زَيف الردع أخبار الشبيبة

    • زَيف الردع أخبار الشبيبة

      ستانلي كوبر

      قبل أن تُلزم أمريكا نفسها بمزيد من ضمان الأمن والسلام في العالم، هي بحاجة إلى أن تفهم الأسباب التي أدت بها إلى الإخفاق

      في بداية القرن الحادي والعشرين، كان العالم يحمل شبهاً غريباً – ومثيراً للقلق- بأوروبا في بدايات القرن الفائت. وتلك الفترة كانت أيضاً فترة عولمة. حيث كانت التكنولوجيات الجديدة في مجال النقل والاتصالات تغير وجه العالم. وعاش الأوروبيون في سلام لفترة طويلة حتى إن الحرب بدت بالنسبة لهم أمراً غير عقلاني بالمرة. وكانوا إلى حد ما على صواب. وجاءت الحرب العالمية الأولى نتاجاً لحالة من التفكير العقلاني، سار في المسار الخطأ بالطبع. وكان السلام في أوروبا مبنيا على ضمانات أمنية. حيث كانت ألمانيا منوط بها حماية النمسا والمجر، وروسيا كان منوط بها حماية سيبيريا.

      وكان مفترضاً أن تمنع احتمالات التصعيد (بين القوى الكبرى) نشوب أي حرب. وبالفعل هذا ما كان، حتى وقت محدد. فالروس -الذين مُنيوا بهزيمة ثقيلة على يد اليابان، رغم أنه من المفترض أنهم أقوياء ومنيعون على أعدائهم- قرروا أن عليهم أن يساندوا الدول السلافية. وهكذا تناسبت احتمالات التصعيد بين القوى الكبرى في أوروبا. لكن النظام الذي كان مفترضاً به أن يمنع نشوب الحرب، هو نفسه من وسعها. وكانت أوروبا تعيش في عصر العولمة، لا سيما منذ نهاية الحرب الباردة، لكن نظام العولمة أيضاً واجه الكثير من الصعوبات.

      والآن، تماماً كما كان الحال بداية القرن الفائت، لا ينجح الردع في تحقيق الهدف المرجو منه. فقد تحقق على سبيل المثال، الكثير من وراء (قيام) حلف الناتو، أو بمعنى أدق من وراء المادة الرابعة من القانون المنظم لـتأسيس الحلف- التي تنص على أن أي هجوم على دولة عضو في الحلف يعتبر هجوماً على الحلف ككل- وتحقق هذا الكثير عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر الإرهابية. لكن أمريكا هي أكثر الدول الأعضاء في الحلف قوة، وبشوط بعيد. وحقيقي أنه في العام 2001 كانت أمريكا قوة فوق العظمى، وصاحبة الهيمنة المطلقة. وكانت هناك دول أخرى تريد الانضمام للناتو لأنها رأت أن أمريكا حينها ستضمن لها أمنها. ومع هذا، كانت أمريكا ( وليس الدول الأخرى) هي من تعرض للهجمات الإرهابية. لكن هذا الفشل الكبير لنظام الردع لم يلق الانتباه الذي يستحقه. وهو عموماً ليس نظاماً فريداً من نوعه -حتى لا يخفق. فالفيتناميون الشماليون لم تردعهم الضمانات الأمنية الأمريكية التي حازها الفيتناميون الجنوبيون. وعلى نحو مشابه، لم يكن هناك ما يردع حزب الله في لبنان في الثمانينيات. أيضاً، تعرضت القوات الأمريكية في الصومال للهجوم أكثر من مرة. فما هو الخطأ؟

      أدى الردع الذي كانت توفره القوى العظمى خلال الحرب الباردة إلى الاعتقاد بأنه طالما يمكن ردع القوى العظمى ذاتها -ببعضها البعض- يجب على القوى الأصغر أن توحد صفها معاً في حال جابهت خصماً ساحق القوة. ورغم أن هذا أمر جدير ظاهرياً بالتصديق، فإنه يقوم على أسس ومبررات عقلانية جداً. فرغم كل الاختلافات الأيديولوجية بينهما، راعى كل من أمريكا والاتحاد السوفييتي خلال الحرب الباردة كل الخطوط الحمراء. وكان هناك وقتها الكثير من الأزمات -منها على سبيل المثال برلين وكوبا- لكن هذه الأزمات لم تمس المصالح الحساسة ولم تقترب من القضايا المثيرة لعواطف الشعب، وبذا كان التنازل والحلول الوسط ودقة الانسحاب والتراجع في الوقت المناسب أمراً ممكناً.

      وفي الواقع، ما فات الغرب ربما يكون هو أهمية دقة التراجع في الأيديولوجيا السوفييتية. فلقد كتب لينين في كتابه "الشيوعية اليسارية: اضطراب الرُضَع"، كتب أن "الانتصار يغدو مستحيلاً إن لم تتعلم الأحزاب الثورية كلا من الهجوم والتراجع بشكل مناسب في الوقت المناسب". وعندما تراجع السوفييت، تولى الأمريكان القياد. لكن ماذا لو أن التراجع كان جزءاً من الخطة؟

      بمعنى آخر، ماذا لو أن الاتحاد السوفييتي كان استثناء أكثر منه قاعدة؟ وهذا السؤال مهم جداً، لأنه، في عالم ما بعد الحرب الباردة، وسعت أمريكا من ضماناتها الأمنية كثيراً، حتى وإن أبدى أعداؤها عدم تأثرهم بهذا. فالمتمردون العراقيون لم يقمعهم تحدي بوش لهم. وعادت طالبان عودة غير عادية، بعدما كانت أوشكت على الفناء، ولم تبد أي احترام لقوة أمريكا. بل إن كوريا الشمالية تبدي المزيد والمزيد من العصيان.

      رغم هذا، لا تزال أمريكا تواصل التوكيد على أمنها من خلال المزيد من التحالفات. فقد أكدت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون بينما كانت تقدم إستراتيجية الأمن القومي الجديدة، أن "[الأمريكان] يؤمنون بأن هناك التزامات بعينها يجب أن تدخل في صلب السياسة الخارجية الامريكية".

      لكن هذا نفسه كان سبب ذهاب أمريكا إلى فيتنام. لقد كان كلا الحزبين الكبيرين في أمريكا ملتزمين تمام الالتزام بدعم فيتنام الجنوبية. ولم يفلح الأمر، ووجدت أمريكا التزاماتها غير مُتضمنة في صلب سياستها الخارجية. وتحول الأمريكان ضد الحرب في فيتنام، وكانت هيلاري من بين من تحول.

      لم تتمكن القوى العظمى من ضمان السلام في ربوع أوروبا قبل قرن فات، ولم تتمكن أمريكا من ضمان السلام في آسيا قبل نصف قرن أيضاً. وقبل أن تُلزم أمريكا نفسها بمزيد من ضمان الأمن والسلام في العالم، هي بحاجة إلى أن تفهم الأسباب التي أدت بها إلى الإخفاق. على الأقل، لكي لا تقود الوعود الجديدة أمريكا ومن وضع ثقته فيها إلى الهاوية.

      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية