عبد السلام يشد الحزام - جديد عبدالله المهيري

    • عبد السلام يشد الحزام - جديد عبدالله المهيري

      تصور معي قصة عبد السلام الذي يريد شراء سيارة لأنه كبقية الناس بحاجة لسيارة، هو بحاجة لسيارة لأنه يريد أن يذهب من بيته إلى العمل ومن العمل إلى بيته وبينهما قد يتوقف عند بقالة أو جمعية تعاونية ويشتري بعض احتياجات المنزل، هل هذا مثال مناسب؟ هل أنا أبالغ؟ لا أظن، قد يشتري شيئاً من الخضروات والفواكه وسيمر على الثلاجة ليأخذ علبة كبيرة من الروب لأن العلبة السابقة تكاد تنتهي وهو لا يمكنه العيش بدون روب كما لا يمكنني أن أعيش بدون شاي! المهم أنه يشتري ويضع المشتريات في سيارته ويقودها نحو المنزل وهو يفكر في ميزانية الشهر الخاوية على عروشها.

      قسط السيارة أكل مبلغاً من الراتب، الأطفال أخذوا حصتهم أيضاً والزوجة كذلك وما تبقى ينفقه بحرص حتى يبقى له آخر الشهر شيئاً يأكله وربما تحدث معجزة ويبقى لديه شيء يدخره، هذه الصعوبة المالية لم تمنعه من الخروج للفسحة فيأخذ العائلة الكريمة معه إلى متنزه أو في زيارة لدبي ويزور الشارقة هذه الأيام أكثر من دبي لأنها تحوي مراكز تسوق أقل وفيها وسائل ترفيه مختلفة ومفيدة، الأطفال يحبون المتحف العلمي.

      بين حين وآخر يذهب إلى أحد المقاهي للقاء أصدقاء حقبة العزوبية والذين تنوعت حظوظهم في الحياة ما بين رجل الأعمال الذي يعيش في الطائرات والمطارات وبلدان أجنبية أكثر من عيشه في البلاد إلى العاطل عن العمل الذي بقدرة خفية يتمكن من إكمال مسيرة الحياة بشكل يدعو للشك والريبة، في كل الأحوال يحاول عبد السلام أن يقرر مكان المقهى ليكون في منطقة تحوي مواقف سيارات ويكون حريصاً على إيقاف السيارة في مكان صحيح، لا يهمه المقهى بقدر ما يهتم بموقف السيارات، شعاره هنا: المواقف أولاً ولتذهب القهوة إلى الجحيم!

      في أحد الأيام وبينما عبد السلام عائد من العمل إلى المنزل سمع هاتفه يخبره بوصول رسالة، عندما توقف عند الإشارة أخذ الهاتف وقرأ الرسالة وإذا هي مخالفة تجاوز السرعة وعليه أن يذهب إلى المرور ليدفع، في اليوم التالي ذهب إلى المرور وكانت المفاجأة أن عليه ما يزيد عن 10 مخالفات ما بين تجاوز السرعة وعدم ربط الحزام والتحدث بالهاتف أثناء القيادة، أدخل يده في جيبه وأخرج المبلغ المطلوب.

      في البيت تسأله زوجته عن ما يضايقه فيخبرها أن عليهم التوفير لأقصى حد لأن المخالفات أكلت مبلغاً كبيراً، كان متضايقاً لدرجة أن كتب شكوى في أحد المواقع يريد فقط أن ينفس عن همومه، وافقه البعض واتهمه البعض بالطيش والتهور، أحدهم قال له بالحرف "أتمنى الشرطة تسحب سيارتك يا متهور!" وآخر قال "أنا مع الشرطة، يا خي إذا الواحد ما خالف ما بيحتاج يدفع مخالفات، التزموا بالقانون ومحد بيخالفكم" وأضاف أحد أطفال الإنترنت "أتمنى يحطون كاميرا كل 30 متر عشان تتأدبون"

      رد عليهم عبد السلام بأنه حريص على القانون، يراقب نفسه جيداً ويعرف جيداً أنه مثلاً لا يحرك السيارة قبل أن يلبس الحزام فكيف يخالفونه على عدم لبس الحزام؟ ثم ذكر أن الهدف من الكاميرات هي إيقاف الحوادث وتأمين الطرق وردع المتهورين، وطرح سؤالاً وجيهاً: كيف ستصبح الطرق آمنة أكثر إذا خالفوني على زيادة بسيطة فوق السرعة المحددة؟

      استمر تأييد البعض لعبد السلام واستمرت معارضة البعض إلى أن كتب أحدهم "عجبك ولا ما عجبك روح ألحين وادفع المخالفة ولا تيلسون تتفلسفون زيادة، احمدوا ربكم أنتوا عايشين في ها البلاد والشرطة حريصة على أمنك وسلامتك، ادفع لهم وأنت تشكرهم"

      لم يعد عبد السلام للموقع بعد أن أضاف لهمه وغضبه هم وغضب آخر، السيارة أصبحت عبئاً ثقيلاً لم يتخيله عندما امسك بمفاتيحها أول مرة.



      تصور هذه القصة مع اختلاف الظروف والناس، هذه القصة تتكرر في الواقع وليست خيالية، أي شخص يقرأ هذا الموضوع قد يكون هو في مكان عبد السلام، أعلم جيداً أن بعض المعلقين سيتحدثون عن "لماذا يكتفي بالراتب والوظيفة فقط؟" لكن هذا ليس موضوعنا وأتمنى ألا يتحدث أحد عنه، الموضوع هنا هي هذه القوانين والكاميرات التي وضعت لتأمين الطرق وهي تفعل ذلك وأكثر بظلم كثير من الناس أمثال عبد السلام يلتزمون بالقانون بقدر استطاعتهم لكنهم يحصلون على مخالفات عديدة.

      التهور والطيش لن يعالج بالتشديد على الناس كلهم بالمخالفات والرقابة، عقلية المتهور لا تعمل بهذه الطريقة، المخاطرة في الطرق العامة شيء يريد المتهور أن يفعله وتشديد الرقابة يجعل ممارسة التهور أكثر تشويقاً لأنه إن فعل شيئاً في الشارع ولم يقبض عليه ولم يخالفه أحد ستكون هذه قصة رائعة يرددها لزملائه الذين سيحاولون تحديه بشيء أكبر وأكثر تهوراً.

      لا بد أن هناك دراسة أو أكثر تتحدث عن هؤلاء المتهورين وعن الحوادث وأسبابها والفئات العمرية التي تتسبب بالحوادث، هذه الدراسات لا بد أنها تنتهي بتوصيات، لا يمكنني أن أتخيل أن الدراسات كلها تنصح بزيادة عدد كاميرات المراقبة وتشديد الرقابة على الجميع، ربما إن كانت الدراسة تبحث وسيلة لجمع المال فهذه ستكون نصيحة جيدة، أما تأمين الطرق فهناك شيء يسمى ثقافة، والثقافة تبدأ من الصغر.

      منذ صغري وأنا أسمع "السرعة قاتلة" أو ما شابهها من كلمات، لكن لست مؤمناً بأن السرعة قاتلة، أعلم أن التهور قاتل، أعلم أن القيادة بدون معرفة أصول القيادة ستكون قاتلة، كسير البعض بسرعة بطيئة في الحارة اليسرى أو تجاوز البعض لسيارات أخرى من اليمين أو دخولهم الدوارات والقيادة فيها كأنهم يلعبون في حديقة ملاهي أو توقف سيارات الأجرة المفاجأ، كل هذه الأشياء قاتلة، السرعة لا تقتل إن كان قائد المركبة يقود بحرص وانتباه.

      كثير من الشباب الذين فقدوا حياتهم بسبب التهور في الطرق كانوا من نفس الفئة العمرية، كثير منهم سمعوا نفس ما سمعت عن السرعة القاتلة، كثير منهم شاهد برنامج قف الذي يتحدث عن السلامة المرورية، هل كانت هناك أي فائدة لهذه البرامج وحملات التوعية؟ لا شك لدي أن هناك فئة تعلمت واستفادت وهناك فئة لن ينفع معها أي شيء إلا ربما الصدمة العنيفة كرؤية جثة شخص تقطعت داخل السيارة، هذا ما حدث لأحد الزملاء الذي أخبرني بالمشهد ومن بعدها حلف يميناً أنه لن يسرع وبالفعل لم يعد يسرع.

      الثقافة هي أن تجعل الطفل الذي بالكاد يرى فوق مقود السيارة يقود سيارة! نعم ما المشكلة في ذلك؟ لا أظن أن أطفالنا أقل شأناً من أطفال فنلندا الذين يبدأون التدرب على مهارات القيادة منذ سنوات المراهقة الأولى، يتدربون على تجنب الاصطدام بحيوان الموظ (Moose) أو استخدام المكابح عندما تكون الأرض مبتلة من الأمطار ويتدربون على مهارات أخرى، ثم هناك رخصة القيادة التي تعطى في سن 16 عاماً في كثير من دول أوروبا وكثير من الولايات الأمريكية، الرخصة لها شروط مشددة أكثر من الرخصة التي تعطى لمن هم في سن 18 أو أكبر، وهي تعتبر فترة اختبار وتقييم لصاحب الرخصة فإن أثبت أنه متهور أو غير كفؤ تسحب منه ليعود إلى مقاعد الدراسة ومقعد سيارة التدريب.

      ثم هناك التوعية، دعوني أختصر الأمر، التلفاز والإذاعة والصحف كلها لا تكفي لبث رسائل التوعية ولأسباب كثيرة ليس هذا مكانها، التوعية في رأيي أن يكون هناك حديث مباشر بين رجل الشرطة وعامة الناس، وهذا ما يحدث بالفعل لكن ليس بالمقدار الكافي، التوعية يجب أن تتوجه نحو المدرسة والمؤسسة وفي الشارع، في الشتاء هناك فرصة للالتقاء بالناس مباشرة في الحدائق وعلى الكورنيش، ثم هناك الأماكن التي تجمع الشباب، وبالتحديد الشباب الذين يمارسون هواية التهور، ابحثوا عنهم لأنني مؤمن أن الكلام الصريح المباشر وجهاً لوجه سيكون له أثر أكبر من أي حملة توعية إعلامية.

      يمكن الحديث عن الموضوع بدون توقف، لذلك علي أن أتوقف هنا.


      المصدر : مدونة عبدالله المهيري


      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية

      وأدعوكم للإستفادة بمقالات متقدمة في مجال التقنية والأمن الإلكتروني
      رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
      المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
      والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني
      Eagle Eye Digital Solutions