العراق.. شرطي مرور غير مطاع أخبار الشبيبة

    • العراق.. شرطي مرور غير مطاع أخبار الشبيبة

      * هنا يعترض فريق علّاوي على فكرة أن تحتكر الدولة، «وليس الحكومة»، القوة وأن يحصر السلاح بيدها، إذ يرون أن الوضع الحالي يكرس فكرة أن الحكومة هي التي تحتكر القرار الأمني والعسكري،

      لم يكن من بين التعقيدات الكثيرة لاختيار رئيس وزراء العراق الجديد، مسألة تدخل آية الله علي السيستاني، أكبر مرجع ديني شيعي في العراق، في الخلاف الذي اندلع في أعقاب الانتخابات، عبر خطوات توحي بانحيازه إلى صف الأطماع الإيرانية في العراق.

      هذا أمر بحد ذاته، يقلق العراقيين الآملين في قيام حكومة علمانية غير طائفية بعد الانتخابات، التي شهدتها البلاد في 7 مارس الفائت، وانتهت بفوز "القائمة العراقية" بزعامة إياد علاوي بفارق مقعدين. فتدخل السيستاني، الذي يصب في المصلحة الإيرانية، مهدداً فرص إياد علاوي في تشكيل الحكومة الجديدة، خاصة مع تشكيل (التحالف الوطني) المشكل من "ائتلاف دولة القانون"، بزعامة رئيس الوزراء المنتهية ولايته نوري المالكي و"الائتلاف الوطني العراقي"، بزعامة عمار الحكيم رئيس المجلس الأعلى الإسلامي.

      تدخل السيستاني يضع علاوي في مواجهة تحدٍ جديد. بخاصة أن السيستاني يحظى باحترام السنة والشيعة على حد سواء، باعتباره زعيماً موحداً للعراقيين يعلو فوق السياسة. إلا أنه بات ينظر إليه الآن باعتباره الرجل الذي نبذ علاوي، واضطلع بدور الوساطة في تشكيل التحالف الشيعي الجديد، الذي انتقدته بشدة "القائمة العراقية"، باعتبارها لا تخدم المصلحة الوطنية، وإنما تخدم فقط مصلحة طائفة بعينها، في إشارة إلى الشيعة، ثم إيران.

      كان السيستاني هو من مارس ضغوطاً من أجل قيام التحالف الشيعي الجديد الذي ضمن السيطرة على البرلمان المؤلف من 325 مقعداً، وقبل، علاوة على الانطباع بأنه لن يؤيد مرشحاً علمانياً لمنصب رئيس الوزراء، مما يعني استثناء علاوي، الذي يفضله السنة، ولا يحبذه السيستاني لأسباب كثيرة من بينها على حد قول المقربين من المرجع الشيعي، أن علاوي حذر خلال جولة عربية له من اندلاع حرب أهلية حال حرمان كتلته من السلطة، إضافة إلى أن علاوي استهدف بعض الدول العربية بعينها للفوز بتأييدها مما أسهم في غضب السيستاني منه.

      وبعد 3 أشهر من إعلان نتائج الانتخابات النهائية، لم يتغير أي شيء بالمخالفة لتوقعات دولة القانون التي كانت تؤكد أنه سيحدث تغييرا في نتائج الانتخابات بعد إعادة فرز الأصوات. ولكن تحالف المالكي تحايل على هذا بتضييع الوقت لإيجاد حل لمشكلاتهم سواء بتشكيل كتلة واحدة أو الاتفاق على مرشح لرئاسة الوزراء. وكل هذا يجري كي لا يتم ترشيح علاوي رئيس "القائمة العراقية" الفائزة لتشكيل الحكومة. وجاء اتفاق "دولة القانون" و"الائتلاف الوطني العراقي"، في ليلة وضحاها لتشكيل تحالفهم لقطع الطريق على "العراقية"، ناهيك عن التدخلات الإيرانية التي تقف أمام العراقية لتشكيل الحكومة، وهو الأمر الذي استدعى من علاوي أن يدعو الولايات المتحدة والأمم المتحدة إلى مد يد العون للمساعدة في تجميع التكتلات السياسية العراقية معا لبناء حكومة تخدم المصالح الوطنية، وأن تبقى الولايات المتحدة مشاركة بصدق ونشاط في العراق للمعاونة على حماية ديمقراطيته الهشة من التدخل الأجنبي والقوى الساعية لتقويضها، في إشارة طبعاً الى إيران.

      علاوي لم يقف مكتوف الأيدي، فهو يسعى –أو هكذا يعلن– إلى أن تساهم حكومة يترأسها في بناء عراق يملك مؤسسات ديمقراطية قوية وشفافة، ودولة تشكل ملاذاً للعلمانية وتتيح الفرص لجميع العراقيين، وليس لنخبة محدودة فحسب، وحيث ينتصر القانون والنظام على القوة التعسفية والفوضى. من هذا المنطلق، فهو يدعو جميع قادة الأحزاب العراقية للعمل معاً نحو هذه المصلحة المشتركة، لتحقيق رغبة الناخبين في رسالتهم ومفادها أنهم سئموا الانقسامات العرقية والطائفية ويرغبون في وقف العنف ونزيف الدماء.

      أنصار العراقية يستغربون تماماً مواقف الآخرين التي تتعلق بالسعي نحو استبعاد علاوي، لا سيما وأن الكتل المعترضة لم تقدم حتى الآن مبررات دستورية مقبولة تستدعي ترشيح بديل عنه. الاستغراب الآخر يتركز في التساؤل التالي: "هل الاعتراض هو على منصب أم على شخص الدكتور علاوي أم أن «العراقية» ككيان سياسي وقائمة انتخابية فائزة هي المرفوضة؟"

      هنا يعترض فريق علّاوي على فكرة أن تحتكر الدولة، «وليس الحكومة»، القوة وأن يحصر السلاح بيدها، إذ يرون أن الوضع الحالي يكرس فكرة أن الحكومة هي التي تحتكر القرار الأمني والعسكري، وهذا هو أحد الأسباب التي تغري المُمْسِكِين بالسلطة للخروج على الشرعية، وتجاهل مبدأ التداول السلمي للسلطة، وهذا ليس في مصلحة الدولة والشعب.

      واشنطن لم تضيع وقتاً، وأرسلت مساعد وزيرة الخارجية جيفري فيلتمان ليستطلع الأمر عن كثب، بل حمل في جعبته عدة سيناريوهات بشأن تشكيل الحكومة العراقية المقبلة، من بينها تقاسم السلطة زمنياً بين "القائمة العراقية" بزعامة علاوي و"ائتلاف دولة القانون" بزعامة المالكي. والسيناريو الآخر رغم أن كل هذا لم يكن بصيغة رسمية، هو أن يكون المالكي رئيسا للجمهورية وعلاوي رئيساً للوزراء وأن يرشح التحالف الكردستاني رئيسا للبرلمان.

      الجدل في العراق لم يتعلق فقط بمن يتولى رئاسة الحكومة، فثمة نقاش آخر سبق مسألة تشكيل الحكومة واختيار رئيسها، ويتعلق بالمناظرات الدائرة بين الفائزين في الانتخابات حول النص الدستوري المتعلق بأحقية الكتلة الفائزة بتشكيل الحكومة، إذ ينص الدستور العراقي وفق المادة 76 على أحقية الكتلة النيابية الأكثر عدداً في تشكيل الحكومة، ويصر إئتلاف العراقية (91 مقعداً) على أن النص يشير إلى القائمة الفائزة بالانتخابات، في وقت يعتبر ائتلاف دولة القانون (89 مقعداً). وبهذا فالنص يعني أن أي تكتل قد ينشأ نتيجة اندماج أو تحالف أي من القوائم الفائزة بعد الانتخابات. ووفقا لتعريف دولة القانون، فان تحالفهم مع الائتلاف الوطني العراقي، الذي حل في المركز الثالث بحصوله على 70 مقعداً، يمنحهم (159مقعدا) وفرصة تشكيل الحكومة. وحتى لو تحالف علاوي مع التحالف الكردستاني الذي حل رابعاً فى الانتخابات بـ43 مقعداً سيمنحهم (134 مقعدا)، بما يضيع فرصته بناء مستقبل العراق عبر توليه منصب رئيس الوزراء خلال المرحلة المقبلة.

      نأتي للجدل الثالث، ويتعلق بالمطالب الكردية الواضحة في التحالف الكردستاني، بضرورة أن يتمتع الرئيس (الكردي بصرف النظر عن كينونته واسمه) بصلاحيات أوسع، وعلى الأقل صلاحيات نقض القرارات، وهو الأمر الذي لا يسمح به الدستور حالياً.

      "لقد غرست بذور الديمقراطية، وباتت بحاجة لمن يرعاها.. فقط من خلال العمل معاً وبدعم دولي يمكن للعراقيين إرساء أسس ما نؤمن جميعا بأنه سيصبح دولة ديمقراطية مستقرة ذات رخاء.. ورسالتي أن تضع الائتلافات في مفاوضاتها مصلحة الوطن أولاً، وتحتكم في قراراتها إلى الشرعية الدستورية والاستحقاق الانتخابي لأن اختيار غير هذا السبيل سيعقّد الوضع المعقد أصلاً.. هكذا قال علاوي مناشداً جميع القوى السياسية في العراق من أجل التوصل لحل عقدة اختيار رئيس الوزراء الذي سيكلف بتشكيل الحكومة.

      إجمالاً.. العراق أمامه فرصة غير مسبوقة لتوفير قوة ديمقراطية ناجحة تمثل الاعتدال في قلب الشرق الأوسط، فما يجري الآن من حرب وخلافات بين المالكي وتحالفه الشيعي من جهة وبين علاوي من جهة أخرى، لا يعتبر المكافأة التي انتظرها العراقيون الذين تدفقوا على صناديق الاقتراع لإيمانهم بأن التغيير يتحقق عبر التصويت، وليس العنف. فالمرحلة الحساسة التي يمر بها العراق تتطلب إبداء المرونة وتغليب المصلحة العليا لبلادهم التي عانت الأمرين ولا تزال تعاني.

      كاتب ومحلل سياسي بحريني

      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية