غزة.. السجن المفتوح أخبار الشبيبة

    • غزة.. السجن المفتوح أخبار الشبيبة

      ليلى الحداد

      لم يكن أبدا قطاع غزة مكانا يعاني نقص الطعام، هو مكان يعوز الناس فيه السبل لشراء الطعام والمنتجات الأخرى جراء سياسة قمعية تقوم على عبارة "لا تنمية، لا رخاء"

      مرت ثلاث سنوات منذ أن كنت هنا في غزة آخر مرة، والكثير قد حدث خلال تلك الفترة؛ فتح تحكم الضفة الغربية، وحماس تحكم قطاع غزة، وهجمات إسرائيلية، ونقص في الوقود، وأزمة في الكهرباء، والقائمة تطول.

      واحتجت أن أستعيد الأمور في ذهني؛ لذا مشيت وتحدثت واستمعت. وذهبت الى الشاطئ حيث النسوة والفتيات يرتدين الجينز ويدخنّ الشيشة، رغم الحظر الذي تفرضه حماس على تدخين النساء للشيشة. وخلال الساعات الثمانية المتوفرة فيها الكهرباء كنت أدخل الى الإنترنت وأتصفح الصحف المكتوبة باللغة الإنجليزية. وبدا لي الأمر وكأن الجميع صاروا خبراء في شأن غزة. والجميع يقول إنه يعرف حقيقة الأمر.

      فتجد البعض ما يزال مصرا على أن غزة تشهد نموا سريعا؛ الأسواق مليئة بالمنتجات، والمطاعم الخلابة منتشرة في كل مكان وهناك الكثير من المولاّت والحدائق العامة والمنتزهات.. وكل هذا يقولون إنه موجود في المكان الأكثر عزلة على وجه الأرض؛ في غزة، ذلك السجن الكبير المفتوح.

      ولو أخذ المرء الأمور بقيمتها الاسمية (بظاهرها فقط) ونحّى جانبا تلك الفكرة الغريبة التي تقول إن وجود مثل هذه المرافق العامة معناه عدم وجود الصعاب، سيجد المرء نفسه ميّالا لأن يصدّق ما يقرأ.

      والآن، هل هناك أزمة إنسانية أم لا؟ رغم أن السؤال يبدو لي سؤال اللحظة الراهنة، إلا أنه واحد من تلك الأسئلة التي من الخطأ أن نطرحها الآن. إن الرسالة التي كنت أسمعها –وما زلت- مرة تلو المرة منذ قدومي الى غزة هي: ليس الحصار حصار طعام، هو حصار حريات- حرية الانتقال الى داخل غزة وخارجها، حرية الصيد في مناطق أبعد من ثلاثة أميال عن الشاطئ، حرية التعلم، حرية الزراعة، حرية البناء، حرية العيش، حرية الازدهار.

      لم يكن أبدا قطاع غزة مكانا يعاني نقص الطعام، هو مكان يعوز الناس فيه السبل لشراء الطعام والمنتجات الأخرى جراء سياسة قمعية تقوم على عبارة "لا تنمية، لا رخاء". والانتقال من نظام "القائمة المفتوحة"- القائمة البيضاء- للواردات المسموح بها الى "القائمة المحددة" -القائمة السوداء- قد يبدو أمرا حسنا، من الجانب النظري فقط. في القائمة المفتوحة كل شيء محظور باستثناء بضعة أمور قليلة، لكن في القائمة المحددة، الأمور غير مفتوحة؛ هناك أشياء محددة محظور استيرادها.

      يقدر اتحاد الصناعات الفلسطيني أن بضعة مئات قليلة من مصانع غزة، البالغ عددها 3900 مصنع وورشة، ستكون قادرة على العمل تحت هذه الظروف الراهنة. وبالطبع هناك عدد من المطاعم الخلابة، ومول جديد (رغم أنه أقل روعة وجمالا عما كان متصورا له). أما بالنسبة للطعام، هناك إمدادات معقولة منه، تجد طريقها الى القطاع، سواء عن طريق المعابر الحدودية الاسرائيلية أو عن طريق شبكة الأنفاق الواسعة بين مصر وغزة. لكن هذا كله يقودنا الى السؤال التالي: من بين سكان غزة الفقراء (الغالبية العظمى من سكان القطاع دخلهم اليومي أقل من 2 دولار امريكي، ونسبة 61 بالمائة منهم خارج مظلة الأمن الغذائي) من بين هؤلاء من يمكنه أن يدفع 4 دولارات في كيلو المانجو، أو 8 دولارات في كيلو العنب؟

      ولكي أستطلع ما وصل إليه الحال، ذهبت الى متجر للبقالة، ووجدت أن سعر كيلو اللحم 13 دولارا للكيلو، والسمك، الذي كان ذات مرة مصدرا للبروتين رخيص السعر، تراوح سعره بين 15 و 35 دولارا للكيلو الواحد. وهذه الأسعار على قدم المساواة مع مثيلاتها في العالم المتقدم، باستثناء أن غزة ليست من العالم المتقدم، هي أرض محتلة تنتمى للعالم ما دون النامي.

      إن الناس في القطاع يريدون الكرامة والحرية والوظائف والرخاء وتوفر الفرص. وربما أكثر ما يريدون هو التحرك بحرية- الأمر الذي ما يزال خارج أيديهم حتى الآن. ولنأخذ كمثال حالة فادي، الذي أجريت لوالده جراحة في القلب مؤخرا. وأراد الابن أن تتم المتابعة لحالة والده في الخارج، لكن "الحالة" لم تكن بين أي من الفئات المحددة المسموح لها بمغادرة غزة، سواء عن طريق مصر أو عن طريق اسرائيل. يقول فادي: "هل يخبرني أحد لماذا ليس بمقدروي أن أقرر أي مستشفي أذهب، وأي وقت أسافر فيه؟".

      المتفوقون من طلاب المدارس الثانوية في غزة عليهم، كذلك، أن يحتالوا كثيرا على السلطات الاسرائيلية ليتمكنوا من السفر الى الخارج لمواصلة تعليمهم في الجامعات. وليفعلوا ذلك فإنهم يقومون في البداية بحملة بالتنسيق مع جماعات حقوق الإنسان لرفع ما يكفي من الوعي بأزمتهم، وبعدها يبحثون عن أفراد في مقدروهم شرح حالتهم من خلال المدونات الالكترونية.

      إن استخدام عبارة "السجن المفتوح" لوصف قطاع غزة، كما فعل رئيس الوزراء البريطاني، ليست بلاغة لغوية شريرة الغرض. بل هي تقليل من حقيقة المأساة والوضع المتردي. فالسجناء مدانون بجريمة ما، ومع هذا، لهم الحق في امتلاك مدخل الى أمور بعينها- الكهرباء والمياه ، بل والتعليم أحيانا- بينما أهالي غزة ليسوا كذلك. فما الجريمة التى ارتكبها أهالي غزة؟ تراها تلك الجريمة التي لخصتها جدتي في عبارة "مولودون فلسيطينيون"؟

      البضائغ المعدة للتصدير لا تغادر القطاع، وكذلك الأشخاص. لذا، بيننا قد يكون هناك بعض الاستقرار في الحياة المدنية في القطاع، ما من أفق سياسي على الإطلاق أو صناع حقيقيون للحرية. وطالما أن حرية التنقل غير متوفرة، والبضائع والمنتجات المعدة للتصدير، والتي تسهم بجزء كبير من ناتج التصنيع في القطاع، ممنوع عليها مغادرة القطاع، لن تجعل كل المولاّت في العالم الحال مختلفة في شيء.

      *صحفية حرة ومصورة ومدونة فلسطينية، تعيش بين قطاع غزة وأمريكا
      الجارديان – ش

      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية