رامي خوري *
يجب أن يشمل التحليل الأدق والأكمل لسبب وجود واستمرار الإرهاب في الشرق الأوسط على مدى عقود اعترافا بأن هذه المشكلة كانت وما تزال توازيها ظاهرة أخرى مزمنة منذ ثمانينات القرن الماضي: التحرك المنتظم للجيوش الأجنبية إلى داخل البلاد العربية والجنوب آسيوية.
تفترض كثير من الجهود الرامية لفهم السبب الكامن وراء أن مجتمعات الشرق الأوسط وجنوب آسيا مبتلاة ومشوهة بالإرهاب وجود أسباب محلية - الفقر والفساد وسوء استخدام السلطة من قبل النخب الحاكمة، وتأثير المتشددين الدينيين ذوي الشخصيات الكاريزمية، والشعور بالضعف أمام الثقافات الغربية والقوة العسكرية. هذه كلها ظواهر تتصل فعلاً بالموضوع، ولكن أياً منها على انفراد ليس بوسعها أن تعييننا على المشكلة.
إن الصورة الكاملة للمشكلة تتطلب أن نمعن النظر وراء الضغوطات المحلية في المنطقة العربية الآسيوية، لكي نحصل على فهم أكمل وأدق، لسبب وجود واستمرار الإرهاب كسمة مميزة مزمنة في المنطقة.
كما إن ذلك يتطلب مزيداً من الأمانة والشجاعة السياسية أكثر من المسموح لنا به في النقاشات العامة السائدة في العالم الغربي -وبصفة أخص الولايات المتحدة وبريطانيا- حيث تركز التحليلات السائدة للإرهاب المرتكز في المنطقة العربية الآسيوية بالأساس على المشكلات المحلية ويتجاهل تبعات السياسات الأنجلو أمريكية والأجنبية الأخرى.
يجب أن يشمل التحليل الأدق والأكمل لسبب وجود واستمرار الإرهاب في الشرق الأوسط على مدى عقود اعترافا بأن هذه المشكلة كانت وما تزال توازيها ظاهرة أخرى مزمنة منذ ثمانينات القرن الماضي: التحرك المنتظم للجيوش الأجنبية إلى داخل البلاد العربية والجنوب آسيوية، سواء كان كاحتلال على المدى الطويل أو غزاة تدفعهم عقلية تغيير الأنظمة أو عمليات قتل جوي عن بعد باستخدام الطائرات بدون طيارين أو صواريخ.
ما تزال دائرة العوامل المحلية والعالمية التي تدفع الإرهاب تطل برأسها. ويجب على الساسة والمحللين في كلا العالمين الشرق أوسطي الآسيوي والغربي استدعاء القدرة على التعامل مع الواقع بدلا من إلقاء اللوم على الآخر في الإرهاب الذي يهدد الجميع.
عادت هذه الدائرة من الأسباب إلى إدراكي الكامل مرة أخرى الأسبوع الماضي عندما كنت أقرأ نصين مختلفين تمام الاختلاف. كان أحدهما هو تقرير استماع المحكمة لفيصل شاهزاد، الذي اعترف بأنه مذنب في عشر تهم موجهة إليه بالإرهاب في محاولته الأخيرة لتفجير سيارة مفخخة في ميدان التايم. وكان النص الثاني هو ورقة قصيرة أصدرتها مؤسسة كارنيجي الوقفية للسلام الدولي حول "استغلال المظالم: القاعدة في شبه الجزيرة العربية".
والرابط الدقيق بين هذين النصين هو أن الإرهابيين يدفعهم مزيج قاتل من المظالم المحلية في المنطقة العربية الآسيوية والعوامل العالمية التي تتركز بحدة حول ممارسات القوات الأجنبية، والأمريكية بالأساس، في هذه المنطقة.
وصف شهزاد نفسه على نحو غير اعتذاري بأنه "جزء من الرد على إرهاب الولايات المتحدة للدول الإسلامية وللمسلمين." وأضاف قائلاً "أريد أن أعترف أنني مذنب، وسأعترف أنني مذنب مائة مرة، لأنه حتى تحين الساعة التي تسحب فيها الولايات المتحدة قواتها من العراق وأفغانستان، وتوقف هجماتها بالطائرات بدون طيارين في الصومال واليمن وباكستان، وتوقف احتلالها للأرض الإسلامية، وتتوقف عن قتل المسلمين، سنظل نهاجم الولايات المتحدة، وأعترف أنني مذنب في ذلك".
وسواء كانت هذه الأفكار تعكس تفكيراً منطقياً أو غير منطقي فهذه مسالة ثانوية، نظراً للأهمية القصوى لرد فعل شاهزاد العنيف على تصوره للممارسات العسكرية والسياسية الأمريكية الوحشية ضد المسلمين.
ويطفو نفس رد الفعل على السطح مراراً في حالات أخرى لشباب مسلمين يصبحون غاضبين، ثم متشددين، ثم مجرمين عن طريق رد فعلهم على السياسات الخارجية الأمريكية في الدول ذات الأغلبيات المسلمة (تماماً كما كان رد فعل جيل سابق على الاحتلال السوفييتي لأفغانستان - ما يشير إلى أن الباعث الحقيقي على الإرهاب ليس هو معاداة أمريكا ولكنه معاداة الممارسات العسكرية الأجنبية ضد المسلمين).
جاءت ورقة مؤسسة كارنيجي، لكاتبها أليستير هاريس، في وقتها المناسب لتسهم في تحليل كيف ترتبط العوامل المحلية بالحركات العابرة للحدود مثل تنظيم القاعدة والديناميكيات العالمية مثل الجيوش الأجنبية الغازية.
وتثير الورقة النقاط المهمة بأن تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية "ظل ماهراً وخبيراً بشكل ملموس في استغلال مظالم وشكاوي المواطنين اليمنيين التقليديين..
"يوظف تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية رسائل مستهدفة تتسق مع العقائد الجوهرية لأيديولوجية القاعدة، ولكنها ممزوجة بموضوعات يتردد صداها محلياً داخل اليمن. حسب تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية، فإن المسلمين يعانون على أيدي القوى الأجنبية، التي تغرس أنظمة محلية غير شرعية وفاسدة فشلت في رعاية مواطنيها".
ويبدو هذا المزج بين التهديدات العالمية المتصورة والمظالم المحلية التي يتم يواجهها الناس بشكل يومي أنه نقطة ارتكاز ذهنية وسياسية حساسة في صنع الإرهابيين، سواء كانوا محللين ماليين ناجحين في نيويورك أو فلاحين قبليين في اليمن.
هناك عنصران يتكرران بصفة دائمة، ولا يمكن تجاهلهما لو كنا جادين في محاولة فهم أسباب الإرهاب من أجل تقليله أو التخلص منه: إذلال المواطنين التقليديين في بلادهم في المنطقة العربية الآسيوية لأسباب محلية خالصة، وإذلال مجتمعات بأكملها عن طريق الجيوش الأجنبية الغازية.
تذكّرنا القبائل في اليمن والإرهابيون المحتملون في ميدان التايم كلاهما بهذه الحقيقة المؤلمة التي نتجاهلها معرضين أنفسنا للخطر.
خدمة نيويورك تايمز
* مدير معهد عصام فارس للسياسة العامة والشؤون الدولية في الجامعة الأمريكية ببيروت
يجب أن يشمل التحليل الأدق والأكمل لسبب وجود واستمرار الإرهاب في الشرق الأوسط على مدى عقود اعترافا بأن هذه المشكلة كانت وما تزال توازيها ظاهرة أخرى مزمنة منذ ثمانينات القرن الماضي: التحرك المنتظم للجيوش الأجنبية إلى داخل البلاد العربية والجنوب آسيوية.
تفترض كثير من الجهود الرامية لفهم السبب الكامن وراء أن مجتمعات الشرق الأوسط وجنوب آسيا مبتلاة ومشوهة بالإرهاب وجود أسباب محلية - الفقر والفساد وسوء استخدام السلطة من قبل النخب الحاكمة، وتأثير المتشددين الدينيين ذوي الشخصيات الكاريزمية، والشعور بالضعف أمام الثقافات الغربية والقوة العسكرية. هذه كلها ظواهر تتصل فعلاً بالموضوع، ولكن أياً منها على انفراد ليس بوسعها أن تعييننا على المشكلة.
إن الصورة الكاملة للمشكلة تتطلب أن نمعن النظر وراء الضغوطات المحلية في المنطقة العربية الآسيوية، لكي نحصل على فهم أكمل وأدق، لسبب وجود واستمرار الإرهاب كسمة مميزة مزمنة في المنطقة.
كما إن ذلك يتطلب مزيداً من الأمانة والشجاعة السياسية أكثر من المسموح لنا به في النقاشات العامة السائدة في العالم الغربي -وبصفة أخص الولايات المتحدة وبريطانيا- حيث تركز التحليلات السائدة للإرهاب المرتكز في المنطقة العربية الآسيوية بالأساس على المشكلات المحلية ويتجاهل تبعات السياسات الأنجلو أمريكية والأجنبية الأخرى.
يجب أن يشمل التحليل الأدق والأكمل لسبب وجود واستمرار الإرهاب في الشرق الأوسط على مدى عقود اعترافا بأن هذه المشكلة كانت وما تزال توازيها ظاهرة أخرى مزمنة منذ ثمانينات القرن الماضي: التحرك المنتظم للجيوش الأجنبية إلى داخل البلاد العربية والجنوب آسيوية، سواء كان كاحتلال على المدى الطويل أو غزاة تدفعهم عقلية تغيير الأنظمة أو عمليات قتل جوي عن بعد باستخدام الطائرات بدون طيارين أو صواريخ.
ما تزال دائرة العوامل المحلية والعالمية التي تدفع الإرهاب تطل برأسها. ويجب على الساسة والمحللين في كلا العالمين الشرق أوسطي الآسيوي والغربي استدعاء القدرة على التعامل مع الواقع بدلا من إلقاء اللوم على الآخر في الإرهاب الذي يهدد الجميع.
عادت هذه الدائرة من الأسباب إلى إدراكي الكامل مرة أخرى الأسبوع الماضي عندما كنت أقرأ نصين مختلفين تمام الاختلاف. كان أحدهما هو تقرير استماع المحكمة لفيصل شاهزاد، الذي اعترف بأنه مذنب في عشر تهم موجهة إليه بالإرهاب في محاولته الأخيرة لتفجير سيارة مفخخة في ميدان التايم. وكان النص الثاني هو ورقة قصيرة أصدرتها مؤسسة كارنيجي الوقفية للسلام الدولي حول "استغلال المظالم: القاعدة في شبه الجزيرة العربية".
والرابط الدقيق بين هذين النصين هو أن الإرهابيين يدفعهم مزيج قاتل من المظالم المحلية في المنطقة العربية الآسيوية والعوامل العالمية التي تتركز بحدة حول ممارسات القوات الأجنبية، والأمريكية بالأساس، في هذه المنطقة.
وصف شهزاد نفسه على نحو غير اعتذاري بأنه "جزء من الرد على إرهاب الولايات المتحدة للدول الإسلامية وللمسلمين." وأضاف قائلاً "أريد أن أعترف أنني مذنب، وسأعترف أنني مذنب مائة مرة، لأنه حتى تحين الساعة التي تسحب فيها الولايات المتحدة قواتها من العراق وأفغانستان، وتوقف هجماتها بالطائرات بدون طيارين في الصومال واليمن وباكستان، وتوقف احتلالها للأرض الإسلامية، وتتوقف عن قتل المسلمين، سنظل نهاجم الولايات المتحدة، وأعترف أنني مذنب في ذلك".
وسواء كانت هذه الأفكار تعكس تفكيراً منطقياً أو غير منطقي فهذه مسالة ثانوية، نظراً للأهمية القصوى لرد فعل شاهزاد العنيف على تصوره للممارسات العسكرية والسياسية الأمريكية الوحشية ضد المسلمين.
ويطفو نفس رد الفعل على السطح مراراً في حالات أخرى لشباب مسلمين يصبحون غاضبين، ثم متشددين، ثم مجرمين عن طريق رد فعلهم على السياسات الخارجية الأمريكية في الدول ذات الأغلبيات المسلمة (تماماً كما كان رد فعل جيل سابق على الاحتلال السوفييتي لأفغانستان - ما يشير إلى أن الباعث الحقيقي على الإرهاب ليس هو معاداة أمريكا ولكنه معاداة الممارسات العسكرية الأجنبية ضد المسلمين).
جاءت ورقة مؤسسة كارنيجي، لكاتبها أليستير هاريس، في وقتها المناسب لتسهم في تحليل كيف ترتبط العوامل المحلية بالحركات العابرة للحدود مثل تنظيم القاعدة والديناميكيات العالمية مثل الجيوش الأجنبية الغازية.
وتثير الورقة النقاط المهمة بأن تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية "ظل ماهراً وخبيراً بشكل ملموس في استغلال مظالم وشكاوي المواطنين اليمنيين التقليديين..
"يوظف تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية رسائل مستهدفة تتسق مع العقائد الجوهرية لأيديولوجية القاعدة، ولكنها ممزوجة بموضوعات يتردد صداها محلياً داخل اليمن. حسب تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية، فإن المسلمين يعانون على أيدي القوى الأجنبية، التي تغرس أنظمة محلية غير شرعية وفاسدة فشلت في رعاية مواطنيها".
ويبدو هذا المزج بين التهديدات العالمية المتصورة والمظالم المحلية التي يتم يواجهها الناس بشكل يومي أنه نقطة ارتكاز ذهنية وسياسية حساسة في صنع الإرهابيين، سواء كانوا محللين ماليين ناجحين في نيويورك أو فلاحين قبليين في اليمن.
هناك عنصران يتكرران بصفة دائمة، ولا يمكن تجاهلهما لو كنا جادين في محاولة فهم أسباب الإرهاب من أجل تقليله أو التخلص منه: إذلال المواطنين التقليديين في بلادهم في المنطقة العربية الآسيوية لأسباب محلية خالصة، وإذلال مجتمعات بأكملها عن طريق الجيوش الأجنبية الغازية.
تذكّرنا القبائل في اليمن والإرهابيون المحتملون في ميدان التايم كلاهما بهذه الحقيقة المؤلمة التي نتجاهلها معرضين أنفسنا للخطر.
خدمة نيويورك تايمز
* مدير معهد عصام فارس للسياسة العامة والشؤون الدولية في الجامعة الأمريكية ببيروت
¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية