التجريب.. معناه الثقافي وتوصلاته الجمالي7

    • التجريب.. معناه الثقافي وتوصلاته الجمالي

      نزار الراوي باحث وناقد

      يحاول "صالح الشكيري" من خلال تجربته ضبط مجساتها التجريبة على بوصلة مابعد الحداثة حيث يتخلى التشكيل عن طبيعته السردية المباشرة.

      لم تتمكن منظومة مفاهيم وآليات وممارسات النقد والأدب العربي من التخلص من التبعات النظرية للبنيوية والبنيوية التركيبية - تحديداً- ربما بسبب تضخم مهمة الأدب العربي؛ الذي قدر له أن يحل محل معظم الأجناس الثقافية العربية في مهمة التعبيرعن الذات العربية، التي تعاني أصلاً من اجتزاءات وجدانية وأزمات وجودية حقيقة، ذلك التضخم في طبيعة الوظيفة الاعتبارية تسبب في إيجاد إمكانية زائفة للأدب العربي المعاصر للتعايش غير المحمود مع العزل الثقافي الذي يحياه المبدع العربي، وربما ذات السبب يبرر من جهةٍ اخرى تغاضي الخطاب النقدي لدينا عن المحلية الداكنة التي غلفت النتاج الإبداعي العربي؛ ذلك الانزواء والعزلة وربما الانكفاء وُجد ليسبب إما انحراف بعض الأجناس الثقافية الى مناطق التزويق والزُخرف المجاني كما في الغناء، والموسيقى، والرقص، والعمارة؛ أو ما نشهده من استغناء الاجناس الثقافية الأخرى أعني- الشعر والسينما والتشكيل العربي- عن المهام القومية العريضة غير الممكنة وانبثاقها في خضم تحديات جمالية وتقنية أشد دقة وأكثر ذاتية وبالتالي أكثراً قرباً من الانفتاح والتزود بالمعارف المجدية من حيث التأثير في الجوهر الإبداعي؛ مما أدى لتضمينها قدرة عضوية أصيلة على ملاحقة موجات الانتباه العالمي للجمال وفق تقلب مقولاته الشكلية والبنائية.

      فالشعر والتشكيل والسينما - وأحياناً - المسرح هي الأجناس الثقافية العربية التي وصلت وبامتياز لضفاف مابعد الحداثة لتواكب مد ما يدعى اليوم بـ"الانتليجينسيا العالمية" متمنطقة بثلاث خصائص نوعية مكتسبة هي: القدرة على التجريب المستمر، والقابلية على تلقي هجوم النقد الكلاسيكي المشكك حيناً والرافض احياناً، والكثير من الانفتاح التقني الشجاع والمندفع برغبة المواكبة وكسر الجمود.

      ولنصل سريعاً لمفهوم "مابعد الحداثة" الذي يُلقي بمقولات مُتشابكة لا يكترث التشكيل عادةً الا بخلاصاتها التي تبحث في الفصل والتحديد بين الأجناس الابداعية، وهي بالأساس تتنتمي لذلك القسم المفاهيمي (Conceptual section) من مقولات ما بعد الحداثة الذي يتصل بقلق مع الحداثة ويناور ليتخلى وينقلب حيناً وليجاري ويطور أحياناً؛ مستفيداً من الفتوحات الثقافية التي اسست لها الحداثة.

      أقول إن الحروفيات (Calligraphysim) في التشكيل العربي هي بالأساس ناتج فهم تشكيلي للحداثة، وقد كانت من أجمل استجابات الثقافة العربية لمبدأ اسقاط الحواجز القيَّمية والأدائية وبالتالي الفكرية بين الأجناس الإبداعية، وهنا تأتي مابعد الحداثة لترمي الى إيجاد المناطق الوسطية بين المعارف الكونية الخلاقة؛ مما يعني الاستمرار والتقدم باتجاه هدم الحواجز لا بين الأجناس الثقافية فحسب، بل حتى بين العلوم والفنون والأساطير والسلوكات اليومية، ولا من حيث تبادل المفاهيم وتسريب القيم من احدها للآخر فقط، بل حتى من حيث تبادل التقنيات وتداخل طرائق التنفيذ والإنتاج؛ وهنا يمكننا النظر الى التصميم كأحد أهم نواتج الأخذ بمنطلقات ما بعد الحداثة كصنف معرفي يزاوج ويداخل بين الفن والعلم وأفكار المسوُقين ولايقيم فرقاً نظريا ولا تطبيقياً بين المنطق الجمالي والإنتاج الكمي الصناعي للتوصلات التصميمية.

      عندما تصفحت على مهل وروية حركة التشكيل العُماني استوقفني عدد من الثوابت التي تكونت من خلالها الهوية الفكرية وربما التوجه المعرفي للتشكيل العُماني -إن صح التعبير- وكان التجريب من أكثر تلك الثوابت تكراراً وأشدها وضوحاً في متن الحياة التشكيلية العُمانية وحمى الكشف عن التقنيات والأساليب وهذا ما أسهم - ربما- في جعلها حركة تشكيلية تتصف بالحماس والحدة والابتعاد عن الوسطية المتعارف عليها في معظم الحركات التشكيلية العربية، حيث لا توريث هنا في الأساليب ولا تناقل لأسرار الصنعة التشكيلية، ولا تقاليد تبني بين الأجيال؛ مما يجعل الدخول لمنطقة التشكيل محفوفاً بالصعوبات والتحديات التي تحتم تمسك الفنان بالبحث العلمي - التقني من جهة لحلحلة أزمة إخراج العمل التشكيلي على مستوى الصنعة ولتوفير أقصى متطلبات الابتكار الذي بات هاجساً للفنان في جميع أنحاء العالم، وبالبحث الجمالي - الفني من جهة اخرى ذلك البحث الذي يؤسس لنهضة جمالية استثنائية تنطلق من داخل استوديوهات الفنانات والفنانين العُمانيين لتصل بهدوء وثبات الى معظم البينالات العربية والعالمية.

      وفي قراءة تحليلية أكثر دقة لأحد التجارب التشكيلية التي استوقفتني وهي تجربة الفنان (صالح الشكيري) أجد أن مقياس التحولات الأسلوبية التأريخية للفن لا يصح دون التمحيص في التجارب التي لها خصوصية الانفلات مما سبق واختبار المناطق البكر المواتي منها وغير المواتي؛ وعلى ذات النسق التحليلي العام نجد أن تجربة (الشكيري) تحاول ضبط مجساتها التجريبة على بوصلة مابعد الحداثة حيث التشكيل عندما يتخلى عن طبيعته السردية المباشرة، وهنا نتذكر بجلاء الحقيقة الفنية التي تقول إن الفن على عكس العلوم يدرك ويحس ولا يفهم ويعلل، وهذا ما يدعونا للتخلي عن ممارسة الفرجة والمشاهدة للوحة لنجاري اداءات من شأنها أن تحيل التلقي الى فعل لقراءة معالم العمل التشكيلي كنص يمكن تلقيه وهو يحكي قصة الإنسان والهوية والإنسان والمعتقد والإنسان والوجدان وهذا هو الأهم والأجدر عادة بالقراءة.

      في حروفيات (الشكيري) مناورة معتادة لعكس الحقيقة التاريخية لوظيفة الحرف العربي وهو ما أشبههُ بإعادة أمر التكوين الحرفي الى نصابهِ، حيث أُنيطت به وظيفة رمزية أدت عبر الزمن لإزاحته الى مناطق الفهم والتلقي اللغوي مع أنه ينتمي بجدية الى ما أدعوه بالجماليات البصرية العربية، فالحروفيةُ منهجٌ لتخليص الحرف من دلالاته الصوتية وإعادة استثماره ضمن حزمة التشكيلات البصرية الخالصة.

      وبقدر ما تنحاز أعمال "الشكيري" بالحرف العربي الى المناطق البصرية البحتة نجد انها من حيث المضامين تسعى بدأب لزعزعة المعنى الجامد والمتعارف لحساب صياغة المعنى البصري المجرد ذي التأويلات الواسعة والمتلاحقة عبر المكان والزمان، حيث يرتبط الفن بالمغزى الجمالي الذي يسعى لتقليب وتغيير المعاني الفنية بحسب المحيط الثقافي للعمل الفني.

      ولا بد لاستراتيجية التحليل البصري لأعمال (صالح الشكيري) أن تمر بتحليل الضوء في اعماله، حيث أرى أن تلك الأعمال تتبنى قلقاً خاصاً حيال الضوء، لا بوصفه عنصراً تصميمياً للوحة، بل الضوء كفعل ثقافي داخل العمل الفني وفعل تشكيلي في هذه الأعمال يسعى ليستمد أهميتهُ غالباً من جغرافيا المحيط المكاني؛ وهو المُمهد الطبيعي لتنشيط الاستلام البصري للمعرفة التشكيلية مما يحيلهُ الى لعبة جمالية تربك التلقي حيناً وتوجهه وتقود انفعالاته أحياناً.

      أما من الناحية التقنية فأعمال (الشكيري) تراعي بإصرار ونَهم شيئاً من مقولات الانفتاح التقني على أساليب الإنتاج التكنلوجي للفن باعتبارها مقولات أصبحت تشكل ركناً حيوياً من تاريخ الفن المعاصر، ونجد أن هذا النهم يبدو جلياً في استفادة (الشكيري) من برامجيات (الكرافيكس Graphics Programs) لإنتاج بعض العناصر التكوينية لأعماله التشكيلية مراعياً خصوصية الأداء الرقمي ومزاياه التنفيذية التي وظفها في الأخير لصالح المتكون الإنشائي في أعماله التي يحسب لها الجرأة والإقدام وربما يحسب على عدد منها تلاشي التواصل الانفعالي للفنان مع خامته.

      لا تدعي أعمال (صالح الشكيري) -المنتمي بأحقية للجيل الثالث من التشكيلين العُمانين البارزين- بأي حال الكونية والحقيقية، بل انها تعمل غالباً لتأسيس منحى جمالي تجريبي لإنتاج المنطق البصري للتكوينات الحروفية بالضد من المنحى اللفظي الذي يُعزز وجود الحرف العربي ضمن دائرة الثبات الشكلي والقياسي له.

      الأشكال والأفكار في هذه الأعمال وإن كانت حُروفية تماماً وأحياناً خطية تقريباً، لكنها لا تمتلك أيا من الصفات التعليمية أو التربوية المعتادة في تاريخ لوحات الخط العربي، ولا يعتلي الفنان هنا أي من المنصات الأخلاقية التي تعودنا وقوف الخطاطين فوقها، بل هي ممارسة ذهنية وبصرية وانتخابات شكلية تشي بمعرفة تقنية وروحية للفنان بأسرار الحرف العربي من حيث واقعه الجمالي ومنطلقاته الفلسفية، مما يُوائم بين المعرفة الجمالية للحرف وإنتاج الفن المعاصر المغادر للترويجات المثالية والتوظيفات الأخلاقية والإرشادية (الوعظية Preachmentsim) التي طغت لزمن طويل على أعمال الفن والأدب العربي عموماً وأعمال الخط العربي التقليدي خصوصاً.

      ومن هنا تنبع أهمية التجريب والتقدم الحذر في اعمال الفنان الذي تصر أعماله بالنتيجة على إعلاء القيم التشكيلية بميزات عُمانية سيكون من المهم جداً فهمها وتأشيرها، وهذا ما يدعوني للقول إن تجربة (صالح الشكيري) كالعديد من الظواهر الثقافية هنا تُفسر لنا في كثير من تفوقاتها وحتى في بعض اخفاقاتها بعضاً من التحولات النفسية والمعرفية والحضارية التي يتبناها المجتمع العُماني الذي يسعى لاقتراح معابر ومُقتربات وجودية تجسر لنا الهوة المخيفة بين الانتماء التأريخي والأخلاقي للموروث الثقافي وأقصى حالات التعايش مع مكتسبات المعارف ونتاجات الانفتاح الواثق على الآخر عبر سلسلة من التحليلات الواقعية الدقيقة لمفاهيم غدت غامضة للعديدين مثل الهوية والتراث والمعاصرة والتعايش التقني واحترام الذات في خضم التطور المدني.

      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية