مؤسسة الفساد أخبار الشبيبة

    • مؤسسة الفساد أخبار الشبيبة

      * مأسسة الفساد وسيلة سهلة، وغير مكلفة، تدجن الفئة المتعلمة من المواطنين ونخبهم بتوريطهم في شبكات معقدة من المصالح والمنافع كل بحسب تخصصاته وأحلامه؛ وتربطهم بخيوط وهمية من الأمل والرجاء.

      سعيد بن سلطان الهاشمي

      ليس بغريب أن ينتشر الفساد في مجتمع إنساني متفاعل وحيوي بالأفكار والآمال والتطلعات؛ الغريب في السكوت عن هذا الفساد، والأكثر غرابة في تحويل الفساد إلى مؤسسة ترعاها السلطة ويستسيغ وجودها الناس، بل ويسعون إلى تبرير حصولها والتنظير في شؤونها والرضا في أن نتعايش معها ونقبل بها دون تحريك لساكن أو كشف لفاسد.

      إن مأسسة الفساد وسيلة سهلة، وغير مكلفة، تسعى السلطة السياسية في كثير من بلدان التأخر والتسلط إلى استخدامها ورعاية نموها بالسكوت عنها؛ لأنها تحقق لها أكثر من مأرب؛ فهي تلهي بسطاء الناس عن التفكير بحقوقهم بكرامة وعزة، وتحول اهتماماتهم عن الغد واستحقاقاته إلى اليوم والتزاماته التي لا نهاية لها، تشغل عقولهم بحسابات تجنب الأضرار، وتملئ قلوبهم بتفاصيل جلب المنافع الخاصة. بل تذهب هذه المؤسسة إلى أبعد من ذلك عندما تقتل الأمل والطموح في التغيير والتجديد والإصلاح وهي عبارات لا تحبذها أي سلطة لا تملك شرعيتها من الشعب مصدر السلطات الأصيل؛ لأن هذه المصطلحات تحمل في طياتها الاعتراف بالتقصير وتستوجب المحاسبة، لذلك فإن مؤسسة الفساد هذه؛ تقدم خدماتها الجليلة في تحييد وتغييب أي رغبة أو حتى دعوة للإصلاح والتجديد.

      وهي تدجن الفئة المتعلمة من المواطنين ونخبهم بتوريطهم في شبكات معقدة من المصالح والمنافع كل بحسب تخصصاته وأحلامه؛ وتربطهم بخيوط وهمية من الأمل والرجاء؛ بين انتظار منصب حكومي رفيع إلى التطلع لمنحة مالية مجزية إلى الإعفاء من ديون متراكمة أو حتى السكوت والتغاضي على أخطاء كارثية يرتكبها هؤلاء بحق عموم الناس ونوعية الخدمات التي يستحقونها.

      وهي تسعى إلى إقصاء كل مجتهد عصامي من بلوغ أهدافه وأمانيه الوطنية؛ لأنه يحمل قواعد القوة والثقة والاعتداد بذاته، ويؤصل بشكل عملي لقيمة النجاح وأهمية الكفاءة ومكانة الإتقان في العمل. بل تجتهد هذه المؤسسة إلى استبدال هذا النوع من البشر بالكسالى والمتزلفين والوصوليين؛ لأنهم خير من يذكر الفضل والمنة لمن منحهم هذه الفرص، والتي ما كانوا ليحلموا بها في ميادين التنافس الشريف والمتكافئ. وخير من يتسابق في تقديم آيات الولاء الأعمى لأولياء النعمة دون إزعاجهم برأي مخالف أو صوت مغاير لما يعشقوا سماعه.

      وهي تعمل بجد ومهنية رفيعة لتهميش مؤسسات الرقابة والمحاسبة والمجالس البرلمانية ومؤسسات الفكر والبحث العلمي والصحافة والإعلام الحي والمستقل لكي لا تزاحمها في نفوذ أو تضاهيها في تأثير يذكر على عقول وقلوب الناس. مع حرصها على أن تكون جميع تلك المؤسسات موجودة كواجهات مخملية وبمبانٍ مهيبة تؤثث واجهات الشوارع الرئيسية، كما أنها تجمل الهيكل العام للدولة أمام الأصدقاء والأشقاء في المجتمع الدولي.

      أخطر الآثار التي تورثها مؤسسات الفساد في دولنا هو؛ تماهي الصواب بالخطأ وذوبان السليم بالمعطوب واتساع الرؤية الضبابية للأشياء؛ إذ بطول المدة واعتياد الناس على هذا الجاثم الأسطوري وبفقدان البشر الأمل في التغيير؛ تصاب منظومة الوعي العام بعطب مُخل، يسمم الواقع ويُصدّره بؤسا وضيق أفق للأجيال المتلاحقة، ومن دون أن يستشعر الجميع خطورة ذلك بحكم قاعدة التجاور والتجانس والتأقلم.

      وفي بيئة كهذه لا تتخلى السلطة تماما عن رفع شعار "مكافحة الفساد"، لكي لا تؤكد شراكتها معه، ولا تنفي أو تفضح تنفعها من وجوده. فنجدها بين فترة وأخرى تعلن عن "محاكمة موظف عمومي كبير"، أو "الإطاحة" بآخر وإعفائه من مهامه "للتمتع بما سرقه" بعد زمن من الحادثة الأولى أو الإعلان عن "ملاحظات" رقابية في مؤسسة عامة أو شركة حكومية وتنشر صحفنا تقارير طويلة تذكر فيها حرص الدولة على تصحيح المسارات والبدء في عهد جديد من إنقاذ البلاد من لصوص المال العام، ويرفع الناس سقف توقعاتهم وآمالهم في التغيير القادم؛ لكن كل ذلك لا يتجاوز "تدويرة ملعقة في فنجان قهوة صغير" ما تلبث أن تهدأ وتكون مهيأة للشرب والانقضاض بتقنيات أكثر مهنية وأقل أخطاءً على مقدرات الوطن وأرزاق بسطاء البشر فيه. للفساد؛ بعد طول صحبة معه نفوذ وسطوة لا يمكننا فك الاشتباك به إلا بمزيد من الإدانة والفضح والتشهير في مقابل ممارسة أقسى درجات الضبط عند التعامل بقليل أو كثير من المال العام. أما الإدارة السياسية فلا بد وأن تملك الإرادة والشجاعة في مأسسة مكافحة الفساد؛ فلا يفت مؤسسة الفساد إلا مؤسسات أقوى منها؛ تضبط مقدرات الوطن وتحفظها لقادم الأيام.

      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية