رمضاننا صيفي أخبار الشبيبة

    • رمضاننا صيفي أخبار الشبيبة

      بقلم - محمد بن سيف الرحبي

      كل عام يتقدم شهر رمضان خطوات من ذروة الصيف، قبل سنة جربنا الاقتراب من تخوم حرارة الطقس، وقد عشنا سنوات من المواسم الرمضانية الشتوية، حيث يأتينا وقت الإفطار بدون رغبة حتى في شرب كوب من الماء، إنما مع الموسم الصيفي فالأمور تختلف.

      كلما تذكرت التعب المنتظر أمام مواجهة العطش أعود إلى سنوات الطفولة أتزوّد منها ما يعينني على مواجهة فكرة أن رمضان وصل في موسم الصيف، وأذان المغرب لن يكون قبل الخامسة والنصف مساء، بل إن هذا الوقت سيكون شمسا ساطعة احتمال فكرة المشي تحتها مباشرة، وأن أجهزة التكييف تناضل لمكافحة حرارتها التي تتسلل إلى الجدران الأسمنتية وقد صنعنا منها سجونا حقيقية لولا فتحة صغيرة جدا تسمى نافذة، وأخرى أكبر منها ندعي أنها باب، وأغلبهما مغلق طوال فصول السنة.. بردا أو حرا، أو كما يقول العرب قديما: صرّا أو قرّا.

      جرّبت الصوم وكان في عزّ الصيف، والمختلف كان كثيرا، لا مروحة تخفف عنا حرارته ما عدا الملهبة، علما أننا لا (نهجع) في (قرنة) واحدة، بل حركة دؤوبة للعمل (التعاوني) بين أشجار النخيل والليمون، بمعنى آخر أننا لم نكن نقضي (زهرة) يومنا تحت هدير المكيف (نلعب البلاي ستيشن) بعد أن نكون قد سهرنا معها حتى (مطلع الفجر) لعبا، أو مع الشاشة الصغيرة مشاهدة.

      بمعنى آخر إنني (وبقية الشياب الأربعينيين في عمري) جربنا الصوم في فترة ملتهبة وبأجساد صغيرة لم تراهن في صمودها سوى على قوة الإيمان، خاصة في تلك الفترة التي لم تعرف مثلما يعرف (أبناء اليوم) من وسائل جرّتهم إلى مادياتها وألعابها وشاشاتها، ونكتسب الصمود اليوم كون أن حياتنا أصبحت مرفّهة بشكل كبير مقارنة بحياة الأمس، استبدلنا سخونة (الغربي) ببرودة التكييف، وبعضنا من يتمتع بهدوء الأنواع الجدارية من (المكيفات) مقارنة بالجالسة على ما يشبه النافذة، وصوتها أصبح كقدرتها صعب التقبّل، ومع ذلك ننعي على أنفسنا صعوبة العيش والديون، وكأن هذه الحياة الناعمة (مقارنة بالأمس على الأقل) لا تحتاج إلى فواتير واجبة الدفع.

      كم جيل أن يأتي وقت الإفطار بشعور تعب الصوم، ولدينا رغبة حقيقية في الشعور بفرح يومي للصيام حيث يأتي الأذان ببهجة حلول موعد شرب كوب ماء بعد عطش، وأخذ تمرة بعد جوع، تلك فرحة حلول الشهر الفضيل في موسم صيفي، نتعلم منه حكمة الصوم بصورة أفضل، وندرك فرحته بشكل أعمق.

      أتذكر: النوم تحت (العريش) نهارا (إذا استطعنا إليه سبيلا) وفوق (السجم) ليلا وقد كان سريعا إلينا فلا شيء سوى النجوم نسامرها تلتمع فوق سعف النخيل عاليا، لم نكن نعرف حينئذ نجوم باب الحارة ولم ندرك أن رمضان سيرتبط في أمسياته بفوازير نيللي وشريهان، أقصى ما نسمعه هو مسلسل شنجوب وفاغورة لصالح زعل وفخرية خميس، وأقصى ما نشاهده رؤيتهما معا في مسلسل على تلفزيون جيراننا، بما يسمح به الوقت قبل إسكات صوت (ماكينة الكهرباء) في حارتنا، وبقاء قناديل خافتة نجتهد لننام قبل ذبول شعلتها.

      يحلّ الشهر الفضيل عليّ بشكل مختلف أيضا، ما زلت في الفضاء التركي، وقد خانتني حساباتي في العودة إلى الوطن الجميل قبل حلول الشهر الفضيل بيوم، فاتني تقدير أن رمضان الأتراك يبدأ قبل يوم، وقد بدأ اليوم، أما أذان المغرب (موعد الإفطار) فإنها بعد الثامنة والنصف، واجتهدت كثيرا للتواصل مع (العارفين) في السلطنة للحصول على رخصة إفطار كوني مسافرا، فنهارات اسطنبول ليست بريئة من الحرارة في النهار الذي يبدو أطول حتى من نهارات صيفنا.

      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية