هل تقضي العقوبات على البرنامج النووي الإ

    • هل تقضي العقوبات على البرنامج النووي الإ

      كتب - أحمــد المرشــد

      أقر مجلس الأمن الدولي الحزمة الرابعة من العقوبات على إيران في صورة القرار 1929، ليدفعها إلى تعليق برنامجها النووي مع إعلان الدول الكبرى أن القرار لن يغلق باب التفاوض والحوار مع طهران، وإنما يأتي فقط كرد على رفض إيران وقف عمليات تخصيب اليورانيوم، وعدم تعاونها مع وكالة الطاقة الذرية بالشكل الملائم لطمأنة المجتمع الدولي أن برنامجها يقتصر على الأغراض السلمية وليست العسكرية.

      ولم يكن أمام الرئيس الإيراني أحمدي نجاد سوى وصف القرار الدولي بنعوت كثيرة مثل "الذباب المزعج" و"مثل المنديل المستعمل الذي يجب إلقاؤه في سلة المهملات".. والأهم أن نجاد تحدى قرار العقوبات بقوله إن صبر الإيرانيين لن ينفد وسيتحملون حتى يجتازوا هذا الأمر.

      والسؤال.. هل تكفي هذه العقوبات لثني إيران عن استكمال برنامجها النووي، الذي تقول عنه إنه سلمي في وقت يراه الغرب عسكرياً ويخدم الأغراض التوسعية لإيران، للهيمنة على منطقة الخليج وتهديد مصالح الغرب في المنطقة.

      بقدر أهمية السؤال، تكتسب العقوبات أهمية لا بأس بها، لأنها ستؤثر على إيران وكيفية استيرادها المواد اللازمة لعمليات التخصيب بالداخل، خصوصاً وأن الاتفاق الثلاثي (إيران- البرازيل – تركيا) أصبح في مهب الريح في الوقت الراهن، وهو الاتفاق الذي يقضي بتبادل عملية التخصيب لتتم في دولة أجنبية.

      نعود إلى إجابة السؤال، وبداية نشير إلى رد إيران الرسمي على العقوبات الجديدة، إذ سارعت بالتهديد بحجب برنامجها النووي عن الرقابة الدولية. أي منع فرق التفتيش التابعة للوكالة الدولية للطاقة الذرية من التوجه للمنشآت النووية. هذا التهديد لم يكن على سبيل الكلام فقط، لأن البرلمان الإيراني اتخذ قراراً فعلياً بخفض مستوى العلاقات بين إيران وبين وكالة الطاقة الذرية.

      وحتى لو افترضنا جدلاً أن قرار العقوبات هو انتصار للولايات المتحدة ولإدارة باراك أوباما على إيران برئاسة أحمدي نجاد، فإن الأهم من ذلك هو موقف طهران من القرار بردها القاطع بعدم الرضوخ له. ويدخل في هذا التحدي موقف روسيا والصين بإحباط بند في القرار 1929 باتخاذ إجراءات أكثر صرامة لاستهداف قطاع النفط والغاز الإيراني وإدراج البنك المركزي الإيراني على قائمة الحظر والعقوبات. حيث رفضت كل من بكين وموسكو هذا البند رغم موافقتهما على بقية بنود قرار العقوبات.

      وبصرف النظر عن هذا الموقف الصيني والروسي الرسمي، فالعقوبات السابقة ( 3 قرارات منذ العام 2006) لم تمنع إيران من الاستمرار في برنامجها النووي، كذلك لم تفلح التهديدات الأمريكية - الإسرائيلية بشن عمل عسكري ضد إيران، لإجبارها على التخلي عن برنامجها النووي. والنتيجة الحتمية لهذا الصراع بين الديكة سيستمر بين إيران والغرب، حتى لو وافقت دول الاتحاد الأوروبي بصفة منفردة على فرض المزيد من العقوبات على إيران.

      ويبرر وزير التجارة الإيراني مهدي غضنفري عدم جدوى العقوبات على بلاده، بالتأكيد على أنها غير فاعلة مقارنة بسابقاتها، خاصة وأن أمريكا ضغطت في السابق وألزمت المصارف الدولية بالحد من تعاملاتها مع المصارف الإيرانية، ولذلك لن يكون للعقوبات الإضافية تأثيرات جديدة على الوضع المصرفي في بلاده.

      حتى ما تصفه إدارة أوباما بالخطط البديلة في التعامل مع إيران إذا فشلت العقوبات، فهي مجرد سيناريوهات على الورق وفي أدمغة واضعيها فقط لا غير. وليس من المضمون تحقيق مرادها إذا تم تنفيذها على أرض الواقع. وثمة بعض المستشارين داخل البيت الأبيض نفسه يشككون في جدوى هذه الخطط البديلة، ومنها على سبيل المثال ما تتحدث عنه بعض التقارير الإعلامية الأمريكية بأن المخابرات المركزية الأمريكية بصدد تدشين برنامج لاستنزاف العقول الإيرانية، يستهدف ضرب الكفاءات النووية الإيرانية وتفريغ البلاد من أدمغتها الفعلية، التي تدير أنشطة التخصيب داخل إيران عبر تقديم الإغراءات المالية وغيرها من الحوافز لترك البلاد والهرب منها على أن تستقبلها الدول الأوروبية وأمريكا. وتكشف مصادر أمريكية أن إدارة أوباما وافقت على برنامج سري يرجع إلى أيام الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش، يستهدف تدمير البنية الأساسية لتصنيع الأسلحة النووية في إيران.

      وربما يؤدي هذا البرنامج الأمريكي إلى إبطاء التقدم في المشروع الإيراني، ولكنه لن يؤدي إلى إلغائه تماماً.. والتجربة التاريخية تقول إن الولايات المتحدة فشلت مراراً في السابق في القضاء على البرامج النووية العسكرية، وأمامنا مثال الهند وباكستان. فبعد أن أقسمت واشنطن على عرقلة أنشطتهما النووية ومنعهما من الانضمام إلى النادي النووي الدولي، عادت أمريكا وتعاملت معهما بعد انضمامها لهذا النادي، بل تجاوبت مع كافة متطلباتهما العسكرية.

      الجدل حول مدى فعالية العقوبات الدولية ضد إيران لم يكن من نصيب الأمريكيين فقط. وهل في مقدورهم تفعيل هذه العقوبات لتكون ذات تأثير إيجابي ملموس على البرنامج الإيراني.. فالروس أيضاً نالهم نصيب من الجدل، خاصة ما يتعلق بتنفيذ صفقة الصواريخ (إس-300)، فبعضهم يؤكد أن قرار العقوبات لا ينطبق على هذه المنظومة الدفاعية، التي تدخل هذه الصواريخ المذكورة في إطارها. خاصة وأن موسكو تعهدت في شهر أبريل الفائت بتنفيذ الصفقة وأن التأخير في التسليم يعود إلى أسباب تقنية لا تتعلق بمسألة العقوبات. في حين تتشدد مجموعة روسية أخرى وعلى رأسها رئيس الوزراء فلاديمير بوتين وتؤكد أن نص العقوبات يسري بصورة واضحة على هذه المنظومة الصاروخية، ذات العيار الثقيل والمقاتلات. وقد تستجيب روسيا للضغوط الدولية وتنفذ هذا البند من العقوبات، رغم خسارتها على الجانب الآخر الشق المادي التعويضي لتراجعها عن تنفيذ التعاقد، ولا تدري حتى الآن من الجهة التي ستمول هذه التعويضات.

      واقع الحال يقول، إن قرارات العقوبات تفقد فعاليتها في وقف أي برنامج نووي تتبناه الدول الطامحة لدخول النادي النووي، فكوريا الشمالية تخضع لعقوبات مشددة، لكنها تسعى بدأب نحو استكمال برنامجها من أجل الانضمام للنادي الدولي النووي. حتى الحلول العسكرية ليست بالحلول الناجعة دوماً، لأن القضاء على البرنامج النووي الإيراني على أية حال سينجم عنه مخاطر سياسية وأمنية واقتصادية جمة للمنطقة ككل. وقد استعدت إيران جيداً لمواجهة هذا السيناريو العسكري، والرد عليه في أسرع وقت، خاصة وأنها تمتلك ترسانة هائلة من الصواريخ التقليدية، التي بإمكانها إشعال منطقة الخليج بالكامل خلال دقائق حسب تقديرات أجهزة المخابرات الأجنبية والأمريكية.

      من الواضح أن "لعبة القط والفأر" سوف تستمر بين إيران من جهة، وأمريكا وإسرائيل والغرب من جهة أخرى لأمد لا يعلمه سوى الله، بخاصة وأن إيران والإيرانيين لا يذعنون كثيراً لمسألة العقوبات ويعتبرونها مجرد وجبة سامة عليهم أن يتجرعوها في الوقت الحالي لحين مرور الموجة.

      يقول طالب إيراني استرشدت وكالة رويترز للأنباء برأيه في مسألة العقوبات: "فرضت علينا 3 عقوبات حتى الآن ولم يكن لها تأثير، لأننا بلد يقف على قدميه، فلا جولة رابعة أو عاشرة من العقوبات أخرى ستدمرنا، ونحن مصممون على أن نكون الدولة الثامنة فى النادي الدولي النووي. ولكن أنشطتنا ستكون سلمية".

      إجمالا.. فإن العقوبات لا يجب أن تكون الخيار الوحيد للتعامل مع الأزمة، فالتجارب السابقة للعقوبات علمتنا أنها تنتهي دائما بتصعيد التوتر والمواجهة، لأن هذا الأمر لا يخدم مسألة تسوية الأزمة سلمياً.. والمطلوب استمرار العمل الدبلوماسي للخروج بحل سلمي، ويطمئن للمجتمع الدولي من ناحية سلامة نية البرنامج النووي الإيراني وأنه مخصص للأغراض السلمية فقط، لأنه ليس من حق أحد المساس بحق الدول في تطوير برامجها النووية السلمية وفقا للمعاهدات الدولية.

      كاتب ومحلل سياسي بحريني

      E-Mail: amurshed2030@gmail.com

      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية