تسرب نفطي أميركي أخبار الشبيبة

    • تسرب نفطي أميركي أخبار الشبيبة

      أنتوني داجوستينو ؛ بنجامين ك. سوفاكول
      سنغافورة ـ عندما تقع الحوادث فإن الأمر يشتمل دوماً على قدر يكفي الجميع من الاتهامات المتبادلة ومحاولات إلقاء اللوم على الآخرين، وفي حالة تسرب النفط من منصة ديب واتر هورايزن البحرية في خليج المكسيك، فإن أحداً لم يسلم من اللوم ـ باستثناء أحد الجناة الرئيسيين، الرأي العام الأمريكي.
      ففي غضون ساعات قليلة من وقوع الحادث سارع النقاد إلى تدريب أنفسهم على توجيه اللوم إلى المشتبه بهم المعتادين: هيئة إدارة المعادن، لأنها أعلنت في وقت سابق عن اجتياز شركة بريتيش بتروليم لعمليات التفتيش الدورية وانزلقت إلى علاقة مع صناعة النفط في الولايات المتحدة وصفها الرئيس باراك أوباما بالعلاقة "الدافئة"؛ وأوباما ذاته لأنه تقاعس عن فرض الإصلاحات على مستوى الإدارة الداخلية التي وعد بها أثناء حملته الانتخابية؛ وشركة الخدمات النفطية ترانس أوشن بسبب استخدامها لمانع الانفجار الخطأ؛ وبالطبع شركة بريتيش بتروليم بسبب ثقافتها الأمنية "المتراخية" بل وحتى "الطائشة".وبعد أسابيع من الغضب العاصف استقرت المسؤولية الرئيسية في النهاية على عاتق شركة بريتيش بتروليم. وفي جلسات الاستماع أمام اللجنة الفرعية التابعة لمجلس الشيوخ الأمريكي كانت مراوغات ومناورات الرئيس التنفيذي لشركة بريتيش بتروليم توني هيوارد وفشله في الإجابة عن أسئلة مباشرة سبباً في إثارة غضب أعضاء الكونجرس والرأي العام الأمريكي على السواء، ولعل تعبير "الأسف العميق" الذي استخدمه وفر بعض الارتياح إلى أن الجاني الرئيسي تم تحديده، ولكن ذلك لم يكن كافياً لسد مصدر التسرب.
      فضلاً عن ذلك فإن الموقف في خليج المكسيك يزداد سوءاً، فالنفط لا يتسرب بمعدل ألف برميل يومياً، طبقاً لتقديرات بريتيش بتروليم الأصلية، ولا بمعدل 19 ألف برميل يومياً طبقاً لحسابات المجموعة الفنية لمعدل التدفق، فكما كشفت وثيقة داخلية صدرت حديثاً في بريتيش بتروليم فإن التدفق الفعلي قد يصل إلى مائة ألف برميل يومياً.وفي حين أن لا أحد ينكر أن الحادث سوف يسفر عن قائمة طويلة من الضحايا ـ سكان الولايات الواقعة على الخليج هم الأكثر تضرراـ فإن الرأي العام الأمريكي أيضاً يستحق اللوم، ذلك أن الإدمان التاريخي على البنزين الرخيص، ومعارضة أي إصلاح لقطاع الطاقة باعتباره "مناهضاً لأمريكا"، من الأسباب التي أدت إلى خلق حالة من الهوس بالحفر، وبناء السدود، على أمل الخروج من المشاكل التي تعاني منها البلاد، وهذا التأكيد على جانب العرض (زيادة فرص الحصول على وقود الطاقة) كان سبباً في طمس تحركات أرخص وربما كانت أكثر نفعاً على جانب الطلب (الحد من استهلاك الطاقة من خلال تغيير سلوك الناس).
      على سبيل المثال، في حين كان بوسع الأمريكيين أن يساندوا معايير أكثر صرامة في التعامل مع مسألة الاقتصاد في استهلاك الوقود أو أن يزيدوا من الضرائب الفيدرالية المفروضة على استهلاك الطاقة، فإنهم لم يفعلوا ذلك، وفي ظل وهم مفاده أن أساليب الحياة التي تدور حول النفط الرخيص والسيارات الضخمة هي حق أبدي لأمريكا، أصبحت معايير الاقتصاد في استهلاك الوقود ضعيفة طوال عقود من الزمان، وبات الساسة يتجنبون مناقشة هذا الموضوع وكأنه الطاعون.وفي الوقت نفسه كان الأمريكيون يتمتعون بأرخص سعر للبنزين في العالم المتقدم، وفشلت أمريكا في توقع نهوض الصين والهند، الدولتين اللتين كان من المؤكد أن يؤدي طلبهما المتنامي على الطاقة إلى تأثيرات واضحة على أسعار الطاقة العالمية.
      ولكن بدلاً من ذلك بُذِلَت المحاولات لسد الفجوة جزئياً بين العرض والطلب من خلال الاستعانة بتقنيات هندسية متطورة، مثل التصوير الثلاثي الأبعاد لباطن الأرض والحفر بالأنابيب الدوارة، ولكن هذه التقنيات تتحول إلى سبب للمشاكل إن لم تكن مصحوبة بالخطط اللائقة للاستجابة السريعة في حالات الطوارئ أو الإشراف التنظيمي المطلوب لضمان منع وقوع الحوادث وتخفيف آثارها في حالة وقوعها، ومن السهل أن ندرك هذا اليوم، ولقد أسفر ذلك عن الخطوة التلقائية التي اتخذها أوباما بفرض حظر على منح التصاريح للحفر في المياه العميقة ووقف المشاريع القائمة في خليج المكسيك.ورغم الأهمية الواضحة للإصلاح التنظيمي لإجراءات وسياسات الحفر في قاع البحر، فلن يكون كافياً أن نعمل على الحد من مخاطر تسرب النفط والحوادث إن لم يكن ذلك مصحوباً بإجراءات أخرى على جانب الطلب، وعلى سبيل المثال، الآن حان الوقت للبدء في الحد من طلب الولايات المتحدة على النفط من خلال تحسين معايير الاقتصاد في استهلاك الوقود أو الزيادة التدريجية في الضرائب المفروضة على استهلاك الوقود، وقد يكون كلا الأمرين ضروريا، وذلك لأنه رغم ما سجله الاقتصاد في استهلاك الوقود من مكاسب طفيفة في الأعوام الأخيرة، فإن المسافات الأطول التي بات الناس يقطعونها تعمل على إهدار أي تحسن.
      ومن الممكن أن تبدأ الحكومة أيضاً بالدفع بقوة نحو التحول إلى السيارات الكهربائية، فمن حيث تكاليف دورة الحياة الإجمالية فإن كفاءة هذه المركبات في استهلاك الطاقة تصل إلى ثلاثة إلى ستة أضعاف كفاءة المركبات التي تعمل بأنواع الوقود البترولي، ويستطيع الناس أن يدخلوا تعديلات أبسط على أساليب حياتهم، مثل ضبط الهواء في الإطارات على النحو الصحيح، والقيادة بسرعات أبطأ على الطرق السريعة ـ تبلغ أي سيارة أقصى كفاءة لها في استخدام الوقود عند سرعة تسعين كيلومتراً في الساعة ـ والتخلي عن السيارات الضخمة الرباعية الدفع.
      لقد استمعنا إلى شعار "الفرصة تولد في الأزمة" مراراً وتكراراً طوال أزمة ديب واتر هورايزن، ولكن استغلال هذه الفرصة يتطلب تجاوز مرحلة توزيع اللوم، والتعلم من الأخطاء، وتحديد أفضل السبل لوضع سياسة طاقة وطنية معقولة وطويلة الأمد.
      إذا كان الأمريكيون راغبين في مستقبل من دون حوادث أخرى على غرار حادث ديب واتر هورايزن ومن دون حياة برية ملوثة بالقطران فلابد وأن يعملوا على الحد من الطلب على النفط، فضلاً عن ضمان تنفيذ عمليات إنتاج النفط بأكبر قدر ممكن من السلامة والإحساس بالمسؤولية.
      أنتوني داجوستينو وبنجامين ك. سوفاكول باحثان لدى مركز آسيا والعولمة التابع لكلية لي كوان يو للسياسات العامة في سنغافورة.
      حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2010.
      project-syndicate.org
      ترجمة: أمين علي Translated by: Amin Ali

      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية