* نستهجن مثلاً سرقة المال العام من مسؤول رفيع ولا نُسائل أنفسنا عند استخدامنا لمرفق عام بشكل سيئ، ونتفنن في كيل الاتهامات بحق موظف عمومي مقصر، ونعفي أنفسنا من المحاسبة حتى وإن لم نذهب للعمل ذات صباح.
سعيد بن سلطان الهاشمي
يتلون الفساد بألوان عدة في حياتنا اليومية؛ لدرجة عجزنا عن تصنيفه: أهو من الضرورات أم من المحرمات؟ هل نكرهه بحق أم نحب ما يوفره من استثناءات؟ لذلك نجده يتمدد بتمدد تطلعاتنا الرخيصة والوصولية أحيانا، وينكمش بمقدار ما يحاصرنا من قوانين ونظم، أعراف وثقافة محاسبية، قيم ومُثل تضبط الثابت والمتحول في مسار معاشنا في هذه الحياة .
إن شيوع الفساد في عموم حياتنا سببه الرئيس قبوله في داخلنا، ومن ثم تبريره عقليا وسلوكيا؛ فلماذا نستهجن مثلاً سرقة المال العام من مسؤول رفيع ولا نُسائل أنفسنا عند استخدامنا لمرفق عام بشكل سيئ، ونتفنن في كيل الاتهامات بحق موظف عمومي مقصر، ونعفي أنفسنا من المحاسبة حتى وإن لم نذهب للعمل ذات صباح.
إذ لم يعد الفساد اليوم "استغلالا للسلطة من أجل المنفعة الخاصة" كما تعرفه منظمة الشفافية العالمية، ولم يقف هذا الفساد عند حد قيام أحد أفراد الوظيفة العامة؛ "بقبول أو طلب ابتزاز أو رشوة لتسهيل عقد أو إجراء طرح لمنافسة عامة، كما يحدد ذلك البنك الدولي في أدبياته، بل يتجاوز ذلك إلى أشكال أصبحت مألوفة ومتصالحة معنا إلى حد كبير، لا ترفضها شخصياتنا ولا تتحرك في مجابهتها مؤسسات رقابية كانت أو محاسبية. منظومات سياسية أو حتى دينية أو فكرية.
اجتماعيا؛ نرضى بالفساد ونقبله في شكله الابتدائي عند قيامنا بتعيين الأبناء والأصهار والأقارب، ونحرص على تأمين حصولهم على مواقع متقدمة في الجهاز الوظيفي وإن كان ذلك من باب فتح الأرزاق؛ فلماذا هم وليس غيرهم؟
وفي الشق السياسي يكون الفساد حاضرا عند تفصيل قوانين انتخابات وتمويل حملات إعلامية تضمن لبعض الأفراد الاستيلاء دون وجه حق على مناصب حكومية رفيعة لا يستحقونها، لانعدام المواهب القيادية فيهم. وحصولهم على الصفقات الكبرى في المقاولات وتجارة السلاح والفوز بتوكيلات الشركات العالمية. كما يتجلى الفساد في أبهى صوره بالطبع في سرقة أموال الدولة مباشرة دون حسيب يرتجى أو رقيب يُهاب.
وفي الشق الاقتصادي يتمظهر الفساد كذلك في عمليات الخصخصة التي جرت في كثير من بلدان العالم والتوجه لبيع أملاك الدولة، وشركاتها الناجحة والرابحة بواسطة المسؤولين الحكوميين، وتحويلها لملكيات خاصة بهم، ويدلل هذا النوع من الفساد على دول لا تحترم قوانينها، وعلى شعوب مغلوب على أمرها لا تحتكم إلى سلطة تمثيلية (برلمان) فاعلة ومؤثرة، ولا تأتمن نفسها على سلطة قضائية مستقلة ونزيهة تسعى إلى إحقاق الحقوق وضمان العدالة.
وفي ذات المقام يكثر نشاط وكلاء ووسطاء الشركات والأعمال الخاصة لتقديم رشاوى للاستفادة من سياسات أو إجراءات عامة، وللتغلب على منافسين وتحقيق أرباح خارج إطار القوانين المرعية.
حتى الممارسات التي نستصغر أثرها في حياتنا الإدارية اليومية؛ كاستخدام الورق والأقلام والهواتف والسيارات العمومية لخدمة المآرب الشخصية. تندرج تحت مظلة الفساد المقبول والمسكوت عنه.
قد لا نشعر بسهولة إلى أي حد نساهم في تكريس الفساد فكراً وسلوكاً؛ فالأمر مرتبط بمنظومة التربية الأسرية، التي يمتد جذرها عميقا في الداخل المخفي عن كل أحد. والمسألة أيضا متأثرة بشكل كبير بحزمة القيم والمبادئ التي يسعى النظام التعليمي لغرسها في عقول الناشئة؛ موظفو الدين والعرف والتاريخ والتجارب الحية لتشكيل الصورة الخاصة والوطنية التي يرنو لتكوينها تكويناً راسخاً كما فعلت بشكل ناجز تجارب بشرية في اليابان وألمانيا مثلا.
مكافحة الفساد تحتاج بشكل ملح إلى قدوة إنسانية حية تعيش وتتفاعل معها الناس؛ تتجاوز بمعيتهم مرحلة التنظير والأحلام وخاصة من الذين يتنبؤون الوظائف القيادية في القطاعين العام والخاص. فتأثير هؤلاء أشد من تعليم سنوات، وأعمق من تأثير آلاف المقالات والتقارير والبحوث العلمية التي لا تقرؤها إلى النخب المحدودة العدد والعدة.
أخشى أننا نحب الفساد، ولا نريده أن يغادر حياتنا؛ فبعضنا، مثلا: يظن لوهلة أن علو مرتبته الوظيفية تجيز له التمتع بامتيازات يجب ألا تتحقق لعموم الناس؛ لا لشيء سوى انه يتعرض لضغط اكبر بسبب المنصب الذي يزين اسمه؛ وهذا فهم مأزوم ينتج عنه تبرير متواصل لأنواع الفساد؛ خاصة وإننا نعيش في وسط لن تجد من يواجهك بعيوبك وتجاوزاتك بشكل مباشر. صحيح سيكثر الهمس والكلام وراء الكواليس، وصحيح كذلك أن بعض الأجهزة الضبطية ستسعى فيما تبقى لها من صلاحيات وممكنات إلى رصد وكتابة بعض التقارير المعلمة وليست الملزمة. إلا أن ذلك كله يبقى من باب براءة الذمم لا أكثر.
كما أنها عديدةٌ هي المبررات التي نقنع بها نفوسنا لنبرئها من تهمة الفساد؛ فتارة نخدر أنفسنا بمقولات من قبيل أن "الجميع يمارس ذلك، لماذا تقف عندنا" و"هذه المرة فقط وبعدها لن نعاود الكرة" و"الكل ساكت ولم يمنعنا أحد" و"لن تفلس الدولة بمجرد محاولة؟" "وخير الحكومة فاضل" و"لن يهتم بي أحد إذا لم أرتب لنفسي ما يكفيني وأسرتي لما بعد الوظيفة" وغيرها من السلاسل الذهبية من التبريرات والمسببات التي يشجعك عليه المجتمع المحيط بك، ثم يدينك على فعلها. بكلمة؛ مكافحة الفساد يبدأ بالذات وينتهي إليها، فهل نحن جادون في شأن كهذا.
سعيد بن سلطان الهاشمي
يتلون الفساد بألوان عدة في حياتنا اليومية؛ لدرجة عجزنا عن تصنيفه: أهو من الضرورات أم من المحرمات؟ هل نكرهه بحق أم نحب ما يوفره من استثناءات؟ لذلك نجده يتمدد بتمدد تطلعاتنا الرخيصة والوصولية أحيانا، وينكمش بمقدار ما يحاصرنا من قوانين ونظم، أعراف وثقافة محاسبية، قيم ومُثل تضبط الثابت والمتحول في مسار معاشنا في هذه الحياة .
إن شيوع الفساد في عموم حياتنا سببه الرئيس قبوله في داخلنا، ومن ثم تبريره عقليا وسلوكيا؛ فلماذا نستهجن مثلاً سرقة المال العام من مسؤول رفيع ولا نُسائل أنفسنا عند استخدامنا لمرفق عام بشكل سيئ، ونتفنن في كيل الاتهامات بحق موظف عمومي مقصر، ونعفي أنفسنا من المحاسبة حتى وإن لم نذهب للعمل ذات صباح.
إذ لم يعد الفساد اليوم "استغلالا للسلطة من أجل المنفعة الخاصة" كما تعرفه منظمة الشفافية العالمية، ولم يقف هذا الفساد عند حد قيام أحد أفراد الوظيفة العامة؛ "بقبول أو طلب ابتزاز أو رشوة لتسهيل عقد أو إجراء طرح لمنافسة عامة، كما يحدد ذلك البنك الدولي في أدبياته، بل يتجاوز ذلك إلى أشكال أصبحت مألوفة ومتصالحة معنا إلى حد كبير، لا ترفضها شخصياتنا ولا تتحرك في مجابهتها مؤسسات رقابية كانت أو محاسبية. منظومات سياسية أو حتى دينية أو فكرية.
اجتماعيا؛ نرضى بالفساد ونقبله في شكله الابتدائي عند قيامنا بتعيين الأبناء والأصهار والأقارب، ونحرص على تأمين حصولهم على مواقع متقدمة في الجهاز الوظيفي وإن كان ذلك من باب فتح الأرزاق؛ فلماذا هم وليس غيرهم؟
وفي الشق السياسي يكون الفساد حاضرا عند تفصيل قوانين انتخابات وتمويل حملات إعلامية تضمن لبعض الأفراد الاستيلاء دون وجه حق على مناصب حكومية رفيعة لا يستحقونها، لانعدام المواهب القيادية فيهم. وحصولهم على الصفقات الكبرى في المقاولات وتجارة السلاح والفوز بتوكيلات الشركات العالمية. كما يتجلى الفساد في أبهى صوره بالطبع في سرقة أموال الدولة مباشرة دون حسيب يرتجى أو رقيب يُهاب.
وفي الشق الاقتصادي يتمظهر الفساد كذلك في عمليات الخصخصة التي جرت في كثير من بلدان العالم والتوجه لبيع أملاك الدولة، وشركاتها الناجحة والرابحة بواسطة المسؤولين الحكوميين، وتحويلها لملكيات خاصة بهم، ويدلل هذا النوع من الفساد على دول لا تحترم قوانينها، وعلى شعوب مغلوب على أمرها لا تحتكم إلى سلطة تمثيلية (برلمان) فاعلة ومؤثرة، ولا تأتمن نفسها على سلطة قضائية مستقلة ونزيهة تسعى إلى إحقاق الحقوق وضمان العدالة.
وفي ذات المقام يكثر نشاط وكلاء ووسطاء الشركات والأعمال الخاصة لتقديم رشاوى للاستفادة من سياسات أو إجراءات عامة، وللتغلب على منافسين وتحقيق أرباح خارج إطار القوانين المرعية.
حتى الممارسات التي نستصغر أثرها في حياتنا الإدارية اليومية؛ كاستخدام الورق والأقلام والهواتف والسيارات العمومية لخدمة المآرب الشخصية. تندرج تحت مظلة الفساد المقبول والمسكوت عنه.
قد لا نشعر بسهولة إلى أي حد نساهم في تكريس الفساد فكراً وسلوكاً؛ فالأمر مرتبط بمنظومة التربية الأسرية، التي يمتد جذرها عميقا في الداخل المخفي عن كل أحد. والمسألة أيضا متأثرة بشكل كبير بحزمة القيم والمبادئ التي يسعى النظام التعليمي لغرسها في عقول الناشئة؛ موظفو الدين والعرف والتاريخ والتجارب الحية لتشكيل الصورة الخاصة والوطنية التي يرنو لتكوينها تكويناً راسخاً كما فعلت بشكل ناجز تجارب بشرية في اليابان وألمانيا مثلا.
مكافحة الفساد تحتاج بشكل ملح إلى قدوة إنسانية حية تعيش وتتفاعل معها الناس؛ تتجاوز بمعيتهم مرحلة التنظير والأحلام وخاصة من الذين يتنبؤون الوظائف القيادية في القطاعين العام والخاص. فتأثير هؤلاء أشد من تعليم سنوات، وأعمق من تأثير آلاف المقالات والتقارير والبحوث العلمية التي لا تقرؤها إلى النخب المحدودة العدد والعدة.
أخشى أننا نحب الفساد، ولا نريده أن يغادر حياتنا؛ فبعضنا، مثلا: يظن لوهلة أن علو مرتبته الوظيفية تجيز له التمتع بامتيازات يجب ألا تتحقق لعموم الناس؛ لا لشيء سوى انه يتعرض لضغط اكبر بسبب المنصب الذي يزين اسمه؛ وهذا فهم مأزوم ينتج عنه تبرير متواصل لأنواع الفساد؛ خاصة وإننا نعيش في وسط لن تجد من يواجهك بعيوبك وتجاوزاتك بشكل مباشر. صحيح سيكثر الهمس والكلام وراء الكواليس، وصحيح كذلك أن بعض الأجهزة الضبطية ستسعى فيما تبقى لها من صلاحيات وممكنات إلى رصد وكتابة بعض التقارير المعلمة وليست الملزمة. إلا أن ذلك كله يبقى من باب براءة الذمم لا أكثر.
كما أنها عديدةٌ هي المبررات التي نقنع بها نفوسنا لنبرئها من تهمة الفساد؛ فتارة نخدر أنفسنا بمقولات من قبيل أن "الجميع يمارس ذلك، لماذا تقف عندنا" و"هذه المرة فقط وبعدها لن نعاود الكرة" و"الكل ساكت ولم يمنعنا أحد" و"لن تفلس الدولة بمجرد محاولة؟" "وخير الحكومة فاضل" و"لن يهتم بي أحد إذا لم أرتب لنفسي ما يكفيني وأسرتي لما بعد الوظيفة" وغيرها من السلاسل الذهبية من التبريرات والمسببات التي يشجعك عليه المجتمع المحيط بك، ثم يدينك على فعلها. بكلمة؛ مكافحة الفساد يبدأ بالذات وينتهي إليها، فهل نحن جادون في شأن كهذا.
¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية