قصة ... جزء 10

    • قصة ... جزء 10

      الجمال الكوني بنجومه المتلألئة كأنها عناقيد مزروعة في ثنايا السماء... والصباحات المشرفة ذات الديمومة الرائعة وتوقد همم الكادحين بنشاطات ذكية.
      قال عنه الرجل الذي ظل يراقبه، لأيام طوال:
      ـ ما اعرفه عن وليد بأنه رجل كيس شهم، عفيف النظر حتى إلى رجل مثله، انه لايطيل النظر إلى محدثه، ولايغرزها في عينيه، فلا يستوحش الناظر إليه.. انه كثير الحياء من كل شيء، حتى من نفسه احيانا.. كأنما يخبي في داخله رجلا عفا.. فمظهره وكلامه وهيئته وانسانيته تجعلك تجزم قاطعا انه ليس بشرا.. يطرد الوجوم من الوجوه ويطفيء لهيب الحزن من الصدور بإبتساماته. كأنما هي جرأته التي يملك.. من عيوبه اللامألوفة، انه يصعد الجبال.. يهوى المغامرات في الرمال.. يقتعد الحصى، يطول النظر في امكنة الوادي.. يتأمل الأفق كل مساء وصباح.. ويسمي مايقوم به بأنه عمل فذ.. وفكرة ذكية للتحاور مع لغة الآفاق البعيدة.. قال لي ذات يوم مندهشا، أولئك الذين لايتفكرون ولايتأملون، محرومون حتى من سعادة الحياة، فالتفكر في الحياة، والنظر إلى اعماق الرمال وآفاق صباحاتها ومساءاتها، تجعلك تكتشف أسرار الجمال الكوني الخفي، فليس أبهى من ان تدرك ماتستطيع.. وليس أغبى من ان تترك ما تستطيع.. الحياة احساس، وسحر الاشياء من حولنا ترفعنا إلى معرفة مانستشعره من سحر..!!
      ـ وماذا بعد..؟! (قال كبير الرجال)
      ـ رأيته يلتقي برجال غرباء لا اعرفهم.. ثم يغيبون عنه فجأة.
      ـ لا تتوقف عن مراقبته حتى تأتيني بالحقيقة الكاملة.
      (قال كبير الرجال)
      * * * * *
      الفضاء صاف والسماء نقية زرقاء والحياة واسعة، ورمالها شاسعه، قاسيه، واوديتها تصدع بأحجارها الصلدة، الملتهبة.
      شعور بالخوف تنزلق فجأة إلى الرجل الذي كلف بمراقبة وليد.. تساوره.. تزداد في نفسه، كلما أحس بأنه مأخوذ بالخوف.. فتبدو قوة النهار أمام ناظريه باهتة، صداع في رأسه عزز من عدم استطاعته على المقاومة الشديدة في داخله.. صوت ذوابات النخيل العالية، وهي تقلبها الرياح.. تزيده ضيقا ووحشة.. وفجأة يرى نفسه قريبا من وليد.. فيبتسم له.. فتتراءى له صورة الرجل الغريب الذي التقاه وليد.. ثم غاب عنه، يتساءل ترى ماهي عاقبة وقفة الرجل..!! قال وليد بتؤدة.. لكل منا إرادة.. قد نختلف في المراد.. وقد تفتر العزيمة وفق قوة الاندفاع من عدمه.
      قال الرجل:
      ـ إني لأعجب فيك، وانت تدافع عن حياة بائسة، حياة مليئة بالعذاب، فحياة الشقاء للأشقياء وانت شاب لك اهتمامات أكبر منها، فلماذا تبحث عن وسيلة للدفاع عنها؟! فليس من المعقول أن يكون رجلا مثلك يهتم بقضايا كبيرة، يدافع عن حياة بائسة؟!
      ـ أنا أدافع عن حياة أجل واعظم، فهذه أخذت اتساعها من امتداد سابق.. فهل استطاع أحد أن يفهم معنى الحياة عليها..؟ فالناس بؤساء ليس لأن الحياة بائسة، ولكن هل يمكن أن يجد البؤساء مكانا للعيش بين الرجال..؟! وهل استطاع كبراؤهم أن يفعلوا شيئا واحدا على الأقل.. للتخفيف عن مآسيهم، أو تغيير عيشهم الاجتماعي سلوكا وأفكارا.. الحياة ليست قوة ولكنها أمانا واطمئنانا أيضا!!
      ـ أتعني بهذا بأنك تهتم بالأيام التي حملت البؤساء على القرف؟ أم على الرجال الذين كان لهم حظ أكبر منهم!
      ـ أنا لا أدافع عن أيام مزرية بالآلام ومشبعة بالقساوة، ولكني أدافع عن كونها ظلمت.. فانزلقت تحت وطأة العربدة، فسلك الرجال شيطنة.. فساءت العلاقات وتغيرت انماط السلوك، وازدادت تعقيدا، وبدت مزعزعة، تبحث عن من يخرجها من محنتها.. وينتشلها من صمتها الذي اثقلها دهرا بعيدا.. إنها تبحث عن رجل الصدفة الذي ينقذها ليشكل لها حضورا حسيا، أو يحفر في ذاكرة الأيام وعيا جديدا.
      ـ وهل لديك ماتفعله لإعادة حياة الأيام.. كما تقول..؟
      ـ نعم، بالمواجهة، إنها القوة الحقيقية التي تثبط الأعمال الحسنة وتحبط النوايا السيئة.. ويجب أن نفعل مايمكننا فعله، كي ننطلق إلى الحياة بوعي، ملؤه الإخلاص، وغايته إظهار الحقيقة، فتثير في النفوس الدهشة والحيرة، سكت، وهو يلحظ على وجه محدثه حالة من الاندهاش والاستغراب، فاستطرد، عندها أو حينما تتداخل الأفكار وتضطرب الوقائع، يكون الوعي بالحياة، بين الواقع والامكانية.. فالنوايا الحسنة، رغبة الرجال، والمعرفة طريق الحياة الحقيقية.. والواقع منطلقا مفعما بالتحدي.
      قال الغريب مقاطعا:
      ـ أليست تلك وحشية النوايا.. فتقليب الواقع إلى واقع مغاير فيه شيء من الرعونة، فهل رغبتك في تغيير واقع الرمال دعوى جديدة..؟! سكت الرجل، ثم رفع رأسه، وقد ألقى نظرة طويلة، في عيني وليد.. واردف، أنا لا أخالفك في شيء، ولكني أعرض وجهة نظري.. أنا اعتقد ان مهمتك صعبة، وتحرير واقع الرجال يحتاج إلى عزيمة التحدي.. وقوة المواجهة، فإن احسنت التعامل فإنك بلا شك ناجح ورب السماء رافعك.. ولدي ما أحمله لك، إن خالفت الكبير فخادن الصغير، واتخذ اسلوبا وسطا، وجاهد بقوة الذي يدفعك، ولاتعجل..!!
      بدا على وليد حالة من السكون، وبدت على عينيه حركة توحي بأنه يتجرد من التساؤلات التي اصطدم بها.. كما بدا له بأنه يقترب من الرجل الغريب، ويحمل جزءا من تلك الهموم التي أبداها..
      قال وليد:
      ـ أعدك بأنه سيكون لي موقف ملتزم.. ثق بأني سأنفث الهراء الذي أعمى بصيرة الرجال.
      قال الرجل، وهو يشعر بأن محدثه قادر على تحريك مجريات الوادي باطمئنان كبير:
      ـ أنا واثق، مطمئن بك.. فإني ألحظ منك الحقيقة.. ولديك العزيمة القادرة على تغيير سلوكيات الرجال بالوادي، طالما تمسكت بالحقيقة..!!
      ـ ولكني أجهل كثيرا من الأمور، حتى ان قصة الرجل الوحيد الذي أثار الرجال، وبسط مثل الحياة، ثم نسيها، إلى أن انتهت حياته ظالما لنفسه.. وكما سمعت أن الرجل ذاك، بلغ مدية الحياة، ووصل إلى حيث غايتها ومنتهاها.. ولكنه ظل عاجزا عن مدى غايتها وتخير هذه الحياة مجبرا، ذلك لأنه وجد نفسه ملئت حياء بسبب خطأ أوقعه في حباله سوء القرين، عندما بدت عزيمته تضعف، وغير مبلغ ميداء الحياة هو ومن معه، حتى جاء بخطايا ثابتة نصا، وقائمة على الحياة حرفا، ونشاز القرين لا يزال يحيط بنا، إلى أن نبلغ منتهى حياتنا إلى غايتها تلك..!
      أيام وادي الحياة (4)
      تلقى الرجال خبر سفر وليد إلى الرمال البعيدة الموحشة بالدهشة ، حيث ان الكثيرين منهم شككوا في قيامه بهذه المهمة الصعبة .. حتى ان الجد الكبير قال عن رحلته تلك .. اني أعلم ان سبر اغوار رمالنا من الأمور الشاقة .. لكنني لا استهين بقدرته فإن ولدي لديه من العزم لم أر في رجل مثله .. ولن يبلغ أحد مقام استطاعته ..!!
      قال رجل ذو غلظة وشدة :
      ـ لقد أصبت كبد الحقيقة .. عندما عبرت عنها بأنها جرداء موحشة .. ربما نصدقك في هذه .. ولكن هل للصحراء ظلام ..؟!
      ـ أجل ، فكل شيء جهل فهمه ، أشبه بالظلام ، إن لم يكن الظلام بعينه .؟! ( قال وليد باهتمام ).
      ـ كيف ؟! ( قال آخر وهو يتحرك للتقدم إليه ) .
      قال وليد .. وقد سحب نفسا طويلا :
      ـ هل استطاع احدكم فهم جمال جردائكم هذه .. بأبعادها
      وسحر تعاظم رمالها ، على الأقل ، لكي يتوصل إلى فك
      غموضها وسحرها الرائع ، حتى ولو كان ذلك عبثا .
      قال الرجل الكبير الذي عرف بالشدة والغلظة :
      ـ لماذا أنت صامت ؟ هيا قل الحقيقة أو أعدل عن رأيك ؟
      ـ لا أضنني بقادر على أن أغير موقفي عن الوادي والحياة .
      ذلك لأنهما صقلا حياتي ، ودفعا إرادتي ، وشدا من عزمي ، وأنا بطبعي أحب أن أبقى دوما في معمعة الحياة والبقاء على حياة الوادي كما أرادتها السماء . وإني لأفضل أن أظل في وضعية المتحدي ، ذلك ما يزيدني اعتزازا ، ويشعرني برغبة العيش بسلام مع الناس .
      قال عمه الكبير :
      ـ ولكن الوصول إلى القمة مقتل مميت للإنسان ، ولا يتسنى لك فعل ذلك إلا بالتدرج ، ألم تنظر إلى ضعفك ، ألست وحيدا والناس من حولك . قد اجتمعوا عليك بكلمة رجل واحد .!
      ـ الأيام كفيلة بأن تثبت لك فلسفتي من الحياة ، فحياة الوادي هي حياة السماء ، كذلك فإن الضعف الذي تراه سوف يولد القوة في نفسي .! وحتما بل أكيد ، بأن الروح الوثابة لا تيأس ، وان النفس المتأججة بالحياة لن تخمد نارها ، وأن القناعة التي بداخلي لن تجد من يسكنها ..! وكفاك قسوة وظلما على قدر حياتي ..!
      ـ هذا ليس ظلما ولا قسوة ، ولكنه خوف عليك من الغدر أو الموت إن أنت أعرضت عن حياة الناس .
      ـ أنا أعتبر الموت شرفا ، إذا كانت الحياة سوف تبقيني كئيبا ذليلا ، لا اقدر أن أفعل شيئا من أجل حياة أولئك الغادين والرائحين من البؤساء ، ولن أوافق على حياة التعاسة التي يقترفها بقية الرجال المترفين .. الموت إذا حافز لي إن لم أجد ما يسعد الناس والحياة ..! سكت وابتلع ريقه بصعوبة .. كأن يبلغ بحنجرته قتادا ، فجأة ، وقف عن الكلام .. لم يستطع أن يبوح بأكثر من ذلك وظل صامتا ..
      قال رجل اشيب الشعر ، اكرش البطن ، ذو وجه عريض متجهم :
      ـ لكنك لم تخبرنا عما حصل لك ، وأنت هناك في الصحراء الجرداء كما اسميتها أو لم يحدث لك شيء رغم ما قيل عنها ..؟!
      ـ لا اكتمكم سرا، وان كنت اعلم انكم لن تفهموني، لقد وجدتني ارتجف، اهذي بشيء، روحي تنتفض، تكاد تنفصل عن جسدي، كأن بركانا ينفجر على جسدي، فأذابت نشوتي بسحر الرمال، وظل جسدي ينزف عرقا، وقلبي يدق بعنف، ورأيتني اقف على شجرة طلح في قلب الرمال القاسية، فأسكنت بها نفسي.. وكانت هي الحقيقة.. لم ارها من قبل.
      ـ بالحقيقة.. اسكنت نفسك، فأي حقيقة تتحدث ؟ قال كبير
      ـ الحقيقة التي تتساءلون عنها، انها شيء كالاحساس، ذات شفافيه تجري بسرعة فتشتعل الانفاس.
      ـ لكننا نريد ان نطلع على ظاهر هذه الحقيقة كي نصدقك ؟
      ـ ليس سهلا(تأوه وهو يسترجع تلك اللحظات).. الامر ليس بسيطا.. ولا مزاح فيه.. الجد فيه هو الغموض.
      قاطعه طويل القامة وفي عينيه بريق خبث:
      ـ ان كنت تريدنا ان نصدقك.. فعليك البرهان؟
      اجاب وليد بحكمة:
      ـ ليس كل انف تحس او تشتم الرائحة الاولى مهما حاولت.. سكت.. واستطرد كذلك، فالليالي المرهقة بالجوع والمثقلة بالحزن، ليست كمثل الليالي المترعة بالشبع والفرح.
      قال كبيرهم وهو ينظر في عيني وليد:
      ـ اخشى عليك من اللحظة اليائسة، خاصة وان افكارك الجديدة تدور في حلقة مفرغة، اني انصحك كونك قريبي اياك ان تذهب بشبابك هدرا في تفاهات وحماقات يائسة، حافظ على مكانة .
      لن تستقيم الحياة إن لمْ يستقم عليها الانسان .!
      لن يُحبّ الله أحداً إلا إذا أحبّ الانسان غيره بصدق ..!!
      الحُبّ الحقيقي تتدفّق عاطفته كما يتدفّق الماء من أعلى قِمّة.!