التركيع بالتوقيع: قراءة في "سورة المصالحة

    • التركيع بالتوقيع: قراءة في "سورة المصالحة

      كتب - فهمي هويدي

      الورقة المصرية تجاهلت حماس واعتبرتها طرفاً متمرداً يجب إقصاؤه، وأطلقت يد محمود عباس في ترتيب البيت الفلسطيني، وجعلت منه صاحب القرار والمرجع في صياغة الحاضر والمستقبل الفلسطيني

      تبعث على الحيرة والدهشة تلك الهالة من القداسة التي أحاطت بها مصر ورقة المصالحة الفلسطينية، حتى حصنتها ضد المناقشة والمراجعة، واعتبرت التسليم بها من ضرورات الولاء والبراء.

      1 صارت المصالحة أحد عناوين مرحلة ما بعد العدوان على أسطول الحرية. وتلك مسألة جديرة بالملاحظة. حيث أشك كثيرا في أنها من قبيل المصادفة. إذ حين ينام الموضوع أو يتعثر طوال ثلاث سنوات، ثم يصبح بعد قصة أسطول الحرية هتافاً يردده جميع المسؤولين المعنيين في الأمر من عرب وعجم، فإن الأمر يصبح مشكوكاً في براءته. لذلك فإنني أميل إلى الرأي القائل إن إسرائيل حين انفضح أمرها، وأحرج معها حلفاؤها المؤيديون للحصار والمشاركون فيه، فإن أبالسة اللعبة السياسية قرروا أن يلقوا بالكرة في مرمى حماس. ومن ثم أشهروا لافتة المصالحة ودعوا إلى التوقيع على الورقة المصرية كما "أنزلت". وتوالت التصريحات التي شددت على أنه لا كلام ولا سلام، ولا نقض ولا إبرام، إلا بعد التوقيع على الوثيقة المقدسة. ولأن أولئك الأبالسة يعرفون جيدا أن الورقة بصيغتها الحالية تلغي المقاومة وتقلب المائدة رأسا على عقب، ومن ثم فإن حركة حماس ترفض التوقيع عليها.

      2 ليست جديدة محاولات توحيد الصف الفلسطيني، فمنظمة التحرير حين ظهرت إلى الوجود في العام 1964 كانت باكورة تلك المحاولات التي تميزت بأمرين، أولهما الحرص على تحقيق أكبر قدر ممكن من الوفاق الوطني بين الفصائل المختلفة، وثانيهما الاتفاق على أن التحرير هو الهدف والمقاومة هي الوسيلة. لكن الأمور اختلفت منذ اتفاق أوسلو 1993، الذي ظن الرئيس ياسر عرفات أنه سيفتح الباب إلى إقرار السلام وإقامة حكم ذاتي فلسطيني فوق 90٪ من الأرض الفلسطينية، ثم تتواصل المفاوضات بعد ذلك حول مساحة الـ10٪ الباقية. لكنه اكتشف بمضي الوقت أنه أسرف في تفاؤله. وأن الحكم الذاتي الذي تطلع إلى إقامته فوق 90٪ من الأرض الفلسطينية تقلصت مساحته بعد مفاوضات مضنية إلى 22٪ فقط من الضفة وغزة.

      3 السياسة التي اتبعها أبو مازن كانت البداية الحقيقية للانقسام وشق الصف الفلسطيني. إذ استسلمت دون شروط لنهج التفاوض، الذي كان الفرصة الذهبية لإسرائيل للتمدد الآمن من ناحية، وللاعتماد على طرف فلسطيني وعربي في مواجهة المقاومة وحصارها. وكان ذلك الاختيار هو بداية الفراق بين أبو مازن وفريقه وبين فصائل المقاومة، حركة حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وهذا الفراق تحول إلى صدام بعد ظهور نتائج الانتخابات التشريعية الفلسطينية العام ٢٠٠٦، وفوز حماس بأغلبية المجلس التشريعي، ومن ثم تأهلها لتشكيل الحكومة، وتحولها إلى شريك في السلطة.

      إذا جاز لنا أن نلخص ونركز، فلا ينبغي أن تفوتنا حقيقة أن الموضوع الأساسي للخلاف هو الموقف من الاحتلال والمقاومة، وإذا كانت هناك دوافع أخرى للانقسام فإنها تأتي في المرتبة التالية لذلك الموقف.

      في مجرى التوافق الفلسطيني تتابعت عدة مشاهد على النحو التالي:

      * عام 2005 عقد مؤتمر القاهرة، الذي أعلن أن الهدف منه هو إعادة هيكلة منظمة التحرير الفلسطينية، واتفق خلاله على تشكيل لجنة تجتمع شهريا لهذا الغرض برئاسة أبو مازن وعضوية ممثلي الفصائل وعدد من الشخصيات العامة. لكنها لم تعقد اجتماعاً واحداً، الأمر الذي رجح ما ذهب إليه البعض من أن الهدف الحقيقي للاجتماع كان توافق الفصائل على التهدئة في مواجهة إسرائيل لإنجاح التسوية السلمية.

      * في العام 2006 تم الاتفاق بين الفصائل على برنامج الوفاق الوطني، الذي خرجت فكرته الأساسية من المعتقلين في السجون الإسرائيلية. وكانت الفصائل ــ خصوصا فتح وحماس ــ قد اختلفت حول صياغة برنامج للوحدة الوطنية بعد الانتخابات التي فازت فيها حماس، فبادر الأسرى من جانبهم إلى وضع ذلك البرنامج الذي ظل محل أخذ ورد من جانب فتح، ثم تمت الموافقة عليه في نهاية المطاف.

      * في العام 2007 عقد اتفاق مكة الذي وضع الأساس لتشكيل الحكومة الائتلافية، بالمشاركة بين حركتي فتح وحماس، ولكن فكرة المشاركة كانت مرفوضة أمريكيا وإسرائيليا، ولذلك تآمر الطرفان مع أطراف أخرى عربية لإفشال الاتفاق، حيث بدا أن رئاسة السلطة رافضة التعاون مع رئاسة الحكومة.

      * في العام 2008 ألقت مصر بثقلها في الساحة، ودعت الفصائل إلى اجتماعات في القاهرة، أسفرت عن إعداد ورقة قدمت بحسبانها تمثل المشروع الوطني الفلسطيني، وخضعت الورقة لتعديل لاحق تم في العام 2009، وأصبحت تحمل اسم: اتفاقية الوفاق الوطني الفلسطيني. وكانت تلك الورقة بمثابة نقطة تحول ومنعطف مهم في مسار الحوار يستحق أن تتوقف عنده لبعض الوقت.

      4 هناك ثلاث ملاحظات أساسية على الورقة المصرية، الأولى أنها أعدت بمعرفة مسؤولي جهاز المخابرات العامة الذي رعت قيادته الحوار مع الفصائل، والملاحظة الثانية أنها تجاهلت تماما اتفاق مكة الذي أرسى أساس المشاركة في الحكومة الائتلافية.

      الملاحظة الثالثة، والأهم أن الجهود السابقة تعاملت مع حركة حماس باعتبارها شريكاً منتخباً له شرعيته، في حين أن الورقة المصرية تجاهلتها واعتبرتها طرفا متمرداً يجب إقصاؤه. لم تذكر ذلك صراحة بطبيعة الحال، لكنها أطلقت يد محمود عباس في ترتيب البيت الفلسطيني، وخولته صلاحية تشكيل لجنة إعداد قانون الانتخابات ولجنة تطوير منظمة التحرير. ورئاسة اللجنة الأمنية العليا، ورئاسة اللجنة المشتركة لتنفيذ الاتفاق، الأمر الذي يعني أنه أصبح صاحب القرار والمرجع في صياغة الحاضر والمستقبل الفلسطيني. في الوقت ذاته فإن الورقة ألغت المقاومة عمليا حين حظرت التشكيلات المسلحة التي تمثل الأجنحة العسكرية للفصائل خارج سياق أجهزة الأمن (التي يفترض أنها تتولى التنسيق مع إسرائيل!).

      لكن الملاحظة الجوهرية التي يمكن إبداؤها على الورقة هي أنها ركزت إلى جانب إقصاء حركة حماس وإضافة الحصار السياسي عليها إلى الحصار المادي المضروب على القطاع، على الجوانب الإدارية والتنظيمية التي تؤدي إلى تمكين رئاسة السلطة من السيطرة على الموقف في الضفة وغزة. وفي الوقت ذاته فإن الورقة لم تتضمن أي رؤية سياسية واضحة ولم تحتل قضيتا التحرير والمقاومة ضد الاحتلال أي حيز فيها.

      إن القدسية التي أحيطت بها الورقة المصرية أريد بها وقف مراجعة الثغرات الخطيرة التي تخللتها، التي هي باب لالتزام المقاومة بوقف أنشطتها وإخراجها تماماً من ساحة الفعل السياسي.

      إن المصالحة هي جهد يبذل لتقريب وجهات النظر بين طرفين متعارضين، وليست إكراه طرف على أن يستسلم للآخر. ولذلك فإن الورقة المصرية في صيغتها الراهنة لا تصلح أساسا للمصالحة، وادعاؤها القيام بهذا الدور هو من قبيل الانتحال والالتفاف على الحقيقة.

      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية