أزمة سيناء فرع عن محنة مصر أخبار الشبيبة

    • أزمة سيناء فرع عن محنة مصر أخبار الشبيبة

      * مصر أصابتها لعنتان أثرتا على نموها ودورها ومكانتها، هما اتفاقية كامب ديفيد والهيمنة الأمنية على مقدراتها. ولا غرابة فى أن تعاني سيناء منهما معا، لأن الذي أصاب الأصل لا يستغرب منه أن يمد أثره إلى الفرع.

      فهمي هويدي

      أما آن لنا أن نعترف بأن مشكلة سيناء هي مشكلة مصر مصغرة ومكثفة، وأنه لا سبيل أمامنا إلى حل الأولى، إلا إذا وجدنا حلا ناجعا للثانية؟

      (1)بين أيدينا لقطة طازجة تقرب الصورة إلى الأذهان، يوم السبت الماضي 24/7 نشرت صحيفة "الشروق" حوارا مع محافظ سيناء ومدير المخابرات الحربية الأسبق اللواء مراد موافي، شن فيه هجوما قاسيا على الناشطين من أبناء سيناء، إذ وصفهم بأنهم بلطجية وخارجون على القانون تحركهم قوى خارجية.

      في اليوم التالي مباشرة كان العنوان الرئيسي لصفحة الأهرام الأولى كالتالي: "فتحي سرور: المعارضة والحركات الاحتجاجية تعمل للهدم لا البناء. وتحت العنوان ذكرت الصحيفة أن رئيس مجلس الشعب: أكد أن في مصر حزبا يعمل وحركات احتجاجية ومعارضين يسعون للهدم لا البناء. وليس لدى هؤلاء أي رؤية للإصلاح، فهذه المجموعات تحمل الفؤوس لهدم كل شيء".

      هي لغة واحدة عبر عنها محافظ شمال سيناء ورئيس مجلس الشعب، الأول وصف الناشطين في سيناء بأنهم "بلطجية" تحركهم قوى خارجية، والثاني وصف المعارضين بأنهم هدامون وبعضهم يعمل لصالح المجهول. وهو اتفاق يثير الانتباه بالنظر إلى موقع كل من الرجلين. فمحافظ سيناء رجل عسكري مخضرم يمثل السلطة التنفيذية، أما الدكتور سرور فهو رجل قانون بالأساس، ويفترض أنه يمثل الشعب. ورغم المسافة الشاسعة بين موقعي الرجلين إلا أن منطقهما كان واحدا. إذ لم يترددا في شيطنة الآخر واتهامه، ولم ير أي منهما أن الحراك الحاصل يمكن أن يحمل في طياته شيئا يتصل بالصالح العام. الأمر الذي يعني أن العقل الذي يدير سيناء، لم يختلف في شيء عن العقل المهيمن في القاهرة، حتى لدى من نصبوا أنفسهم ممثلين عن الشعب.

      (2)إذا ركزنا النظر على المشهد في سيناء، فسنلاحظ أن جريدة "الشروق" نشرت على صدر صفحتها الأولى لعدد الجمعة الفائتة (23/7) عنوانا تحدث عن تصاعد المواجهات بين الداخلية (الشرطة) وبين قبائل بدوية في جبل عتاقة بسيناء. لم يكن الخبر مفاجئا أو مثيرا. فقد اعتدنا طوال السنوات الأخيرة على وقوع مثل هذه الاشتباكات، التي كادت تقنعنا بأن سيناء تحولت إلى ساحة حرب بين الأجهزة الأمنية والشرطة من ناحية، وبين القبائل من ناحية ثانية. لقد تفاءلنا -أو أريد لنا أن نتفاءل- باجتماع وزير الداخلية في 29 يونيو الفائت مع شيوخ القبائل الذين تم استقدامهم من سيناء، بعدما تصاعدت موجة الاشتباكات بين الشرطة والقبائل، لكن تبين أن التفاؤل كان تعبيرا عن الإفراط في حسن الظن، حيث تم اكتشاف محاولة لتسميم ثلاثة من قيادات بدو وسط سيناء على يد عميل جنده جهاز أمن الدولة.

      جدد ذلك الحادث هواجس الشك في موقف الأجهزة الأمنية، ونكأ الحادث جراحا قديمة، وأعاد إلى الأذهان وقائع كثيرة كامنة في الذاكرة، منذ ظهرت عناصر أمن الدولة في سيناء بصورة لفتت الأنظار بعد انسحاب الإسرائيليين في العام 1982وحين حدث الزلزال الأمني الكبير هناك في عقب تفجيرات طابا في العام 2004ثم تفجيرات شرم الشيخ العام 2005، وما حدث في "دهب" العام 2006.

      استعاد أهل سيناء أيضا ذكريات ما جرى العام 2007، الذي يعد نقطة تحول في المواجهة بين الشرطة والقبائل. إذ تعددت حوادث القتل بين الأهالي التي اتهمت فيها الشرطة مما فجر مشاعر الغضب في أرجاء سيناء.

      في عامي 2008 و 2009 كان قد وقع العدوان على غزة، ثم حدث اشتباك بين الشرطة والأهالي بسبب إزالة المساكن في رفح لإقامة السور الفولاذي، الذي يحكم حصار غزة.

      وحين بدا أن الأمور تزداد تفاقما عاما بعد عام، وأن الأساليب البوليسية وسعت من دائرة السخط والتمرد. بل ودفعت الناشطين من أبناء سيناء إلى التلويح بتهديدات أقلقت السلطة، إضافة إلى أن قضيتهم وصلت إلى المحافل الدولية. حينذاك تم ترتيب اجتماع شيوخ القبائل مع وزير الداخلية، واتخذت إجراءات تخفيف الضغوط وإطلاق سراح المعتقلين.

      (3)لا مجال للدفاع عن جرائم ارتكبت على أيدي نفر البدو إذا ثبتت وقائعها أو عن محاولات التهريب التي تورط فيها البعض. لكنني أزعم أن التعميم في ذلك يعد خطأ جسيماً. كما أزعم أن الأجهزة الأمنية إذا ما عاملت أبناء سيناء بنفس الأسلوب الذي تتعامل به مع بقية أبناء الشعب المصري في تجاهل لجغرافية المنطقة أو خصوصية الوضع الاجتماعي والقبلي، فإنها بذلك تفجر أوضاعا لا قبل لها بها.

      أدري أن ثمة أطماعا في سيناء، وهناك من يطرح لها سيناريوهات جهنمية تستهدف استقرار مصر وأمنها، وهي خلفية يفترض أن تكون حافزا على اتباع سياسة أكثر حكمة وحنكة للتفاعل مع سيناء، وليس التخاصم أو التنابذ مع قبائلها.

      (4)في كتاب «شخصية مصر»، ذكر الدكتور جمال حمدان أستاذ الجغرافيا السياسية الراحل، أن سيناء تختزل مصر من الناحية الجغرافية. حتى اعتبرها «ملخصها الجغرافي». ويبدو أن هذا الاختزال حاصل على الصعيد السياسي أيضا، على الأقل من زاويتين أساسيتين هما:أولا: كما أن مصر قبل كامب ديفيد غير مصر بعدها، كذلك سيناء. مصر بعد كامب ديفيد انكفأت على ذاتها، وخرجت من محيطها العربي، وصارت حليفا استراتيجيا لأعدائها الاستراتيجيين. أما سيناء فقد أصبحت مرتهنة للإسرائيليين، وبسبب جوارها الجغرافي فإن اتفاقية كامب ديفيد أرادت لها أن تكون إحدى ضمانات الدفاع عن أمنها. على مستويين. فمن ناحية اعتبر الشريط الحدودي الممتد من البحر المتوسط وحتى جنوب سيناء، أقرب إلى المنطقة العازلة منزوعة السلاح، اقتصر الوجود الأمني فيها على الشرطة فحسب، بإعداد مقررة، وبتسليح محدود وعدد متفق عليه من سيارات الجيب، إلى غير ذلك من الاشتراطات.

      على صعيد آخر، وطالما نظرت إسرائيل إلى سيناء باعتبارها إحدى جبهات الدفاع عن أمنها، فإن عينها ظلت مفتوحة على ما يجري فيها، بحيث أصبحت شديدة الحساسية إزاء أي جهد حقيقي للتنمية على أرضها. وغدا ترحيبها منصبا على المشروعات التي يمكن أن تستفيد منها.

      ثانيا: حين اعتبرت سيناء حالة أمنية، أطلقت فيها يد الشرطة ومباحث أمن الدولة فإن ذلك يعد صورة طبق الأصل لما يحدث في مصر، التي أصبحت مصائر الحياة السياسية والاجتماعية، مرتبطة كلها بالقرار الأمني.

      إن شئت فقل إن مصر أصابتها لعنتان أثرتا على نموها ودورها ومكانتها، هما اتفاقية كامب ديفيد والهيمنة الأمنية على مقدراتها. ولا غرابة في أن تعاني سيناء منهما معا، لأن الذي أصاب الأصل لا يستغرب منه أن يمد أثره إلى الفرع. من ثم فلا أمل في أن تبرأ سيناء مما حل بها طالما أن معاناة مصر من اللعنتين مستمر. وهو ما يدعونا إلى قراءة المشهد على نحو مختلف، والتفكير في مهماته بصورة أكثر جذرية.

      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية