بعد أشهر من التفنن في تجنب المؤسسات الحكومية كان علي أن أعرف بأن نهاية عبثي قريبة، اليوم عدت لمؤسسة ضمان وكنت أردد بيت أنشودة قديمة "أنا عائد أقسمت أني عائد" ورأسي يدور لأنني لم أنم منذ 24 ساعة وقد دخلت في حالة مسلية لا يمكنني فيها أن أغضب أو أتضايق، لسبب ما تأخري عن النوم يجعلني فكاهياً أكثر من المعتاد، كل شيء مضحك وكل شيء يمكنني تحويله لنكتة سخيفة.
دوامة المعاملات التي لا تنتهي، كنت أفكر هناك بهذه الدوامة، لماذا علي فعل كل هذا؟ ما الذي يدفع بمجتمعاتنا لتعقيد حياة الناس بمزيد من الإجراءات ومزيد من البطاقات ومزيد من المصاريف ومزيد من القوانين، كنت أفكر جدياً بإهمال بطاقة ضمان وربما الهوية أيضاً، لم أواجه موقفاً حتى اليوم يحتاج إحدى البطاقتين، وبما أنني أحب البساطة فليس لدي استعداد لوضع هذه البطاقات في المحفظة بل أتمنى أن أرى اليوم الذي أتخلص فيه من المحفظة، ما الذي سيحدث لو لم أتبع الإجراءات الرسمية؟ ما هو أسوأ شيء يمكن أن يحدث؟ ماذا لو رفضت أن استخرج البطاقات لأسباب مختلفة؟ لدي إجابات كثيرة لكن في النهاية الأمر يعود كله لنقطة الاهتمام، هل أكترث بالعواقب؟ إن تعلمت شيئاً من سنوات المدرسة فهو أنني بالفعل لا أكترث للعواقب عندما أقرر شيئاً أعلم أن القوانين والإجراءات لا توافق عليه، مثل غيابي المتكرر الذي أدى لفصلي من المدرسة، حاولت التظاهر بالحزن عندما فصلت لكنني من الداخل كنت سعيداً، هذه نقطة بداية وقد بدأت بالقراءة بعد فصلي مباشرة، رب ضارة نافعة.
قبل أن نصل كنت أتحدث مع حسن عن المخالفات والكاميرات، ما الذي يمكن فعله عندما لا تجد موقفاً لسيارتك في مكان مزدحم؟ أوقفها خلف سيارة أخرى وضع ورقة تقول "أعتذر، الرجاء الاتصال ...." وضع رقم هاتفك النقال، هذا ما يفعله كثير من الناس، لكن هناك سيارة شرطة تدور في المواقف المزدحمة وشرطي يسجل المخالفات، أحدهم يشتكي للشرطي "شو أسوي؟ وسعوا المواقف وما بنخالف" فيرد الشرطي بحزم أن عليه عدم مخالفة القانون، ربما على الرجل أن يعود في يوم لاحق، ربما عليه أن يبحث عن موقف حتى لو ضيع ساعة أو ساعتين في فعل ذلك، ربما عليه أن يأخذ سيارة أجرة بدلاً من الذهاب بسيارته، لكن ماذا لو كان الرجل يريد الذهاب إلى عمله؟ ماذا لو تأخر عن عمله؟ ألن يخصم من راتبه؟ مسكين أنت يا من تنتمي للطبقة الوسطى أو ما دونها، تأكل من فوقك ومن تحتك ومن أمامك ومن خلفك ... العجب أنك لم تنفجر، هذه نعمة ... يوم آخر بلا انفجار.
دخلنا إلى ضمان، المكان مزدحم وليس هناك مقاعد كافية، الجالسون والواقفون يبحلقون في كل شيء حولهم وينتظرون دورهم، أمامنا ما يزيد عن 170 شخصاً فليبدأ انتظارنا، شاشة التلفاز المسطحة عالية الوضوح تعرض مقاطع إعلانية صامتة عن ضمان، من يعيش في هذه البروباجندا يبدو أنه يعيش في عالم خيالي، الأرقام تتحرك ببطء وأنا أقرأ رواية مملة وحسن يتحدث لرجل بنغالي، أرفع رأسي عندما أسمع "رقم 89 شباك رقم 12" فألاحظ أحدهم يجري نحو مكتب الموظفة، أعود للكتاب الذي أنهيت قراءة فصل فيه فأغلقه لأن النوم يكاد يفتك بي، عدت للبحلقة في الشاشة المسطحة.
الإعلان يعرض صورة وردية، أناس سعداء جداً وابتساماتهم لا تفارقهم، رجل كبير ينهي معاملة بسرعة من خلال الهاتف ويتحدث مع موظفة في قمة الاحتراف والإتقان، كل شيء يمكن حله بالتقنية بسرعة، شاب يعرض خيارات الضمان الصحي ثم يصافح العميل وبالتأكيد الابتسامة لن تفارقه، التفت لأحد الجالسين الذي كان في هذه اللحظة يستخدم ورق محارم ثم رفع بيده فوق رأسه ثم خلف ظهره وبطريقة عجيبة رمى ورقة المحارم تحت كرسيه، التفت لليمين فعرف أنه لم يلاحظه أحد عدت لمشاهدة التلفاز في نفس اللحظة التي التفت فيها إلى اليسار والتقت عيني بعينه لجزء من الثانية وابتسمت ابتسامة ماكرة وأنا أتجاهل نظراته، في التلفاز طبيب يفحص طفلاً ثم يعطيه حلوى، الكل سعيد الكل بصحة وعافية الكل يبتسم والفضل لضمان، عدت لمشاهدة الناس، أحدهم يجلس تحت السلم المتحرك وفي تلك اللحظة رمى أحدهم من الطابق العلوي ورق محارم متسخ فوقع على رأس الرجل، تصويب عجيب! ضحكت ولم أهتم بنظرة الرجل الذي ظن للحظة أنني من رمى عليه الأوساخ، أشرت للأعلى فانشغل بمحاولة القبض على عديم الإحساس الذي بالتأكيد هرب من موقع الجريمة.
الجالسون واجمون صامتون ويشعرون بتضايق وملل، أردت أن أكسر حاجز الصمت مع أحدهم فبدأت بكلمتي المعتادة "خير إن شاء الله؟" أنظر للرجل الذي يتأفف ويبدو التضايق مطبوعاً على وجهه "شو السالفة؟" سألته عسى أن يفضفض لي وسأكون مستمعاً جيداً وسيكون حديثنا خيطاً يجرنا للحديث عن أشياء أخرى ممتعة وبعيدة عن العالم الخيالي الذي أشاهده في القناة المسطحة، رد علي "كل شي منيح، أحلى خدمة" ضحكت بصوت عالي فكل شيء يبدو لي مضحكاً هذه اللحظة، التناقض الواضح الوقح بين الواقع وما يعرض على التلفاز يجعلني أبتسم طوال الوقت، يبدو أن الرجل رأى أنني مواطن ولن أقبل انتقاد مؤسسة وطنية لذلك آثر السلامة ... يا خسارة! كان بإمكانه أن يفرغ بعض همه وأنا سأتفهم حاله وأحاول أن أخفف عنه، قلت له بنبرة نهائية وابتسامة عريضة وأنا أهز رأسي "لا الطيب! هذي مب السالفة."
الأرقام ترتفع ببطء "رقم 199 شباك 10" أخبر حسن أننا على بعد 33 شخصاً فقط، ثم مضت أرقام بسرعة لأن أصحابها كما يبدو ذهبوا ولم يرغبوا في الانتظار أكثر، جاء رقمنا وأنهينا المعاملة، رأيت رقماً جديداً لأحد المتعاملين، 455، أي أن ما بينه وبين وصوله لأي موظف أو موظفة 122 شخصاً وهذا يعني ساعة ونصف أو ساعتين من الانتظار، أعانه الله.
بعد عام سأعود لهذا المكان لإنجاز نفس المعاملة، لماذا لا يمتد الضمان 3 أو 5 سنوات؟ سأدفع أكثر فقط لكي لا أعود لزيارة هذا المكان، لكن سأعود حتماً وسأردد في ذلك الوقت: زروني كل سنة مرة ...
المصدر : مدونة عبدالله المهيري
دوامة المعاملات التي لا تنتهي، كنت أفكر هناك بهذه الدوامة، لماذا علي فعل كل هذا؟ ما الذي يدفع بمجتمعاتنا لتعقيد حياة الناس بمزيد من الإجراءات ومزيد من البطاقات ومزيد من المصاريف ومزيد من القوانين، كنت أفكر جدياً بإهمال بطاقة ضمان وربما الهوية أيضاً، لم أواجه موقفاً حتى اليوم يحتاج إحدى البطاقتين، وبما أنني أحب البساطة فليس لدي استعداد لوضع هذه البطاقات في المحفظة بل أتمنى أن أرى اليوم الذي أتخلص فيه من المحفظة، ما الذي سيحدث لو لم أتبع الإجراءات الرسمية؟ ما هو أسوأ شيء يمكن أن يحدث؟ ماذا لو رفضت أن استخرج البطاقات لأسباب مختلفة؟ لدي إجابات كثيرة لكن في النهاية الأمر يعود كله لنقطة الاهتمام، هل أكترث بالعواقب؟ إن تعلمت شيئاً من سنوات المدرسة فهو أنني بالفعل لا أكترث للعواقب عندما أقرر شيئاً أعلم أن القوانين والإجراءات لا توافق عليه، مثل غيابي المتكرر الذي أدى لفصلي من المدرسة، حاولت التظاهر بالحزن عندما فصلت لكنني من الداخل كنت سعيداً، هذه نقطة بداية وقد بدأت بالقراءة بعد فصلي مباشرة، رب ضارة نافعة.
قبل أن نصل كنت أتحدث مع حسن عن المخالفات والكاميرات، ما الذي يمكن فعله عندما لا تجد موقفاً لسيارتك في مكان مزدحم؟ أوقفها خلف سيارة أخرى وضع ورقة تقول "أعتذر، الرجاء الاتصال ...." وضع رقم هاتفك النقال، هذا ما يفعله كثير من الناس، لكن هناك سيارة شرطة تدور في المواقف المزدحمة وشرطي يسجل المخالفات، أحدهم يشتكي للشرطي "شو أسوي؟ وسعوا المواقف وما بنخالف" فيرد الشرطي بحزم أن عليه عدم مخالفة القانون، ربما على الرجل أن يعود في يوم لاحق، ربما عليه أن يبحث عن موقف حتى لو ضيع ساعة أو ساعتين في فعل ذلك، ربما عليه أن يأخذ سيارة أجرة بدلاً من الذهاب بسيارته، لكن ماذا لو كان الرجل يريد الذهاب إلى عمله؟ ماذا لو تأخر عن عمله؟ ألن يخصم من راتبه؟ مسكين أنت يا من تنتمي للطبقة الوسطى أو ما دونها، تأكل من فوقك ومن تحتك ومن أمامك ومن خلفك ... العجب أنك لم تنفجر، هذه نعمة ... يوم آخر بلا انفجار.
دخلنا إلى ضمان، المكان مزدحم وليس هناك مقاعد كافية، الجالسون والواقفون يبحلقون في كل شيء حولهم وينتظرون دورهم، أمامنا ما يزيد عن 170 شخصاً فليبدأ انتظارنا، شاشة التلفاز المسطحة عالية الوضوح تعرض مقاطع إعلانية صامتة عن ضمان، من يعيش في هذه البروباجندا يبدو أنه يعيش في عالم خيالي، الأرقام تتحرك ببطء وأنا أقرأ رواية مملة وحسن يتحدث لرجل بنغالي، أرفع رأسي عندما أسمع "رقم 89 شباك رقم 12" فألاحظ أحدهم يجري نحو مكتب الموظفة، أعود للكتاب الذي أنهيت قراءة فصل فيه فأغلقه لأن النوم يكاد يفتك بي، عدت للبحلقة في الشاشة المسطحة.
الإعلان يعرض صورة وردية، أناس سعداء جداً وابتساماتهم لا تفارقهم، رجل كبير ينهي معاملة بسرعة من خلال الهاتف ويتحدث مع موظفة في قمة الاحتراف والإتقان، كل شيء يمكن حله بالتقنية بسرعة، شاب يعرض خيارات الضمان الصحي ثم يصافح العميل وبالتأكيد الابتسامة لن تفارقه، التفت لأحد الجالسين الذي كان في هذه اللحظة يستخدم ورق محارم ثم رفع بيده فوق رأسه ثم خلف ظهره وبطريقة عجيبة رمى ورقة المحارم تحت كرسيه، التفت لليمين فعرف أنه لم يلاحظه أحد عدت لمشاهدة التلفاز في نفس اللحظة التي التفت فيها إلى اليسار والتقت عيني بعينه لجزء من الثانية وابتسمت ابتسامة ماكرة وأنا أتجاهل نظراته، في التلفاز طبيب يفحص طفلاً ثم يعطيه حلوى، الكل سعيد الكل بصحة وعافية الكل يبتسم والفضل لضمان، عدت لمشاهدة الناس، أحدهم يجلس تحت السلم المتحرك وفي تلك اللحظة رمى أحدهم من الطابق العلوي ورق محارم متسخ فوقع على رأس الرجل، تصويب عجيب! ضحكت ولم أهتم بنظرة الرجل الذي ظن للحظة أنني من رمى عليه الأوساخ، أشرت للأعلى فانشغل بمحاولة القبض على عديم الإحساس الذي بالتأكيد هرب من موقع الجريمة.
الجالسون واجمون صامتون ويشعرون بتضايق وملل، أردت أن أكسر حاجز الصمت مع أحدهم فبدأت بكلمتي المعتادة "خير إن شاء الله؟" أنظر للرجل الذي يتأفف ويبدو التضايق مطبوعاً على وجهه "شو السالفة؟" سألته عسى أن يفضفض لي وسأكون مستمعاً جيداً وسيكون حديثنا خيطاً يجرنا للحديث عن أشياء أخرى ممتعة وبعيدة عن العالم الخيالي الذي أشاهده في القناة المسطحة، رد علي "كل شي منيح، أحلى خدمة" ضحكت بصوت عالي فكل شيء يبدو لي مضحكاً هذه اللحظة، التناقض الواضح الوقح بين الواقع وما يعرض على التلفاز يجعلني أبتسم طوال الوقت، يبدو أن الرجل رأى أنني مواطن ولن أقبل انتقاد مؤسسة وطنية لذلك آثر السلامة ... يا خسارة! كان بإمكانه أن يفرغ بعض همه وأنا سأتفهم حاله وأحاول أن أخفف عنه، قلت له بنبرة نهائية وابتسامة عريضة وأنا أهز رأسي "لا الطيب! هذي مب السالفة."
الأرقام ترتفع ببطء "رقم 199 شباك 10" أخبر حسن أننا على بعد 33 شخصاً فقط، ثم مضت أرقام بسرعة لأن أصحابها كما يبدو ذهبوا ولم يرغبوا في الانتظار أكثر، جاء رقمنا وأنهينا المعاملة، رأيت رقماً جديداً لأحد المتعاملين، 455، أي أن ما بينه وبين وصوله لأي موظف أو موظفة 122 شخصاً وهذا يعني ساعة ونصف أو ساعتين من الانتظار، أعانه الله.
بعد عام سأعود لهذا المكان لإنجاز نفس المعاملة، لماذا لا يمتد الضمان 3 أو 5 سنوات؟ سأدفع أكثر فقط لكي لا أعود لزيارة هذا المكان، لكن سأعود حتماً وسأردد في ذلك الوقت: زروني كل سنة مرة ...
المصدر : مدونة عبدالله المهيري
¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
وأدعوكم للإستفادة بمقالات متقدمة في مجال التقنية والأمن الإلكتروني
رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني Eagle Eye Digital Solutions
رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني Eagle Eye Digital Solutions