* الهزيمة المدوية التي تعرض لها كانت على أيدي واقعية ووحشية توماس هوبز وتقديمه للحرب والصراع في حياة البشر والمجتمعات والدول كانت أكثر من كافية لتعيد الزج بكل الأفكار التفاؤلية أو خطية المبتدأ والمنتهى في أتون إعادة النظر والنقد والتشكيك.
د. خالد الحروب
تمتعت طلائعية المثقف وريادته ودوره في الشأن العام بدعم إضافي في النصف الثاني من القرن العشرين نتيجة انتشار الإعلام الجماهيري: الصحف، الإذاعة، ثم التليفزيون. وحدث هذا التغير الإيجابي في معظم المجتمعات وتجاوز تصنيفاتها المتنوعة كمتقدمة أو نامية. في كل وضع اجتماعي وعام بدا وكأن المثقف يتسنم دورا متصاعدا جوهره الدفاع عن قيم العدالة والانتصار للمظلومين ونقد السلطات والأنظمة الإكراهية التي تنزع بالتعريف نحو التهام مساحات حرية الأفراد، وحقوقهم، ومصائرهم.
في العالم المتقدم، أو الغرب، ومن رماد الحربين العالميتين اللتين أطاحتا بعشرات الملايين من البشر انتفض مثقفون ينطلقون من خلفيات متعددة ينتقدون السعار الذي قاد إليه العلم الحديث في إحلال الدمار الذاتي في العالم والبشرية. وضع مشروع الحداثة برمته على محك النقد والتفكيك لاستكناه جوانب الضعف الفلسفي التي تتيح لجبروت القوة وإغرائها وغطرستها أن يفلت من أي قيود كوحش قاتل قمين بالقضاء على كل جوانب الحياة.
كان السؤال الوجودي الذي أقض عقول جيل من المثقفين كيف يمكن للعلم الذي راهنت عليه أوروبا للخروج من ظلام القرون الوسطى وسيطرة الدين الاستعبادية أن يدفع مجتمعاتها وقادتها إلى حواف الجنون والتدمير الذاتي والعنصرية وأنواع الاستعمار والحروب التي لا تنتهي.
كانت الحسابات والأفكار العقلانية "الكانتية"، تبعا لإيمانويل كانت، والتي تبشر بعالم ينقاد نحو السلم العالمي في مسار الدمقرطة الجماعية الحتمية، قد ألهبت خيال كثيرين في القرن التاسع عشر، ودفعت بهم نحو تأمل عالم مثالي موحد. لكن الهزيمة المدوية التي تعرض لها كانت على أيدي واقعية ووحشية توماس هوبز وتقديمه للحرب والصراع في حياة البشر والمجتمعات والدول كانت اكثر من كافية لتعيد الزج بكل الأفكار التفاؤلية أو خطية المبتدأ والمنتهى في أتون إعادة النظر والنقد والتشكيك.
أهم نتائج إعادة النظر تلك كانت في صك قانون الشك في القوة والسلطة وأحاطتهما بكل سبل التحوط والتقييد خشية الإنفلات ثانية باتجاه الحروب والتدمير. كانت تلك لحظة حاسمة وكبيرة من لحظات الاختبار الكبير للحداثة السياسية، بتمثلات وشطط قوتها الفائضة، سواء داخل أوروبا أو خارجها، وتمثلات بدائلها والآسيوية (وتحديدا التوغل الاستعماري الياباني). وكان المثقف واقفا في قلب تلك اللحظة وموجها لها: فلسفيا، وسياسيا، وقانونيا، وفنيا، وإعلاميا. وتطور وعي ما بعد الحرب النافر منها ومن كل السياسة التي تقود إليها، والمؤمن بإمكانيات الإنسان في إيجاد تزواج ومصالحات بين المصالح المتنافسة والمتضاربة عوض حسمها بالحرب، أو على أقل تقدير حسمها بطرق سلمية وتفاوضية.
في الجزء الآخر من العالم، أي في العالم الثالث أو النامي، وقف المثقف في قلب عملية تحول تاريخي أخرى متمثلة في التحرر ونزع الاستعمار والاستقلال الوطني. في معظم، إن لم يكن في كل حركة تحرر وطني في العالم المُستَعمر، برز مثقفون مناضلون كانوا ضمن "الطليعة الثورية" التي حملت على عاتقها عبء مقاومة الاستعمار، وعبء النهوض بمجتمعاتها من حقبة التخلف.
أنضوى هؤلاء في معظمهم تحت تعريف المثقف العضوي، أو المثقف الغرامشي، المنتمي إلى طبقة أو حزب أو مجتمع، والمدافع عن حقوقه والمنافح عنها ضد الاستغلال وقواه متنوعة المصدر. وانخرطت أجيال من المثقفين العضويين في الصراع الدامي خلال حقبة التحرر، وكانت المعركة المزدوجة، ضد الاستعمار من جهة والاستبداد من جهة ثانية، طويلة ومريرة ومكلفة. khaled.hroub@yahoo.com
د. خالد الحروب
تمتعت طلائعية المثقف وريادته ودوره في الشأن العام بدعم إضافي في النصف الثاني من القرن العشرين نتيجة انتشار الإعلام الجماهيري: الصحف، الإذاعة، ثم التليفزيون. وحدث هذا التغير الإيجابي في معظم المجتمعات وتجاوز تصنيفاتها المتنوعة كمتقدمة أو نامية. في كل وضع اجتماعي وعام بدا وكأن المثقف يتسنم دورا متصاعدا جوهره الدفاع عن قيم العدالة والانتصار للمظلومين ونقد السلطات والأنظمة الإكراهية التي تنزع بالتعريف نحو التهام مساحات حرية الأفراد، وحقوقهم، ومصائرهم.
في العالم المتقدم، أو الغرب، ومن رماد الحربين العالميتين اللتين أطاحتا بعشرات الملايين من البشر انتفض مثقفون ينطلقون من خلفيات متعددة ينتقدون السعار الذي قاد إليه العلم الحديث في إحلال الدمار الذاتي في العالم والبشرية. وضع مشروع الحداثة برمته على محك النقد والتفكيك لاستكناه جوانب الضعف الفلسفي التي تتيح لجبروت القوة وإغرائها وغطرستها أن يفلت من أي قيود كوحش قاتل قمين بالقضاء على كل جوانب الحياة.
كان السؤال الوجودي الذي أقض عقول جيل من المثقفين كيف يمكن للعلم الذي راهنت عليه أوروبا للخروج من ظلام القرون الوسطى وسيطرة الدين الاستعبادية أن يدفع مجتمعاتها وقادتها إلى حواف الجنون والتدمير الذاتي والعنصرية وأنواع الاستعمار والحروب التي لا تنتهي.
كانت الحسابات والأفكار العقلانية "الكانتية"، تبعا لإيمانويل كانت، والتي تبشر بعالم ينقاد نحو السلم العالمي في مسار الدمقرطة الجماعية الحتمية، قد ألهبت خيال كثيرين في القرن التاسع عشر، ودفعت بهم نحو تأمل عالم مثالي موحد. لكن الهزيمة المدوية التي تعرض لها كانت على أيدي واقعية ووحشية توماس هوبز وتقديمه للحرب والصراع في حياة البشر والمجتمعات والدول كانت اكثر من كافية لتعيد الزج بكل الأفكار التفاؤلية أو خطية المبتدأ والمنتهى في أتون إعادة النظر والنقد والتشكيك.
أهم نتائج إعادة النظر تلك كانت في صك قانون الشك في القوة والسلطة وأحاطتهما بكل سبل التحوط والتقييد خشية الإنفلات ثانية باتجاه الحروب والتدمير. كانت تلك لحظة حاسمة وكبيرة من لحظات الاختبار الكبير للحداثة السياسية، بتمثلات وشطط قوتها الفائضة، سواء داخل أوروبا أو خارجها، وتمثلات بدائلها والآسيوية (وتحديدا التوغل الاستعماري الياباني). وكان المثقف واقفا في قلب تلك اللحظة وموجها لها: فلسفيا، وسياسيا، وقانونيا، وفنيا، وإعلاميا. وتطور وعي ما بعد الحرب النافر منها ومن كل السياسة التي تقود إليها، والمؤمن بإمكانيات الإنسان في إيجاد تزواج ومصالحات بين المصالح المتنافسة والمتضاربة عوض حسمها بالحرب، أو على أقل تقدير حسمها بطرق سلمية وتفاوضية.
في الجزء الآخر من العالم، أي في العالم الثالث أو النامي، وقف المثقف في قلب عملية تحول تاريخي أخرى متمثلة في التحرر ونزع الاستعمار والاستقلال الوطني. في معظم، إن لم يكن في كل حركة تحرر وطني في العالم المُستَعمر، برز مثقفون مناضلون كانوا ضمن "الطليعة الثورية" التي حملت على عاتقها عبء مقاومة الاستعمار، وعبء النهوض بمجتمعاتها من حقبة التخلف.
أنضوى هؤلاء في معظمهم تحت تعريف المثقف العضوي، أو المثقف الغرامشي، المنتمي إلى طبقة أو حزب أو مجتمع، والمدافع عن حقوقه والمنافح عنها ضد الاستغلال وقواه متنوعة المصدر. وانخرطت أجيال من المثقفين العضويين في الصراع الدامي خلال حقبة التحرر، وكانت المعركة المزدوجة، ضد الاستعمار من جهة والاستبداد من جهة ثانية، طويلة ومريرة ومكلفة. khaled.hroub@yahoo.com
¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية