اختراق الحصار أخبار الشبيبة

    • اختراق الحصار أخبار الشبيبة

      نيكولاس كريستوف

      غزة

      – إحدى الأماكن المفيدة، التي يمكن من رؤية كيفية اختراق حصار غزة، هو من داخل أحد أنفاق التهريب، الذي يبلغ طوله 800 قدم تحت الحدود المصرية.

      هذا النفق، الذي تتم تهويته وإضاءته بشكل جيد ومزود بدعامات خشبية، هو كبير بما يكفي لكي تسير بداخله عربة يدوية محملة بكل أنواع البضائع المهربة. ولكنه يعمل أيضاً بطريقة ميكانيكية أكثر تطوراً من ذلك. فهناك طاقم عمل على الجانب المصري يقوم بتحميل "تروللي" كبير بأكياس الأسمنت التي يصل إجمالي وزنها إلى طن، ثم يقوم "ونش" كهربائي بسحب هذا "التروللي" عن طريق "كابل" عبر النفق ليصل به إلى منفذ على الجانب الآخر في غزة. ثم يقوم طاقم عمل آخر هناك بإنزال أكياس الإسمنت لتوزيعها في كل أنحاء غزة.

      يعمل هذا النفق على مدار الساعة، وفي كل مكان حولي رأيت مداخل أنفاق أخرى – بعضها كبير بما يكفي لقيادة سيارات بداخله حتى تصل إلى الوكلاء في غزة. كانت هذه المداخل مغطاة ولكنها لم تكن مخبأة بشكل جاد، ولم يعترض أي أحد على وجود صحفي أمريكي يتجول حولها.

      قال لي أحد ملاك الأنفاق: "أستطيع القول إن هناك ما بين 800 حتى 900 من هذه الأنفاق. وهي توفر فرص عمل لما متوسطه 30 فردا لكل نفق".

      ويشعر ملاك الأنفاق بالذعر عندما تتحدث إسرائيل عن تخفيف الحصار، ويتذمرون قائلين إنهم يواجهون أصلاً انخفاضاً كبيراً في الطلبات كنتيجة لذلك. وقد كان على عدد كبير من الأنفاق أن يؤجل العمل في الوقت الراهن.

      تمنيت لو أن المسؤولين الإسرائيليين والأمريكيين كانوا قد شاهدوا هذه الأنفاق أيضاً. فربما يدرك هؤلاء مدى النتائج العكسية للحصار على غزة، الذي يمكن القول بأنه قد أدى إلى تقوية حماس بدلاً من إضعافها. وفي حين أنه من غير الواضح إلى أي مدى سيذهب التخفيف الإسرائيلي للحصار، إلا أن عملي الصحفي، من هنا، يجعلني على قناعة تامة بأنه يجب على إسرائيل أن ترفع الحصار بالكامل.

      لقد أقنعتني زيارتي لغزة، لدواعي دهشتي، بأن إسرائيل على حق عندما تنكر وجود أزمة إنسانية كاملة في غزة. لقد أضعفت الأنفاق من الحصار الإسرائيلي لدرجة أن المحلات أصبحت مليئة بالبضائع والحياة اليومية أسهل بشكل ملموس مما كانت عليه عندما زرت غزة منذ عامين.

      وهذا يجعل من السخافة بشكل خاص أن تقوم قيادة إسرائيل بإزهاق أرواح تسعة من الناس والإضرار بسمعتها العالمية بأسرها للسفن في أعالي البحار – في حين أن الشحنة التي كانت على متن الأسطول ربما أقل مما يمر عبر الأنفاق في ساعة واحدة.

      ثم إن هناك ثمناً آخر للحصار. فقد نزع هذا الحصار واحداً من أكبر الأثقال الموازنة لحماس: مجتمع الأعمال التجارية التقليدي في غزة. "لم يعد هناك أي نفوذ لرجال الأعمال"، كما قال فؤاد عودة، صاحب مصنع للملابس الجاهزة. وكان عودة قد سرح 39 عاملاً من العمال الأربعين الذين كانوا يعملون عنده عندما بدأ الحصار منذ ثلاث سنوات.

      وهذه قصة شائعة هنا. فقد أغلق ما يقرب من 4000 مؤسسة أعمال تجارية أبوابها في غزة، حسب عمر شعبان، الخبير الاقتصادي هنا. ويحذر شعبان أن مجتمع الأعمال، الذي كان يبشر بالاعتدال والسلام وكان له علاقات حميمة مع إسرائيل، تم تدميره تقريباً بالكامل. وقد حل محله في المجتمع، كما يقول، مشغلو الأنفاق – الذين يستفيدون من عدم الاستقرار وربما يميلون إلى إطلاق الصواريخ على إسرائيل لو ساد السلام الذي يمثل تهديداً لهم.

      أحد أنجح أصحاب الأعمال في غزة هو محمد طلباني، الذي كان يوظف 350 عاملاً بدوام كامل في مصنع مترامي الأطراف يصنع البسكويت والمعجنات والمثلجات (الآيس كريم) لغزة والضفة الغربية وأجزاء من إسرائيل. والآن أصبح معظم مصنعه مظلماً، ويعمل العاملون به لمدة حوالي أسبوع واحد في الشهر. "أنا لا أنتمي لحماس. وأريد أن أعيش مع الجميع. إنني أريد أن أكسب المال. ولدي 350 عاملاً لا يريدون إلا فرصة للعمل"، هكذا يقول طلباني.

      المشكلة التي يواجهها أصحاب المصانع هي أن إسرائيل لا تسمح بدخول معظم المواد الخام، ولا تسمح بخروج الصادرات. وتهريب كل الواردات عن طريق الأنفاق هو أمر باهظ التكاليف. أما التصدير عن طريق الأنفاق فهو عديم الجدوى – ولذلك تتوقف المصانع عن العمل. "عندما يفقد الناس وظائفهم، فإنهم يكرهون إسرائيل أكثر. إنهم لا يلقون باللوم على حماس، بل على إسرائيل"، كما يقول طلباني.

      تقول ساري باشي، المديرة التنفيذية لمنظمة "غيشا" الحقوقية التي تراقب غزة، إن الحصار ربما يكون قد قوّى حماس. ويكمن جزء من السبب في أن حماس تفرض ضرائب على السلع المهربة عبر الأنفاق، وجزء آخر في أنها أصبحت مصدراً أكثر أهمية للوظائف وتوفير سبل العيش بعد انهيار مؤسسات القطاع الخاص.

      من الضروري، كما تقول باشي، أن يمكّن تخفيف الحصار أصحاب الأعمال عن طريق السماح لهم بإدخال المواد الخام ثم تصدير المنتجات النهائية. وإلا، كما حذرت، فإن الحصار سيواصل ببساطة "قتل المعتدلين".

      تمثل غزة مشكلة صعبة جداً، وزاد من تعقيدها اختطاف واحتجاز الجندي جلعاد شاليط (ورفض حماس السماح بزيارات الصليب الأحمر له). ولكن يبدو أن الحصار قد أغضب الكثير من سكان غزة بدرجة جعلتهم يرحبون بأي فرصة لإلحاق الأذى بالإسرائيليين، بما فيهم شاليط.

      لذلك فلو أن السياسة الحالية فشلت تماماً -بل ربما أدت إلى نتائج عكسية بتعزيزها المحتمل لحماس- فدعنا نبدأ من جديد. لقد حان الوقت ليس فقط لتخفيف الحصار على غزة، بل لوضع نهاية له للأبد.

      خدمة نيويورك تايمز

      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية