بعد كل ما كتبته عن التعليم - وهو ليس بالكثير ولا بالقليل - يبدو أن كلامي لم تصل معانيه للبعض، يبدو أنني لم أشرح الأمور بشكل كافي، لذلك هذه محاولة أخرى أعيد فيها ما قلته سابقاً لعل أن يفهم كلامي البعض حتى لو لم يوافقوا عليه، أريد فقط أن أتاكد أنهم عرفوا من أي موقع أتحدث ولماذا أتبنى هذه الآراء.
دعوني أذكركم بأنني كنت طالباً في المدرسة، 6 سنوات في الابتدائية، و6 في الإعدادية مع أنها 3 لكنني كررت الأعوام، و4 في الثانوية لأنني فصلت في الأول الثانوي لغيابي المتكرر، أي 18 سنة خبرة في المدارس، شيء لا أفتخر به صدقني، وشيء لا أعتبره مقياساً لأي شيء في حين أعرف جيداً أن بعض أو كثير من الناس يقيسونني به.
لأبدأ بالجانب الأخلاقي، رأيت من القصص ما يكفي لكتابة سلسلة مقالات حول هذا الجانب، لكنني أستحي من ذكر التفاصيل، يكفي العاقل أن أخبره بأن 5 تشاركوا في الاعتداء على سادس وكان كل هذا بالتراضي، حدث هذا أيام الإعدادية وكنت وقتها رئيس مجلس الطلاب، رأيت طلبة يتحرشون بطالب في ساحة المدرسة وأمام أعين المدرسين والإدارة، لم يحدث هذا مرة أو مرتين طوال سنوات الدراسة بل يحدث مرات كل عام، رأيت في الفصل الذي أدرس فيه تصرفات أخجل من ذكرها، عندما كنت صغيراً كنت أسكت لأنني خائف كبقية طلبة الفصل وبعد سنوات كنت أتحدث وأتصادم مع طلاب أكبر مني سناً وحجماً ويكاد أحدهم يصبح جداراً ونتيجة لهذا التصادم كنت أقع في المشاكل معهم لكنني من ناحية أخرى أحترم الإدارة والمدرسين لذلك كانوا يقفون معي ويصدقون كلامي ... هذا عندما كانت إدارة المدرسة تحوي وكيلاً يحترم الطلاب.
رأيت وسمعت الكثير، أكاد أتقيأ عندما أفكر بالأمر، هذه القصص بدأت منذ أيام الابتدائية، هل يمكنك تخيل ذلك؟ طالب في أول عام دراسي له يبلغ من العمر 7 سنوات يتعرض لاعتداء من طالب آخر رسب سنوات عديدة حتى أصبح أحد المعالم البارزة في المدرسة، أصبح عموداً أو إهراماً لا يمكن تخيل المدرسة بدونه، رأيت وسمعت ذلك وتكرر الأمر مرات كثيرة.
أما المدرسين فلدي قصتان أعرف أبطالها، مدرس في الابتدائية وآخر في الإعدادية، كلاهما كشف وفضح من قبل الطلبة وتحركت إدارة المدرستين لفصلهما من العمل في التدريس، لكن قبل فضح البطلين كم مرة اعتدوا على الطلاب من قبل؟
أما اليوم فهناك أخبار الصحف، هل يمكنك أن تتخيل مدرس تحفيظ قرآن يمارس الفعل القبيح؟ حدث هذا وقرأنا عنه، حدث هذا في بلادنا وفي بلدان أخرى، الأمر ليس نادراً أو مجرد استثناء صغير حقير لا يستحق الذكر، والأمر يتكرر في المدارس على اختلاف أنواعها.
هذه بيئة المدرسة في الماضي، اليوم دخلت التقنية إلى المدرسة وأصبحت في جيوب الطلاب، كما ترى الاهالي يخافون على طلابهم فيشترون لهم هواتف، بعضهم يشتري هاتفاً لابنه لأنه لا يرى مشكلة في ذلك، أو لأن الابن ألح - أصر يصر إلحاحاً! - على شراء هاتف، وما المشكلة في ذلك؟ في الغالب لا مشكلة إلى أن تحدث مشكلة!
مدرسة اكتشفت في هاتف طفل في الابتدائية معرض صور إباحية، هذا طفل في الابتدائية فما الذي تحويه بعض هواتف طلاب الإعدادية والثانوية؟ أضف إلى ذلك أن التواصل بين الطلاب أصبح داخل وخارج المدرسة، في الماضي كان التواصل خارج المدرسة صعباً، الشبكة والهواتف اليوم ألغت المسافات، لذلك الطالب السيء أخلاقياً لديه فرصة لبث تأثيره أثناء الحصص المدرسية وبعد انتهاء الدوام.
حتى الآن أشعر أنني لم أكون صورة واضحة عن الوضع الأخلاقي في المدرسة، لكن أتمنى أن يكون ما كتبته كافياً لأنني لو دخلت في التفاصيل فلن أنتهي، لم أتحدث عن الاعتداء لفظياً أو جسدياً على الطلاب من قبل المدرسين أو طلاب آخرين، لا أعني اعتداء جنسي بل عنف فقط، عنف لفظي وجسدي، يحدث أن يتنمر بعض الطلاب على آخري، تتكون عصابات ترهب الطلاب وتخيفهم، رأيت من حوادث العنف في المدرسة ما يكفي وبعضها وصل لمرحلة خطيرة، أو لأكون أكثر وضوحاً، بعضها أوصل بعض الطلاب إلى المستشفى في حالة خطيرة.
بعد كل ما قلته أعلم جيداً أن هناك من يجهز رداً "لكنك تبالغ، الوضع ليس بهذا السوء، هناك إيجابيات لم تذكرها ... إلخ" وبالطبع علي أن أقول بأن الأمر ليس بهذه السوداوية لكن ما حدث ورأيته بعيني لم يمكنني أن أكذبه وما يحدث اليوم لا يمكننا التغاضي عنه، لنعترف أن هناك مشاكل أخلاقية في مدارسنا، لنعترف أن هناك طلاب أبرياء يتعرضون لاعتداء بأنواعه ومن بينها التحرش وهذا يدمرهم، لا يدمرهم ليوم أو يومين، إن ضرب الطالب فقد تظهر كدمة تحت عينه تزول مع الأيام لكن أخبروني متى سيذهب أثر الاعتداء والتحرش؟ هذا التحرش قد يبقى أثره طول حياة الإنسان ... لذلك أخي الكريم، أختي الكريمة، أرجوكم ... أرجوكم من أعماق قلبي، لا تقللوا من شأن التحرش.
نقطة أخيرة، عندما يعتدي طالب على آخر أو مدرس على طالب فهذا سيحدث عندما لا يكون هناك رقيب يشاهد، وأعلم جيداً أن الآباء والأمهات لا يذهبون إلى المدرسة مع أبنائهم بل يتركونهم للمدرسة على أساس أن الإدارة المدرسية مسؤولة، من ناحية الإدارة المدرسية لا يمكنها أن تراقب كل الطلاب في كل وقت ومن ناحية أخرى عندما تقع الفأس على الرأس لا يمكن للإدارة المدرسية أن تبتكر معجزة لتزيل كل آثار الضرر.
من ناحية التعليم كنت في الماضي القريب أظن أنني الصوت الوحيد الذي يقول أن التعليم في مدارسنا ليس بالمستوى الذي يبرر وجود الطالب 12 عاماً في المدرسة، اكتشفت لاحقاً أن هناك أناس كثر يؤيدون كلامي، فإن كنت أنا أقول هذا الكلام لأنني فاشل دراسياً فماذا عسى أن يكون رد الناس الذين يذكرونني بفشلي على آراء خبراء في التعليم؟ هل المدرس الذي قضى 30 عاماً في التعليم لا يفهم مثلاً؟ أو أنه هو الآخر فاشل دراسياً؟
لم تعد هناك فائدة من تحويل الموضوع ليناقش أمراً يخصني عندما يتفق آلاف من المعنيين بالتعليم والمتخصصين فيه على أن نظم التعليم حول العالم سلبياتها كثيرة ولم تعد تلبي حاجة العالم اليوم، هناك عشرات الكتب والأبحاث حول الموضوع، هناك تجارب عديدة حول العالم تثبت أن هناك طرقاً مختلفة للتعليم ولم يعد من المجدي التركيز على أسلوب واحد في التعليم، المدارس بشكلها الحالي وبأسلوبها الحالي ليست مقدسات لا تمس، ليست إهرامات لا تهدم، ليست جبالاً لا تتزحزح، التعليم اليوم من صنع البشر، وما هو من صنع البشر لا يمكنه أن يبقى صالحاً لكل مكان وزمان.
حتى وقت قريب كنت أقرأ لمن يؤيد كلامي في الشبكة أو في الكتب، وقد بدأت أسمع من آباء كلاماً يوافق كلامي، بعضهم يرى التعليم مضيعة للوقت لأن ابنائهم لا يتعلمون الكثير ويقضون نصف يومهم في المدرسة ويعودون للبيت متعبين يحلون واجباتهم وينامون ليعيدوا اليوم نفسه غداً وبعد غد، هل تستحق المدارس هذا الجهد؟ في الماضي كان مجرد طرح السؤال يعتبره البعض وقاحة والآن آباء يفكرون جدياً في بدائل المدرسة، وبالمناسبة لم أحدثهم أنا بشيء، لم أفسد عقولهم، هم الذين تحدثوا في الموضوع.
هل هؤلاء الآباء مجانين؟ لا ... بالطبع لا، بعضهم ينظر للأمر من ناحية عملية فلا يرى الجهد والوقت والمال الذي يبذل في التعليم يبرر وجود ابنه في المدرسة لوقت طويل، بعضهم يرى الأمر من ناحية أخلاقية فهو يخشى على ابنه من أي اعتداء وهذا الخوف له ما يبرره، يغضبني أن يقلل البعض من شان هذا الخوف، ما لن تقبله أبداً لابنك عليك ألا تقبله لآبناء الآخرين ولا تقلل من شأنه.
إن وصلت لهذا السطر فلعلك تهز رأسك وتسأل: طيب ما الحل؟
حالياً؟ وبكل صراحة؟ لا يوجد حل! أو لا يوجد حل بدون سلبيات كبيرة، فمثلاً أنا أدعوا للتعليم المنزلي، ولا يعني هذا أن كل أسرة قادرة على تعليم ابنائها، لا شك لدي أن الأسرة المهملة للأبناء لا يمكنها تعليمهم، لذلك خيار التعليم المنزلي هو خيار للأسرة الواعية الحريصة على ابنائها، الأسرة الحريصة على أن يتلقى ابنائها تعليماً بجودة عالية يحفظ للابناء عقولهم وينمي مواهبهم، هؤلاء الذين يمكنهم توفير هذا المستوى من التعليم سيناسبهم التعليم المنزلي ... هل هذا واضح؟
الاعتراض الأساسي للتعليم المنزلي يدور حول أمرين، الشهادة والتواصل الاجتماعي، التعليم المنزلي في بلداننا مفهومه مختلف كلياً عن التعليم المنزلي الذي أقرأ عنه ويمارس في بلدان مختلفة، فما أعرفه لدينا هو تعلم المنهاج المدرسي الرسمي ثم أداء الامتحانات في منتصف ونهاية العام، هذا كل شيء، بينما التعليم المنزلي في دول أخرى يعني أن الأسرة تضع المنهاج بأكمله لابنائها وهي تصمم كل الأنشطة التعليمية، هذا النوع من التعليم غير معترف به لدينا وبالتالي لن يحصل الطالب على شهادة وبالتالي ستكون نظرة المجتمع له سلبية ولن يحصل على عمل حتى لو كان الأخ غير الشقيق لآينشتاين ... بالمناسبة ماذا تعني الأخ غير الشقيق؟
قيمة الإنسان لدينا بحاجة لمراجعة، أسلوب الحصول على شهادة بحاجة لمراجعة، ونحن بحاجة لاعتراف رسمياً بالتعليم المنزلي ووضع أسس لتقييمه كما هو الحال في أمريكا واستراليا وبلدان أخرى، حالياً من سيعلم ابناءه بنفسه في المنزل فعليه أن يتحمل تبعات هذا القرار، قد يكون الأمر إيجابياً لهم من ناحية وسيكون سلبياً لهم من ناحية أخرى.
أما الجانب الاجتماعي فهو أمر آخر يغضبني، لا أدري إلى أي مدى وصلت قناعة البعض أن المدرسة هي المكان الوحيد أو المكان الأنسب للتواصل الاجتماعي للطفل، أنا لا أوافق على هذه النظرة، على العكس أجد أن المدرسة هي صورة مشوهة للتواصل الاجتماعي فهي لا تعطي الطفل صورة كاملة عن المجتمع بل عن جزء منه.
بالنسبة لي أرى التواصل على مستوى الحي الذي يعيش فيه الطفل أهم بكثير من صداقاته في المدرسة، مجتمعاتنا العربية والمسلمة عموماً أساسها الأسرة لا أي مؤسسة أخرى، والأسر في الغالب تعيش في منطقة واحدة والانتقال من مكان لآخر لا يحدث لدينا كما يحدث في الغرب، الأمريكان مثلاً يرون بيع بيوتهم والانتقال لبيوت أخرى أمراً طبيعياً أما نحن ففي الغالب سنعيش في بيت واحد لمدة طويلة أي في حي واحد، الصداقات على مستوى الجيران والحي أراها أكثر أهمية وفائدة للطفل، أراها طبيعية أكثر من المدرسة.
ثم هناك التواصل الاجتماعي مع البقالة، السوبر ماركت، السوق، المؤسسات الحكومية، المكتبة، الحديقة العامة، عامل النظافة، الشرطي، إمام المسجد، بواب البناية وغير ذلك كثير، هؤلاء الأشخاص وهذه المؤسسات كلها جزء من المجتمع ومن المفترض أن المدرسة تعلم الطلاب كيف يتعاملون مع كل فرد وكل مؤسسة، هذا لن يحدث، على الأقل هذا لن يحدث في مدارسنا بوضعها الحالي، ولعل هذا أمر طبيعي مقبول لأن المدرسة لا يمكنها أن تقدم كل شيء وعلى الأسرة أن تكون هي أساس التعليم حتى لو كان الطفل يذهب لمدرسة، إرسال الطفل إلى مدرسة لا يرفع العبء عن الأسرة التي يجب أن تعلمه وتربيه.
اعتراضي هنا على فكرة أن المدرسة هي المكان الوحيد للتواصل الاجتماعي للطفل وإن كان الطفل يتعلم في المنزل فسنحرمه من هذا التواصل، لا أوافق هذا الكلام وأجد أن هذه مشكلة ستظهر لدى أي أسرة حتى لو أرسلت الطفل إلى مدرسة، التواصل الاجتماعي كما أسلفت أساسه الأسرة والحي وبيد الآبوين ربط الطفل بمحيطه الاجتماعي أو عزله عنه، مرة أخرى نعود للأسرة، ما يذكره البعض من سلبيات يمكن للأسرة المهتمة الحريصة أن تتجنبها.
نقطة أخرى مهمة وهذه رأيتها في منزلنا وبالتأكيد موجودة في منازل أخرى، وجود أجيال مختلفة حول الطفل ضروري لكي تنتقل الثقافة من جيل لآخر، كثير من أبناء إخواني رأوا أبي وتحدثوا معه ولعبوا معه، لن أنسى صورة أبي وهو يحبو على أربع بينما تركب ظهره ابنة أخي الصغيرة، وجود الأبناء مع الآباء والأجداد والأعمام والعمات هو نوع من التواصل الاجتماعي الأساسي، هذا لن يحدث في المدرسة، ولن يحدث عندما يقضي الطفل نصف يومه في المدرسة وفي المنزل يقضي معظم ما تبقى من يومه في الواجبات.
أعلم أنني حتى الآن لم أقدم حلاً عملياً أو كلاماً جديداً، كل ما قلته سابقاً سبق أن كتبته ... سابقاً!
كتاباتي في الماضي لم يكن هدفها أن أغير نظام التعليم فهذا أمر بعيد المنال وصعب - ليس مستحيلاً - هدفي أن أزرع فكرة عدم القبول بالنظام التعليمي بشكله الحالي، ربما لا توافق كلامي بسبب تجربتي في المدرسة، لا بأس بذلك، لا تستمع لي، استمع لخبراء التعليم والذين كتبوا كتباً وأبحاثاً مفصلة حول الموضوع، دعني أخبرك أنك ستجد ما قرأته هنا ستقرأ هناك بأسلوب مختلف، لكن هؤلاء خبراء وأناس قضوا حياتهم في التعليم،
ما الحل؟ أظن أن لدي جزء من الحل، سأكتب عنه في موضوع منفصل.
المصدر : مدونة عبدالله المهيري
دعوني أذكركم بأنني كنت طالباً في المدرسة، 6 سنوات في الابتدائية، و6 في الإعدادية مع أنها 3 لكنني كررت الأعوام، و4 في الثانوية لأنني فصلت في الأول الثانوي لغيابي المتكرر، أي 18 سنة خبرة في المدارس، شيء لا أفتخر به صدقني، وشيء لا أعتبره مقياساً لأي شيء في حين أعرف جيداً أن بعض أو كثير من الناس يقيسونني به.
لأبدأ بالجانب الأخلاقي، رأيت من القصص ما يكفي لكتابة سلسلة مقالات حول هذا الجانب، لكنني أستحي من ذكر التفاصيل، يكفي العاقل أن أخبره بأن 5 تشاركوا في الاعتداء على سادس وكان كل هذا بالتراضي، حدث هذا أيام الإعدادية وكنت وقتها رئيس مجلس الطلاب، رأيت طلبة يتحرشون بطالب في ساحة المدرسة وأمام أعين المدرسين والإدارة، لم يحدث هذا مرة أو مرتين طوال سنوات الدراسة بل يحدث مرات كل عام، رأيت في الفصل الذي أدرس فيه تصرفات أخجل من ذكرها، عندما كنت صغيراً كنت أسكت لأنني خائف كبقية طلبة الفصل وبعد سنوات كنت أتحدث وأتصادم مع طلاب أكبر مني سناً وحجماً ويكاد أحدهم يصبح جداراً ونتيجة لهذا التصادم كنت أقع في المشاكل معهم لكنني من ناحية أخرى أحترم الإدارة والمدرسين لذلك كانوا يقفون معي ويصدقون كلامي ... هذا عندما كانت إدارة المدرسة تحوي وكيلاً يحترم الطلاب.
رأيت وسمعت الكثير، أكاد أتقيأ عندما أفكر بالأمر، هذه القصص بدأت منذ أيام الابتدائية، هل يمكنك تخيل ذلك؟ طالب في أول عام دراسي له يبلغ من العمر 7 سنوات يتعرض لاعتداء من طالب آخر رسب سنوات عديدة حتى أصبح أحد المعالم البارزة في المدرسة، أصبح عموداً أو إهراماً لا يمكن تخيل المدرسة بدونه، رأيت وسمعت ذلك وتكرر الأمر مرات كثيرة.
أما المدرسين فلدي قصتان أعرف أبطالها، مدرس في الابتدائية وآخر في الإعدادية، كلاهما كشف وفضح من قبل الطلبة وتحركت إدارة المدرستين لفصلهما من العمل في التدريس، لكن قبل فضح البطلين كم مرة اعتدوا على الطلاب من قبل؟
أما اليوم فهناك أخبار الصحف، هل يمكنك أن تتخيل مدرس تحفيظ قرآن يمارس الفعل القبيح؟ حدث هذا وقرأنا عنه، حدث هذا في بلادنا وفي بلدان أخرى، الأمر ليس نادراً أو مجرد استثناء صغير حقير لا يستحق الذكر، والأمر يتكرر في المدارس على اختلاف أنواعها.
هذه بيئة المدرسة في الماضي، اليوم دخلت التقنية إلى المدرسة وأصبحت في جيوب الطلاب، كما ترى الاهالي يخافون على طلابهم فيشترون لهم هواتف، بعضهم يشتري هاتفاً لابنه لأنه لا يرى مشكلة في ذلك، أو لأن الابن ألح - أصر يصر إلحاحاً! - على شراء هاتف، وما المشكلة في ذلك؟ في الغالب لا مشكلة إلى أن تحدث مشكلة!
مدرسة اكتشفت في هاتف طفل في الابتدائية معرض صور إباحية، هذا طفل في الابتدائية فما الذي تحويه بعض هواتف طلاب الإعدادية والثانوية؟ أضف إلى ذلك أن التواصل بين الطلاب أصبح داخل وخارج المدرسة، في الماضي كان التواصل خارج المدرسة صعباً، الشبكة والهواتف اليوم ألغت المسافات، لذلك الطالب السيء أخلاقياً لديه فرصة لبث تأثيره أثناء الحصص المدرسية وبعد انتهاء الدوام.
حتى الآن أشعر أنني لم أكون صورة واضحة عن الوضع الأخلاقي في المدرسة، لكن أتمنى أن يكون ما كتبته كافياً لأنني لو دخلت في التفاصيل فلن أنتهي، لم أتحدث عن الاعتداء لفظياً أو جسدياً على الطلاب من قبل المدرسين أو طلاب آخرين، لا أعني اعتداء جنسي بل عنف فقط، عنف لفظي وجسدي، يحدث أن يتنمر بعض الطلاب على آخري، تتكون عصابات ترهب الطلاب وتخيفهم، رأيت من حوادث العنف في المدرسة ما يكفي وبعضها وصل لمرحلة خطيرة، أو لأكون أكثر وضوحاً، بعضها أوصل بعض الطلاب إلى المستشفى في حالة خطيرة.
بعد كل ما قلته أعلم جيداً أن هناك من يجهز رداً "لكنك تبالغ، الوضع ليس بهذا السوء، هناك إيجابيات لم تذكرها ... إلخ" وبالطبع علي أن أقول بأن الأمر ليس بهذه السوداوية لكن ما حدث ورأيته بعيني لم يمكنني أن أكذبه وما يحدث اليوم لا يمكننا التغاضي عنه، لنعترف أن هناك مشاكل أخلاقية في مدارسنا، لنعترف أن هناك طلاب أبرياء يتعرضون لاعتداء بأنواعه ومن بينها التحرش وهذا يدمرهم، لا يدمرهم ليوم أو يومين، إن ضرب الطالب فقد تظهر كدمة تحت عينه تزول مع الأيام لكن أخبروني متى سيذهب أثر الاعتداء والتحرش؟ هذا التحرش قد يبقى أثره طول حياة الإنسان ... لذلك أخي الكريم، أختي الكريمة، أرجوكم ... أرجوكم من أعماق قلبي، لا تقللوا من شأن التحرش.
نقطة أخيرة، عندما يعتدي طالب على آخر أو مدرس على طالب فهذا سيحدث عندما لا يكون هناك رقيب يشاهد، وأعلم جيداً أن الآباء والأمهات لا يذهبون إلى المدرسة مع أبنائهم بل يتركونهم للمدرسة على أساس أن الإدارة المدرسية مسؤولة، من ناحية الإدارة المدرسية لا يمكنها أن تراقب كل الطلاب في كل وقت ومن ناحية أخرى عندما تقع الفأس على الرأس لا يمكن للإدارة المدرسية أن تبتكر معجزة لتزيل كل آثار الضرر.
من ناحية التعليم كنت في الماضي القريب أظن أنني الصوت الوحيد الذي يقول أن التعليم في مدارسنا ليس بالمستوى الذي يبرر وجود الطالب 12 عاماً في المدرسة، اكتشفت لاحقاً أن هناك أناس كثر يؤيدون كلامي، فإن كنت أنا أقول هذا الكلام لأنني فاشل دراسياً فماذا عسى أن يكون رد الناس الذين يذكرونني بفشلي على آراء خبراء في التعليم؟ هل المدرس الذي قضى 30 عاماً في التعليم لا يفهم مثلاً؟ أو أنه هو الآخر فاشل دراسياً؟
لم تعد هناك فائدة من تحويل الموضوع ليناقش أمراً يخصني عندما يتفق آلاف من المعنيين بالتعليم والمتخصصين فيه على أن نظم التعليم حول العالم سلبياتها كثيرة ولم تعد تلبي حاجة العالم اليوم، هناك عشرات الكتب والأبحاث حول الموضوع، هناك تجارب عديدة حول العالم تثبت أن هناك طرقاً مختلفة للتعليم ولم يعد من المجدي التركيز على أسلوب واحد في التعليم، المدارس بشكلها الحالي وبأسلوبها الحالي ليست مقدسات لا تمس، ليست إهرامات لا تهدم، ليست جبالاً لا تتزحزح، التعليم اليوم من صنع البشر، وما هو من صنع البشر لا يمكنه أن يبقى صالحاً لكل مكان وزمان.
حتى وقت قريب كنت أقرأ لمن يؤيد كلامي في الشبكة أو في الكتب، وقد بدأت أسمع من آباء كلاماً يوافق كلامي، بعضهم يرى التعليم مضيعة للوقت لأن ابنائهم لا يتعلمون الكثير ويقضون نصف يومهم في المدرسة ويعودون للبيت متعبين يحلون واجباتهم وينامون ليعيدوا اليوم نفسه غداً وبعد غد، هل تستحق المدارس هذا الجهد؟ في الماضي كان مجرد طرح السؤال يعتبره البعض وقاحة والآن آباء يفكرون جدياً في بدائل المدرسة، وبالمناسبة لم أحدثهم أنا بشيء، لم أفسد عقولهم، هم الذين تحدثوا في الموضوع.
هل هؤلاء الآباء مجانين؟ لا ... بالطبع لا، بعضهم ينظر للأمر من ناحية عملية فلا يرى الجهد والوقت والمال الذي يبذل في التعليم يبرر وجود ابنه في المدرسة لوقت طويل، بعضهم يرى الأمر من ناحية أخلاقية فهو يخشى على ابنه من أي اعتداء وهذا الخوف له ما يبرره، يغضبني أن يقلل البعض من شان هذا الخوف، ما لن تقبله أبداً لابنك عليك ألا تقبله لآبناء الآخرين ولا تقلل من شأنه.
إن وصلت لهذا السطر فلعلك تهز رأسك وتسأل: طيب ما الحل؟
حالياً؟ وبكل صراحة؟ لا يوجد حل! أو لا يوجد حل بدون سلبيات كبيرة، فمثلاً أنا أدعوا للتعليم المنزلي، ولا يعني هذا أن كل أسرة قادرة على تعليم ابنائها، لا شك لدي أن الأسرة المهملة للأبناء لا يمكنها تعليمهم، لذلك خيار التعليم المنزلي هو خيار للأسرة الواعية الحريصة على ابنائها، الأسرة الحريصة على أن يتلقى ابنائها تعليماً بجودة عالية يحفظ للابناء عقولهم وينمي مواهبهم، هؤلاء الذين يمكنهم توفير هذا المستوى من التعليم سيناسبهم التعليم المنزلي ... هل هذا واضح؟
الاعتراض الأساسي للتعليم المنزلي يدور حول أمرين، الشهادة والتواصل الاجتماعي، التعليم المنزلي في بلداننا مفهومه مختلف كلياً عن التعليم المنزلي الذي أقرأ عنه ويمارس في بلدان مختلفة، فما أعرفه لدينا هو تعلم المنهاج المدرسي الرسمي ثم أداء الامتحانات في منتصف ونهاية العام، هذا كل شيء، بينما التعليم المنزلي في دول أخرى يعني أن الأسرة تضع المنهاج بأكمله لابنائها وهي تصمم كل الأنشطة التعليمية، هذا النوع من التعليم غير معترف به لدينا وبالتالي لن يحصل الطالب على شهادة وبالتالي ستكون نظرة المجتمع له سلبية ولن يحصل على عمل حتى لو كان الأخ غير الشقيق لآينشتاين ... بالمناسبة ماذا تعني الأخ غير الشقيق؟
قيمة الإنسان لدينا بحاجة لمراجعة، أسلوب الحصول على شهادة بحاجة لمراجعة، ونحن بحاجة لاعتراف رسمياً بالتعليم المنزلي ووضع أسس لتقييمه كما هو الحال في أمريكا واستراليا وبلدان أخرى، حالياً من سيعلم ابناءه بنفسه في المنزل فعليه أن يتحمل تبعات هذا القرار، قد يكون الأمر إيجابياً لهم من ناحية وسيكون سلبياً لهم من ناحية أخرى.
أما الجانب الاجتماعي فهو أمر آخر يغضبني، لا أدري إلى أي مدى وصلت قناعة البعض أن المدرسة هي المكان الوحيد أو المكان الأنسب للتواصل الاجتماعي للطفل، أنا لا أوافق على هذه النظرة، على العكس أجد أن المدرسة هي صورة مشوهة للتواصل الاجتماعي فهي لا تعطي الطفل صورة كاملة عن المجتمع بل عن جزء منه.
بالنسبة لي أرى التواصل على مستوى الحي الذي يعيش فيه الطفل أهم بكثير من صداقاته في المدرسة، مجتمعاتنا العربية والمسلمة عموماً أساسها الأسرة لا أي مؤسسة أخرى، والأسر في الغالب تعيش في منطقة واحدة والانتقال من مكان لآخر لا يحدث لدينا كما يحدث في الغرب، الأمريكان مثلاً يرون بيع بيوتهم والانتقال لبيوت أخرى أمراً طبيعياً أما نحن ففي الغالب سنعيش في بيت واحد لمدة طويلة أي في حي واحد، الصداقات على مستوى الجيران والحي أراها أكثر أهمية وفائدة للطفل، أراها طبيعية أكثر من المدرسة.
ثم هناك التواصل الاجتماعي مع البقالة، السوبر ماركت، السوق، المؤسسات الحكومية، المكتبة، الحديقة العامة، عامل النظافة، الشرطي، إمام المسجد، بواب البناية وغير ذلك كثير، هؤلاء الأشخاص وهذه المؤسسات كلها جزء من المجتمع ومن المفترض أن المدرسة تعلم الطلاب كيف يتعاملون مع كل فرد وكل مؤسسة، هذا لن يحدث، على الأقل هذا لن يحدث في مدارسنا بوضعها الحالي، ولعل هذا أمر طبيعي مقبول لأن المدرسة لا يمكنها أن تقدم كل شيء وعلى الأسرة أن تكون هي أساس التعليم حتى لو كان الطفل يذهب لمدرسة، إرسال الطفل إلى مدرسة لا يرفع العبء عن الأسرة التي يجب أن تعلمه وتربيه.
اعتراضي هنا على فكرة أن المدرسة هي المكان الوحيد للتواصل الاجتماعي للطفل وإن كان الطفل يتعلم في المنزل فسنحرمه من هذا التواصل، لا أوافق هذا الكلام وأجد أن هذه مشكلة ستظهر لدى أي أسرة حتى لو أرسلت الطفل إلى مدرسة، التواصل الاجتماعي كما أسلفت أساسه الأسرة والحي وبيد الآبوين ربط الطفل بمحيطه الاجتماعي أو عزله عنه، مرة أخرى نعود للأسرة، ما يذكره البعض من سلبيات يمكن للأسرة المهتمة الحريصة أن تتجنبها.
نقطة أخرى مهمة وهذه رأيتها في منزلنا وبالتأكيد موجودة في منازل أخرى، وجود أجيال مختلفة حول الطفل ضروري لكي تنتقل الثقافة من جيل لآخر، كثير من أبناء إخواني رأوا أبي وتحدثوا معه ولعبوا معه، لن أنسى صورة أبي وهو يحبو على أربع بينما تركب ظهره ابنة أخي الصغيرة، وجود الأبناء مع الآباء والأجداد والأعمام والعمات هو نوع من التواصل الاجتماعي الأساسي، هذا لن يحدث في المدرسة، ولن يحدث عندما يقضي الطفل نصف يومه في المدرسة وفي المنزل يقضي معظم ما تبقى من يومه في الواجبات.
أعلم أنني حتى الآن لم أقدم حلاً عملياً أو كلاماً جديداً، كل ما قلته سابقاً سبق أن كتبته ... سابقاً!
كتاباتي في الماضي لم يكن هدفها أن أغير نظام التعليم فهذا أمر بعيد المنال وصعب - ليس مستحيلاً - هدفي أن أزرع فكرة عدم القبول بالنظام التعليمي بشكله الحالي، ربما لا توافق كلامي بسبب تجربتي في المدرسة، لا بأس بذلك، لا تستمع لي، استمع لخبراء التعليم والذين كتبوا كتباً وأبحاثاً مفصلة حول الموضوع، دعني أخبرك أنك ستجد ما قرأته هنا ستقرأ هناك بأسلوب مختلف، لكن هؤلاء خبراء وأناس قضوا حياتهم في التعليم،
ما الحل؟ أظن أن لدي جزء من الحل، سأكتب عنه في موضوع منفصل.
المصدر : مدونة عبدالله المهيري
¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
وأدعوكم للإستفادة بمقالات متقدمة في مجال التقنية والأمن الإلكتروني
رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني Eagle Eye Digital Solutions
رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني Eagle Eye Digital Solutions