بين البشر من جديد. وعاند الرجل الأفكار والأحكام المسبقة المتراكمة من الماضي، وابتنى (مفهومه) من الأساس، واضعا الحقيقة المنطقية الواحدة فوق الأخرى. وما فعله ديكارت للمعرفة، كان يجدر بالآخرين أن يفعلوه للسياسة: يكتسحون بعيدا السوابق القديمة ويضعون دساتيرا جديدة مبنية على المنطق. وكان هذا هو هدف الثورة الفرنسية. (بدأت في 1789 وانتهت في 1799، ألغت الملكية المطلقة والنظم الإقطاعية وأشعلها مفكرو وفلاسفة عصر التنوير).
ولكن لم يكن هناك نسخة واحدة من "التنوير" مقرها الرئيسي فرنسا. كان هناك مقار رئيسية أخرى "للتنوير" في سكوتلندا وبريطانيا، بقيادة الفيلسوف ديفيد هيوم والاقتصادي آدم سميث وإدموند بورك. وكما كتبت جيرترود هيملفارب في كتابها "الطرق إلى الحداثة" لو ركزت عناصر التنوير في فرنسا على قوة العقل، ركزت عناصر التنوير في بريطانيا على حدود العقل. هم ركزوا أكثر على المشاعر. فالناس يولدون برغبات طبيعية في أن ينالوا إعجاب الآخرين واستحسانهم. هم يولدون بعواطفهم الأخلاقية، بالحس بالعدالة والإنصاف. هم أيضا يولدون بأشكال أكثر قتامة من العاطفة مثل حب الذات والتعصب القبلي، والتي تفسد المشاريع العقلانية. نحن البشر أولا وقبل كل شيء مخلوقات عاطفية، ويجب ألا تنسى السياسة هذا.
وجهتا النظر في الطبيعة البشرية هاتان ولدتا توجهات محتلفة نحو التغيير السياسي وتلك التوجهات أفضل ما جاءت وشُرحت كان على يد كل من توماس باين وإدموند بورك. ووجهتا نطريهما كانتا موضوع أطروحة رسالة دكتوراة رائعة ليوفال ليفين في جامعة شيكاغو عنوانها "القانون العظيم للتغيير" وكما يوضح ليفين في أطروحته، اعتقد باين أن المجتمعات موجودة في "آنية أبدية". وأن الشيء الموجود طوال عصور لا يقول لنا شيئا عن قيمته. وأن الماضي ميت وأن من هم على قيد الحياة يجب أن يستخدموا قواهم التحليلية لاكتساح "ما هو متفق عليه" وقت الضرورة ليبدأوا العالم من جديد. بل يقترح باين أن تنتهي صلاحية القوانين كل ثلاثين عاما (من سنها) حتى يتمكن كل جيل جديد أن يبدأ من جديد ثانية. ورأى باين في الثورتين الفرنسية والأمريكية نموذجين لذلك النوع من التغيير الراديكالي. هو شعر أنه في فرنسا وفي أمريكا استخلص الثوريون حقائق كونية مؤكدة متعلقة بحقوق الإنسان، ثم صمموا مجتمعا جديدا ليناسب تلك الحقائق.
أما بورك وهو أحد المشاركين في "التنوير" البريطاني فكان له وجهة نظر مختلفة في التغيير. هو اعتقد أن كل جيل هو جزء صغير في سلسلة طويلة للتاريخ. والبشر ما هم إلا أوصياء على حكمة العصور وملزمون بتمريرها (توصيلها) إلى الجيل اللاحق، بقليل من التحسينات مضافة إليها. وتلك الحكمة تملأ الثغرات في المنطق/العقل، لأن المؤسسات والكيانات (نظم المجتمع) التي عمرها أجيال بها المزيد من الحكمة عما يمكن أن يتوفر للإنسان الفرد. وكان بورك مرعوبا من فكرة أن يستخدم الأفراد المنطق المجرد لاكتساح "المتفق عليه" الذي تمكن من أن يمر من "اختبار" الزمن. هو كان يؤمن بالإصلاح المتواصل، ولم يكن يرى أن الإصلاح يتسم بالجدة. هو كان يرى أنه من الممكن للمرء أن يعدل من الداخل، مبقيا على الأجزاء الصالحة، ومعدلا ومغيرا من الأجزاء التي لم تعد تؤدي وظيفتها.
فوفق وجهة نظره، لو حاولنا إعادة هندسة المجتمع على أسس هي خطط مجردة، سينتهي بنا الحال بتسببنا في كل صنوف الصعوبات الجديدة، لأن الكائن الاجتماعي أكثر تعقيدا مما هو محتمل أن نعرف. الخربشات لا تصلح الأمور، في رأيه أيضا ساند بروك الثورة الأمريكية، لكنه رآها من خلال ضوء مختلف عن باين. هو رأى أن البرلمان البريطاني داس بتهور الحريات المدنية القديمة التي تمتع بها المستعمرون. ورأى أن الأمريكان كانوا يحاولون الحفاظ على ما كانوا يمتلكون. ولم يحاول الأمريكان أبدا أن يعرفوا إذا ما كانوا أبناء "التنوير الفرنسي أم البريطاني. هل كان الأساس الذي قامت عليه أمريكا هو مفارقة ردايكالية عن "الماضي" أم شكل من أشكال المحافظة على ذلك الماضي؟ ذلك السؤال كان صلب المصادمات بين الرئيسين جيفرسون وهاميلتون. وهو صلب الصدامات اليوم بين الأحزاب المختلفة، وداخل الحزب الواحد.
واليوم لو نظرنا نظرة عامة على السياسات الأمريكية، نجد أشخاصا يصفون أنفسهم بالراديكاليين المحافظيين يسعون الى اكتساح 100 عام من التاريخ، والعودة بالحكومة الى دورها ما قبل الحقبة الصناعية. ونجد تكنوقراطيين ديموقراطيين واثقين في أنفسهم لديهم إيمان هائل في قدرة المسؤولين الحكوميين على أن يستخدموا العقل/المنطق للسيطرة على النظم المعقدة ولإعادة تنظيمها. ونجد أيضا جدليين من اليمين ومن اليسار يمارسون نمطا من السياسات بالغ التجريد والأدلجة. إن أبناء التنوير البريطاني (الأمريكان) في تراجع. رغم هذا تظل الحقيقة المعاندة لطبيعة البشرية موجودة. لقد كان الاسكتلنديون على حق، والفرنسيون على غير الحق. ومن هذه الحقيقة ينمو نمط تغيير، نمط يؤكد على الاعتدال والتدرج والتوازن.
هل كان الأساس الذي قامت عليه أمريكا هو مفارقة ردايكالية عن "الماضي" أم شكلا من أشكال المحافظة على ذلك الماضي؟ ذلك السؤال هو صلب الصدامات اليوم بين الأحزاب المختلفة، وداخل الحزب الواحد
عندما كنت طالبا في الجامعة، درست مقررا عن عصر "التنوير"، (مصطلح يشير إلى القرن السادس عشر في الفلسفة الأوروبية، وقت ظهور حركة ثقافية دافعت عن العقلانية كوسيلة للتأسيس للمعرفة والأخلاق، بديلة عن الدين) وفي ذلك العصر، عندما كان الناس يتحدثون عن التنوير كانوا يعنون "التنوير الفرنسي"- يعنون المفكرين أمثال ديكارت وروسو وفولتير. وهؤلاء كانوا فلاسفة تحدوا وواجهوا عالما مليئا بالخرافات والنظم الإقطاعية، وسعوا إلى فتح عيون العالم على نور العقل. وملهمين بالثورة العلمية، كان لديهم إيمان عظيم بقوة "العقل الفرداني" على ردع الخطأ والوقوف من منطلق المنطق على حقيقة الكون.
ونموذج هؤلاء الفلاسفة الأعظم كان ديكارت. فلقد كان هدفه أن يبدأ التفاهم بين البشر من جديد. وعاند الرجل الأفكار والأحكام المسبقة المتراكمة من الماضي، وابتنى (مفهومه) من الأساس، واضعا الحقيقة المنطقية الواحدة فوق الأخرى. وما فعله ديكارت للمعرفة، كان يجدر بالآخرين أن يفعلوه للسياسة: يكتسحون بعيدا السوابق القديمة ويضعون دساتيرا جديدة مبنية على المنطق. وكان هذا هو هدف الثورة الفرنسية. (بدأت في 1789 وانتهت في 1799، ألغت الملكية المطلقة والنظم الإقطاعية وأشعلها مفكرو وفلاسفة عصر التنوير).
ولكن لم يكن هناك نسخة واحدة من "التنوير" مقرها الرئيسي فرنسا. كان هناك مقار رئيسية أخرى "للتنوير" في سكوتلندا وبريطانيا، بقيادة الفيلسوف ديفيد هيوم والاقتصادي آدم سميث وإدموند بورك. وكما كتبت جيرترود هيملفارب في كتابها "الطرق إلى الحداثة" لو ركزت عناصر التنوير في فرنسا على قوة العقل، ركزت عناصر التنوير في بريطانيا على حدود العقل. هم ركزوا أكثر على المشاعر. فالناس يولدون برغبات طبيعية في أن ينالوا إعجاب الآخرين واستحسانهم. هم يولدون بعواطفهم الأخلاقية، بالحس بالعدالة والإنصاف. هم أيضا يولدون بأشكال أكثر قتامة من العاطفة مثل حب الذات والتعصب القبلي، والتي تفسد المشاريع العقلانية. نحن البشر أولا وقبل كل شيء مخلوقات عاطفية، ويجب ألا تنسى السياسة هذا.
وجهتا النظر في الطبيعة البشرية هاتان ولدتا توجهات محتلفة نحو التغيير السياسي وتلك التوجهات أفضل ما جاءت وشُرحت كان على يد كل من توماس باين وإدموند بورك. ووجهتا نطريهما كانتا موضوع أطروحة رسالة دكتوراة رائعة ليوفال ليفين في جامعة شيكاغو عنوانها "القانون العظيم للتغيير" وكما يوضح ليفين في أطروحته، اعتقد باين أن المجتمعات موجودة في "آنية أبدية". وأن الشيء الموجود طوال عصور لا يقول لنا شيئا عن قيمته. وأن الماضي ميت وأن من هم على قيد الحياة يجب أن يستخدموا قواهم التحليلية لاكتساح "ما هو متفق عليه" وقت الضرورة ليبدأوا العالم من جديد. بل يقترح باين أن تنتهي صلاحية القوانين كل ثلاثين عاما (من سنها) حتى يتمكن كل جيل جديد أن يبدأ من جديد ثانية. ورأى باين في الثورتين الفرنسية والأمريكية نموذجين لذلك النوع من التغيير الراديكالي. هو شعر أنه في فرنسا وفي أمريكا استخلص الثوريون حقائق كونية مؤكدة متعلقة بحقوق الإنسان، ثم صمموا مجتمعا جديدا ليناسب تلك الحقائق.
أما بورك وهو أحد المشاركين في "التنوير" البريطاني فكان له وجهة نظر مختلفة في التغيير. هو اعتقد أن كل جيل هو جزء صغير في سلسلة طويلة للتاريخ. والبشر ما هم إلا أوصياء على حكمة العصور وملزمون بتمريرها (توصيلها) إلى الجيل اللاحق، بقليل من التحسينات مضافة إليها. وتلك الحكمة تملأ الثغرات في المنطق/العقل، لأن المؤسسات والكيانات (نظم المجتمع) التي عمرها أجيال بها المزيد من الحكمة عما يمكن أن يتوفر للإنسان الفرد. وكان بورك مرعوبا من فكرة أن يستخدم الأفراد المنطق المجرد لاكتساح "المتفق عليه" الذي تمكن من أن يمر من "اختبار" الزمن. هو كان يؤمن بالإصلاح المتواصل، ولم يكن يرى أن الإصلاح يتسم بالجدة. هو كان يرى أنه من الممكن للمرء أن يعدل من الداخل، مبقيا على الأجزاء الصالحة، ومعدلا ومغيرا من الأجزاء التي لم تعد تؤدي وظيفتها.
فوفق وجهة نظره، لو حاولنا إعادة هندسة المجتمع على أسس هي خطط مجردة، سينتهي بنا الحال بتسببنا في كل صنوف الصعوبات الجديدة، لأن الكائن الاجتماعي أكثر تعقيدا مما هو محتمل أن نعرف. الخربشات لا تصلح الأمور، في رأيه أيضا ساند بروك الثورة الأمريكية، لكنه رآها من خلال ضوء مختلف عن باين. هو رأى أن البرلمان البريطاني داس بتهور الحريات المدنية القديمة التي تمتع بها المستعمرون. ورأى أن الأمريكان كانوا يحاولون الحفاظ على ما كانوا يمتلكون. ولم يحاول الأمريكان أبدا أن يعرفوا إذا ما كانوا أبناء "التنوير الفرنسي أم البريطاني. هل كان الأساس الذي قامت عليه أمريكا هو مفارقة ردايكالية عن "الماضي" أم شكل من أشكال المحافظة على ذلك الماضي؟ ذلك السؤال كان صلب المصادمات بين الرئيسين جيفرسون وهاميلتون. وهو صلب الصدامات اليوم بين الأحزاب المختلفة، وداخل الحزب الواحد.
واليوم لو نظرنا نظرة عامة على السياسات الأمريكية، نجد أشخاصا يصفون أنفسهم بالراديكاليين المحافظيين يسعون الى اكتساح 100 عام من التاريخ، والعودة بالحكومة الى دورها ما قبل الحقبة الصناعية. ونجد تكنوقراطيين ديموقراطيين واثقين في أنفسهم لديهم إيمان هائل في قدرة المسؤولين الحكوميين على أن يستخدموا العقل/المنطق للسيطرة على النظم المعقدة ولإعادة تنظيمها. ونجد أيضا جدليين من اليمين ومن اليسار يمارسون نمطا من السياسات بالغ التجريد والأدلجة. إن أبناء التنوير البريطاني (الأمريكان) في تراجع. رغم هذا تظل الحقيقة المعاندة لطبيعة البشرية موجودة. لقد كان الاسكتلنديون على حق، والفرنسيون على غير الحق. ومن هذه الحقيقة ينمو نمط تغيير، نمط يؤكد على الاعتدال والتدرج والتوازن.
¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية