في مديح الرقيب أخبار الشبيبة

    • في مديح الرقيب أخبار الشبيبة

      * خرجت الصحافة العربية أفواجا من المتخصصين والشطار في فن الرقابة على مايستحق أن ينشر أو ينشر أو يستوجب المنع.

      من الموضوعات المهمة التي تشكل تحدياً حقيقياً لمجتمع مثل مجتمعنا هو تغييب الرقابة العامة فكرا وممارسة؛ وتقزيم دورها في بناء الوعي المُحاسِب والمُقيم، وتحييد أثرها على مفاصل حياتنا الشخصية والعامة على حد سواء.

      من مظاهر ذلك افتقار مجالسنا وبرلماناتنا إلى التفويض الدستوري لمساءلة رئيس السلطة التنفيذية، أو مناقشة قضايا الأمن والدفاع، والشؤون الخارجية، والمعاهدات والاتفاقيات الدولية التي تتحكم في أفكار الناس وتحركاتهم. بل وعلاقاتهم داخل بيوتهم ومع أسرهم وأزواجهم. ناهيك عن الإخفاء المتقصد للميزانيات الضخمة والأموال الكبيرة التي تصرف على هذه القطاعات دون إشراك المواطنين أو حتى ممثليهم في معرفة مقدار وكم ما يصرف على أمنهم والدفاع عن المخاطر المحدقة بهم، والتي وإن حصلت -أي معرفة العامة- لمنح الناس تقديرا أعمق، واحتراما أدوم لمن يضحون بأرواحهم في سبيل راحة ورخاء واستقرار الوطن والمواطن.

      وحتى الاستثناء الذي شذ عن هذه القاعدة نجده لا يمارس هذا الحق؛ فبرلمانات دول مثل: الكويت ولبنان ومصر والمغرب واليمن تجيز لها دساتيرها الوطنية الإشراف على الميزانيات العامة بل وإقرار بنودها، إلا أنها تؤثر في الغالب عدم ممارسة هذه الصلاحية أو حتى العمل على تعطيلها في كثير من الأحيان.

      ومن مظاهر ذلك أيضا؛ غياب نظام واضح لمحاسبة ومراقبة القضاة وتقييم أدائهم ضمانا لسير العدل والإنصاف في مسارهما الأصوب. فالقاضي بشر يتأثر بمن حوله وما حوله من آثار ومسببات، ولا تعارض هنا بين الاستقلالية التي ندعو إليها -بشدة- للسلطة القضائية وبين إمتلاك هذه السلطة لتقنيات الجرح والتعديل، والتقييم والتقويم، فالذي لايخطئ، لا ينتمي لبني البشر، والذي يأمن العقوبة والمحاسبة، لن يقدر المسؤولية مقدارها الحق.

      غير بعيد عن هذا القطاع تشل الرقابة العامة وتضرب في مقتل عندما يشرع للمحاكم الاستثنائية خارج إطارالقضاء المدني بدرجاته المعروفة والذي يعتبر الوكيل المؤتمن للإرادة العامة، وعينها الساهرة على منظومة القيم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي يرتكز عليها مجتمعنا. فالمحاكم الخاصة، ومحاكم أمن الدولة، ومحاكم الإرهاب وغيرها تنتهك بشكل مباشر الاستقلال المؤسسي للقضاء، كما يعتبر مؤشر انعدام ثقة في مرفق القضاء، وتحجيم تدريجي لنمائه وتطوره ورسوخه في بنيان الدولة.

      ومن مظاهر تغييب الرقابة العامة؛ تكميم أفواه وسائل الإعلام، وتخويف الإعلاميين، وتدجين مهنة الصحافة وتحويلها من حرفة ذات رسالة كشف وإحراج للمسيء؛ إلى وظيفة صف وإخراج للمقتدر ماليا وجهويا.

      بل استطاعت الأجهزة الصحافية العربية والمؤسسات الإعلامية العريقة عندنا أن تُخرّج أفواجاً من المتخصصين والبارعين والشطار في فن الرقابة والوصاية على ما يستحق أن ينشر أو يستوجب المنع خوفا وخشية من أن يفسد العقول، أو يحفز الذهون لمطالبات أكثر وحقوق أجدر يتمتع بها عموم الناس ويصلح بها الشأن العام، لدرجة تفوق وتتجاوز تطلعات الأجهزة الموكل لها هذه المهام.

      ولعله من نافلة الذكر هنا أن المثقف يمثل ضمير الناس وخاصة البسطاء والمهمشين منهم، وهو خير من يمارس الرقابة العامة من أوسع أبوابها؛ فبقلمه يستطيع أن يبارز الفاسدين من خلال فضحهم وتسليط الضوء على ممارساتهم، وبالتزامه بقضايا اصلاح مجتمعه؛ يفكك السلطة الاجتماعية الضاغطة، ويحاصر السلطة السياسية عن الاستفراد بكل تفاصيل المشهد الوطني، ويرصد تجاوزات السلطة الاقتصادية وتجرئها على المال العام.

      إلا أنه من المهم التثبيت هنا أن الرقابة العامة حق إنساني، والحق لا يمنح من أحد مهما علت مكانته، وارتفعت وظيفته. كما أنها تستوجب المسؤولية الجماعية بمعنى ان الجميع عليه ان يفتح عينه مراقبا متيقظا لماله العام وسيادته الكاملة ولا يستثني نفسه من هذا الواجب بداع أن الأمر لا يعنيه وأن "للبيت ربا يحميه". كما يمكن أن تمارس الرقابة العامة بالوكالة؛ فالناس يوكلون نوابهم في البرلمان لممارسة هذا الحق، ويعهدون به مطمئنين للإعلام ووسائله المتنوعة للقيام بهذا الواجب النبيل عندما تنام المؤسسات أو يتغافل أهل المسؤولية. كما أن إرادة الناس العامة تكون حاضرة في روح النصوص القانونية التي يحكم بها القاضي ويسعى إلى الحفاظ على استقلال ونزاهة رأيه ونظره وحكمه؛ الذي لا يمثله شخصيا بل يمثل الضمير الحي والمتيقظ للمجتمع. بكلمة واحدة؛ إيماننا بمحورية الرقابة العامة في حياتنا هو من يصيغ نظامنا الديمقراطي ويحدد ملامحه المستقبلية.

      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية