* على المصريين أن يفتخروا بموروثهم العربي، طالما أن هذا الموروث أحد مكونات الموروث المصري. لقد صارت العربية المصرية لهجة قائمة بنفسها، مفهومة في كل البلاد العربية. لذا، على المصريين أن ينظروا إلى موروثهم العربي كمصدر فخر، حتى وإن لم يروا أنفسهم عربا.
باهر إبراهيم
مصر دولة عربية، على الأقل من المفترض بها أن تكون كذلك. وربما يكون هذا أكثر وضوحا لو نظرنا إلى مسماها الرسمي، ألا وهو جمهورية مصر العربية، كما أنها دولة عضوة في جامعة الدول العربية، وشعبها يتحدث العربية. وأي شخص من خارج مصر يراها دولة عربية.
لكن الحقيقة على الأرض مختلفة عن ذلك قليلا. فالعديد من المصريين يفضلون أن يطلقوا على أنفسهم كلمة "مصريين"، ويديرون ظهرهم تماما لكلمة "عرب". ويغلب على هذا المعسكر؛ معسكر "مصريون وليس عربا" الأقباط المسيحيون. ففي منطقة سوادها الأعظم من المسلمين، اقترنت كلمة عربي بكلمة مسلم، وصارتا مترادفتين، رغم وجود أعداد كبيرة من المسيحيين في العديد من الدول العربية.
وغالبية أقباط مصر يحملون اعتقادا بأنهم أصحاب الدم الأنقى من بين كل المنحدرين من المصريين القدماء. ولقد قال لي صديق قبطي إنه يؤمن في قرارة نفسه أنه مصري صميم ومن منحدر فرعوني، وأن الشيء الوحيد الذي يربطه بالعرب هو اللغة العربية.
وتدعم الدراسات التي تمت على الحمض النووي للمصريين المعاصرين وجهة النظر التي تقول إنه لا مسلمو مصر ولا أقباطها عرب. وكل أشكال الاحتلال والغزو الذي مرت به مصر (من بين ذلك الفتح العربي الإسلامي لمصر) لا يبدو أنها مسؤولة عن تشكيل أكثر من 15 بالمائة من السلالة المصرية.
لذا، المصريون من المنظور الجيني ليسوا عربا، لكنهم كذلك من المنظور الثقافي واللغوي. لقد كانت تلك هي الحقيقة ذات يوم، بخاصة في تلك الفترة التي أعقبت ثورة 1952، عندما كانت أحلام جمال عبد الناصر بقومية عربية لا تزال حية. وقتها كانت مصر عربية للغاية، حتى إن كلمة "مصر" تم التخلي عنها لصالح "الجمهورية العربية المتحدة"- وقت الاتحاد مع سوريا.
ورغم هذا، بدأت الهوية العربية اليوم في التحول الى أمر جانبي لدى بعض مسلمي مصر أيضا. وهذا أوضح ما يكون بين الجيل الأصغر سنا من المصريين. ففي كل حوار يومي نجد أن لفظة "عرب" يشار بها إلى مواطنى دول الخليج. والكثير من المصريين يحافظون لأنفسهم على هوية مصرية مميزة، كما أنه من الممكن ملاحظة ذلك الإحساس القوي بالقومية والوطنية، حتى في الحديث العابر. وحتى أولئك المصريون الذين يمرون بأحلك الظروف لا يتوانون عن تأكيد تفوقهم على كل جيرانهم على امتداد البحر الأحمر.
كما أن مشاعر مناهضة العروبة التي يحملها بعض المصريين يعمقها ذلك الاحساس بالغضب من المعاملة غير الجيدة التي يلقاها بعض العاملين المصريين في دول الخليج، على يد إخوانهم العرب. والكثير من المصريين، ممن أعرفهم جيدا وعملوا في بعض دول الجوار، كانوا يشعرون دوما بأنهم مكروهون وأن وجودهم هناك محل قبول عن اضطرار. وهذا ليس محصورا على دول الخليج، فالأمر نفسه يحدث في ليبيا.
وسواء كانت تلك المشاعر حقيقية أو محض خيالات هي ساعدت في تسريع اتساع الفجوة بين المصريين و"الأخوة العرب"، وأذكت القومية المصرية، بينما تبقي الميديا والحكومة على "الوضع الرسمي"، الذي يقول إن الجميع أخوة عرب. كما أن المناهج المدرسية لمادة التاريخ تركز بشكل غير متناسب على التاريخ الإسلامي والتاريخ العربي، ولا تقترب من مصر القبطية كتاريخ إلا نادرا. وفي هذا ظلم لتاريخ مصر الثري، كما أنه يثمر عن مصريين يعرفون القليل جدا عن الفترات بين مصر الفرعونية وفتح مصر.
ووصل الحوار المناهض للعرب لذروته في نوفمبر الفائت، خلال ما صار يعرف "بأزمة" مباراة كرة القدم بين مصر والجزائر، بعدما ألحقت الجزائر بمصر هزيمة مرة في مباراة مصيرية جرت في السودان، ضاعت بسببها أحلام مصر في الوصول لكأس العالم. واشتعلت حرب إعلامية، هاجمت فيها كل دولة من الدولتين رموز الدولة الأخرى. بل عبر العديد من المصريين عن رغبتهم في قطع كل العلاقات الدبلوماسية مع الجزائر.
ورغم أن مباراة كرة قدم هي أمر ليس بالمؤثر، تضخمت الأمور، حتى إن بعض المصريين أسسوا جماعات على الموقع الالكترونى الشهير "فيس بوك" تتمحور كلها حول عبارة "أنا مصري، لست عربيا"- وهو الأمر الذي كان حتى وقت قريب مقتصرا على الأقباط المصريين. كما ظهرت جماعة أخرى على نفس الموقع اسمها" أنا مصري فمن أنت؟"، تهدف الى تحفيز مشاعر الفخر والفخار بالانتماء أولا لمصر. ومع مواصلة الميديا الرسمية الإبقاء على الخط الرسمي القائل إننا جميعا أخوة عرب، تهب حملة الكترونية ضخمة (غير رسمية) من خلال التدوين لتؤكد على الهوية المصرية الفرعونية غير العربية لمصر.
وبينما تبدو العودة إلى هوية فرعونية خالصة فكرة رومانسية، يجب الاعتراف بأن إعادة الزمن للوراء كمحاربة طواحين الهواء. فمصر تتحدث العربية منذ قرون، ويحيط بها من كل ناحية جيران عرب. بل إنه على المصريين أن يفتخروا بموروثهم العربي، طالما أن هذا الموروث أحد مكونات الموروث المصري. لقد صارت العربية المصرية لهجة قائمة بنفسها، مفهومة في كل البلاد العربية. كما أن الأديب العربي الوحيد الذي فاز بنوبل مصريا. لذا، على المصريين أن ينظروا الى موروثهم العربي كمصدر فخر، حتى وإن لم يروا أنفسهم عربا.
باهر إبراهيم
مصر دولة عربية، على الأقل من المفترض بها أن تكون كذلك. وربما يكون هذا أكثر وضوحا لو نظرنا إلى مسماها الرسمي، ألا وهو جمهورية مصر العربية، كما أنها دولة عضوة في جامعة الدول العربية، وشعبها يتحدث العربية. وأي شخص من خارج مصر يراها دولة عربية.
لكن الحقيقة على الأرض مختلفة عن ذلك قليلا. فالعديد من المصريين يفضلون أن يطلقوا على أنفسهم كلمة "مصريين"، ويديرون ظهرهم تماما لكلمة "عرب". ويغلب على هذا المعسكر؛ معسكر "مصريون وليس عربا" الأقباط المسيحيون. ففي منطقة سوادها الأعظم من المسلمين، اقترنت كلمة عربي بكلمة مسلم، وصارتا مترادفتين، رغم وجود أعداد كبيرة من المسيحيين في العديد من الدول العربية.
وغالبية أقباط مصر يحملون اعتقادا بأنهم أصحاب الدم الأنقى من بين كل المنحدرين من المصريين القدماء. ولقد قال لي صديق قبطي إنه يؤمن في قرارة نفسه أنه مصري صميم ومن منحدر فرعوني، وأن الشيء الوحيد الذي يربطه بالعرب هو اللغة العربية.
وتدعم الدراسات التي تمت على الحمض النووي للمصريين المعاصرين وجهة النظر التي تقول إنه لا مسلمو مصر ولا أقباطها عرب. وكل أشكال الاحتلال والغزو الذي مرت به مصر (من بين ذلك الفتح العربي الإسلامي لمصر) لا يبدو أنها مسؤولة عن تشكيل أكثر من 15 بالمائة من السلالة المصرية.
لذا، المصريون من المنظور الجيني ليسوا عربا، لكنهم كذلك من المنظور الثقافي واللغوي. لقد كانت تلك هي الحقيقة ذات يوم، بخاصة في تلك الفترة التي أعقبت ثورة 1952، عندما كانت أحلام جمال عبد الناصر بقومية عربية لا تزال حية. وقتها كانت مصر عربية للغاية، حتى إن كلمة "مصر" تم التخلي عنها لصالح "الجمهورية العربية المتحدة"- وقت الاتحاد مع سوريا.
ورغم هذا، بدأت الهوية العربية اليوم في التحول الى أمر جانبي لدى بعض مسلمي مصر أيضا. وهذا أوضح ما يكون بين الجيل الأصغر سنا من المصريين. ففي كل حوار يومي نجد أن لفظة "عرب" يشار بها إلى مواطنى دول الخليج. والكثير من المصريين يحافظون لأنفسهم على هوية مصرية مميزة، كما أنه من الممكن ملاحظة ذلك الإحساس القوي بالقومية والوطنية، حتى في الحديث العابر. وحتى أولئك المصريون الذين يمرون بأحلك الظروف لا يتوانون عن تأكيد تفوقهم على كل جيرانهم على امتداد البحر الأحمر.
كما أن مشاعر مناهضة العروبة التي يحملها بعض المصريين يعمقها ذلك الاحساس بالغضب من المعاملة غير الجيدة التي يلقاها بعض العاملين المصريين في دول الخليج، على يد إخوانهم العرب. والكثير من المصريين، ممن أعرفهم جيدا وعملوا في بعض دول الجوار، كانوا يشعرون دوما بأنهم مكروهون وأن وجودهم هناك محل قبول عن اضطرار. وهذا ليس محصورا على دول الخليج، فالأمر نفسه يحدث في ليبيا.
وسواء كانت تلك المشاعر حقيقية أو محض خيالات هي ساعدت في تسريع اتساع الفجوة بين المصريين و"الأخوة العرب"، وأذكت القومية المصرية، بينما تبقي الميديا والحكومة على "الوضع الرسمي"، الذي يقول إن الجميع أخوة عرب. كما أن المناهج المدرسية لمادة التاريخ تركز بشكل غير متناسب على التاريخ الإسلامي والتاريخ العربي، ولا تقترب من مصر القبطية كتاريخ إلا نادرا. وفي هذا ظلم لتاريخ مصر الثري، كما أنه يثمر عن مصريين يعرفون القليل جدا عن الفترات بين مصر الفرعونية وفتح مصر.
ووصل الحوار المناهض للعرب لذروته في نوفمبر الفائت، خلال ما صار يعرف "بأزمة" مباراة كرة القدم بين مصر والجزائر، بعدما ألحقت الجزائر بمصر هزيمة مرة في مباراة مصيرية جرت في السودان، ضاعت بسببها أحلام مصر في الوصول لكأس العالم. واشتعلت حرب إعلامية، هاجمت فيها كل دولة من الدولتين رموز الدولة الأخرى. بل عبر العديد من المصريين عن رغبتهم في قطع كل العلاقات الدبلوماسية مع الجزائر.
ورغم أن مباراة كرة قدم هي أمر ليس بالمؤثر، تضخمت الأمور، حتى إن بعض المصريين أسسوا جماعات على الموقع الالكترونى الشهير "فيس بوك" تتمحور كلها حول عبارة "أنا مصري، لست عربيا"- وهو الأمر الذي كان حتى وقت قريب مقتصرا على الأقباط المصريين. كما ظهرت جماعة أخرى على نفس الموقع اسمها" أنا مصري فمن أنت؟"، تهدف الى تحفيز مشاعر الفخر والفخار بالانتماء أولا لمصر. ومع مواصلة الميديا الرسمية الإبقاء على الخط الرسمي القائل إننا جميعا أخوة عرب، تهب حملة الكترونية ضخمة (غير رسمية) من خلال التدوين لتؤكد على الهوية المصرية الفرعونية غير العربية لمصر.
وبينما تبدو العودة إلى هوية فرعونية خالصة فكرة رومانسية، يجب الاعتراف بأن إعادة الزمن للوراء كمحاربة طواحين الهواء. فمصر تتحدث العربية منذ قرون، ويحيط بها من كل ناحية جيران عرب. بل إنه على المصريين أن يفتخروا بموروثهم العربي، طالما أن هذا الموروث أحد مكونات الموروث المصري. لقد صارت العربية المصرية لهجة قائمة بنفسها، مفهومة في كل البلاد العربية. كما أن الأديب العربي الوحيد الذي فاز بنوبل مصريا. لذا، على المصريين أن ينظروا الى موروثهم العربي كمصدر فخر، حتى وإن لم يروا أنفسهم عربا.
¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية