فساد التاريخ أخبار الشبيبة

    • فساد التاريخ أخبار الشبيبة

      * تحول علم التاريخ اليوم في عالمنا العربي، بفعل فاعل وعن قصد وترصد إلى نكتة عصرية رائجة، في جامعاتنا ومؤسساتنا العلمية، في مدارسنا ومعاهدنا وبتواطؤ غريب من النخب المتعلمة و"المتثاقفة"، وبعض دوائر" التكنوقراط" ومحدثي المعرفة..

      سعيد بن سلطان الهاشمي

      لفساد الحاضر تأثير خطير يمتد من التاريخ الذي نفسده بفساد رؤيتنا له، ويتصل بالمستقبل الذي نفسده بتقزيم أحلامنا معه. وفي عمان للتاريخ سلطته الظاهرة؛ فعن أي تاريخ نتحدث؟!

      ألم يحن الوقت بعد، لأن يقوم باحثو علم التاريخ في عُمان بإعادة قراءة تاريخهم؛ سواء القديم الزاخر أم الحديث والمعاصر الغني بالمثير والمدهش من الأحداث والتجارب. ألم يحن الوقت بعد للاشتغال على هذه المادة الثرية وإعادة تقديمها لأبناء اليوم، وأجيال الغد بالصورة الواقعية في إطار علمي، وتحليل معمق يسبر مبررات الزمان، وتأثيرات المكان.

      ألم يأتِ الوقت المناسب الذي تساعدنا فيه هذه النخب المتخصصة في التحرر من تأثير المصالح الآنية أو سلطة الذاكرة الشفهية المشّوهة في أحيان كثيرة، والبعيدة عن الموضوعية والصدقية في تصوير ما مضى من أحداث وروايتها وفق ما يناسب الهوى والمزاج، لا وفق ما تتطلبه الحقيقة، والتي تستوجب احتراما للعقل، وصرامة في المصداقية، وشجاعة في التوثيق والتأريخ.

      لقد ظُلم تاريخنا مرتان؛ مرة عندما كتب أغلبه بطريقة تقليدية، لا تتعدى السرد اليومي لبعض الأحداث، امتزج فيها الكثير من عدم الدقة، على قلة المهتمين بتلك المهمة الشاقة أصلاً، والثانية عندما تأخر جيل اليوم وخاصة المتخصصين منهم، ومن يملك أدوات التشريح، ومباضع الجراحة التاريخية من إعطاء هذا الكنز الوقت والجهد والمال الذي يستحق وإشباعه بحثاً واستقصاء. والأهم، بعث الحياة في ذلك التاريخ لكي يعيش بيننا حياً مؤثراً، مُوجِهاً ومعالجاً لكثير من أغصان الظواهر الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والنفسية الماثلة أمام أعيننا، التي أعتقد أن لها جذعا قويا وجذورا حضارية في أعماق ذلك التاريخ.

      إن علم التاريخ تحول اليوم في عالمنا العربي، بفعل فاعل وعن قصد وترصد إلى نكتة عصرية رائجة، في جامعاتنا ومؤسساتنا العلمية، في مدارسنا ومعاهدنا وبتواطؤ غريب من النخب المتعلمة و"المتثاقفة"، وبعض دوائر "التكنوقراط" ومحدثي المعرفة، التي روجت إعلاميا وعمليا، عزز ذلك عجز محبي هذا العلم عن ابتكار وسائل تجذب الناس وتقنعهم بالفائدة والمتعة التي تقبع وراء العناية بالتاريخ علماً وعالماً.

      لقد غدا علم التاريخ في حاضرنا، علم الأموات والأحداث التي مضت وانتهت، علم لا مستقبل وظيفي له، وتخصص لا يمكن أكل العيش من ورائه. كما أغلقت أقسام التاريخ والعلوم ذات العلاقة به بداعي عدم احتياج أسواق العمل لهذا النوع من التخصصات أو التقتير على ميزانيات البحث العلمي المخصصة لعلماء الإنسانيات عموما والتاريخ على وجه التخصيص.

      أولم يعلم هؤلاء بأن الشعوب والأمم التي تتقدمنا اليوم لا تتحرك إلا واستقراؤها لتاريخها وماضيها تلزمها كظلها. أولم يعلم هؤلاء أن الحفر في التفاصيل الماضية والأحداث السالفة؛ هو ما يميز منهجها في التفكير والتحليل والتنبؤ والاستقراء ومن ثم القرار. أولم يعلم هؤلاء أن ما يبرر ريادة هذه الأمم في كثير من الميادين هو قدرتها على النفاذ والصبر في سبر تواريخ وذخائر الآخرين تمهيدا للسيطرة عليهم سياسيا أو اقتصاديا؛ ألم تشدنا اهتماماتهم بدراسة طرائق المأكل والمشرب والملبس وجذور تشكلها. ألم تدهشنا وسائل تتبعهم وتوثيقهم وفحصهم لميراث الإنسانية في الفنون والآداب والعلوم ودراسة انعكاساتها على الذاكرة والشخصية والحياة بكل تفاصيلها. ألم يثر إعجابنا دائماً توظيف كل ما سبق في إنتاج أدب رفيع، وسينما مؤثرة، وصناعة مقنعة، وسياحة مريحة بوسائل التقانة الحديثة والاتصالات السريعة والتبادل الكريم والسهل للمعلومات والخبرات.

      ما زلنا نسخر من أستاذ التاريخ بثيابه الرثة، أو نستسهل المادة المقررة في مدارسنا أو جامعاتنا على أنها تحصيل حاصل، أو غير ذات أهمية. إنهم يعرفون عنا أكثر مما نعرفه عن أنفسنا، ولذلك هم يحاصروننا بالذي يريدونه منا، ونحن نحاصر ذواتنا بالذي عندهم؛ انبهاراً بهم، واستصغاراً بما نملك أو حتى بما نتمنى ونأمل ونتوقع.

      لقد هُزمنا أمام أنفسنا عندما شوهنا تاريخها في حياتنا، وعندما أوهمتنا عقولنا أن الواقع والحياة اليومية جديران لوحدهما بالرعاية والاهتمام وصرف الجهد والمال، أفردا كنا أم مؤسسات.

      إن جدوى طرح هذا الموضوع، ما هو إلا محاولة صغيرة للفت انتباه، وتواصل مطالبات أهل الاختصاص ببذل مزيد من الجهد، على شكل أبحاث ودراسات وكتابات وأدبيات، مستمرة ومتواصلة، صادمة وصادقة، حقيقة ومعمقة، ليدوم تأثيرها وإشعاعها ويساهم في بعث جيل غير مزيف، جيل يحمل على عاتقه هم التغيير والإصلاح المتواصل لما أنجز وما سينجز في واقع اليوم أو مستقبل الغد.

      أصبح الإنسان العماني اليوم يملك من القدرة والرغبة والرؤية ما يؤهله لأن ينفض عن عقله المسلمات الخانقة التي يطوق بها نفسه، وعن قلبه الانفعالات العاطفية المتسرعة التي يستهلك معها حياته، وعن عينه وأذنه، الصور السريعة والبراقة والتي لا تعكس إلا خواء وتسطحا لن يذهب بنا بعيداً.

      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية