* محمد بن سيف الرحبي
حينما حررت كتبه من منعها رحل..
ذلك الموت المباغت أخذه بما أصابنا بحزن مفاجئ، كأنه لا يزال شابا أسفنا على موته، مع أنه عاش سبعين عاما من العمر المشاكس، إنما القامات الشعرية عليها أن تبقى حتى نرحل نحن، وعلى كتّاب الرواية إمتاعنا بالجديد دائما طالما بقي نفس في جسدنا.
خرجت كتبه من سراديب المنع، لكنه خرج من دنيانا تاركا شقة الحرية لمن يبحث عن شقة يأوي إليها الإنسان البسيط كأكبر أحلامه، وحرية لكل إنسان يأوي إليها إن حاصرته أغلال الرفض والرقابات الصارمة، الحريصة على أخلاق المجتمع، الوصية على أفكار الخلق.
غازي القصيبي، وقد قرأته شعرا ونثرا.. الشاعر الذي اجتمعنا به للمرة الأولى في منزل معالي السيد وزير ديوان البلاط السلطاني، يومئذ قرأ علينا من شعره ما آنسنا، ومن حكاياته ما أضحكنا، وهو المرتحل بين قصيدة بها الحزن الشفيف الممتزج بشجن على المكان، الخليج الذي لم يعد كالخليج الذي عرفه طازجا بارا بأبنائه، خليج الحكايات واليامال، إنما الخليج المندثرة ضفافه تحت ضغط ناقلات النفط وحاملات الصواريخ، المنضغطة مبادئه تحت عجلات القطار العابر بالثروة البترودولارية.
لم أر غازي إلا شابا يشاغب في رواياته، لم أره الأديب الكبير الذي يتعاطى السياسة بل السياسي الكبير الذي يتعاطى الأدب، كل روايات غازي ممتلئة بالمغازي، وأغلبها السياسي الذي حرّف الأشياء حتى لم تعد في أماكنها الصحيحة، أصاب المجتمع والمبادئ والمثاليات حاقنا إياها بحقنته النفطية فحادت عن الصراط المستقيم الذي كانت عليه.
لم أره وزير العمل بل الشاعر الذي يجلس على كرسي الوزارة ليكتب قصيدة، ولم أشعر أنه السياسي المخضرم كدبلوماسي ووزير، والجالس على كراسي مسؤوليات متعددة ومتنوعة.. لم أشعر به يجلس في كل تلك الكراسي إلا ليكتب رواية، أو يبحث عن فكرة، يواجه مشكلة الوزارة الفلانية ليصوغ منها قصة أو مشروع رواية، أخفق في الوصول إلى سدّة منظمة اليونسكو بسبب الفشل العربي في التنسيق فكتب روايته دنسكو، تفاعل مع الشارع العربي (عامة) والسعودي (خاصة) فكانت له جولات من الطرافة الأدبية الغنية بأفكار الأديب الناضج لا الثوري المكابر، فنجح أديبا وتميّز وزيرا، وقبلها أعطى العمل الدبلوماسي حرارة القصيدة أكثر من حرارة المواقف السياسية، وكان سفيرا لثقافة بلاده قبل أن يكون سفيرا لسياستها.
هي كلمات يجب أن تقال في حق رجل أراد أن يخرج عن نطاق العادية فصنع لنفسه اسما جميلا، محبوبا، وكلما شاغب أكثر أحبه قراؤه أكثر.
ذات يوم نشرت وسائل الإعلام صورته كوزير للعمل يزور مواقع العمل، ارتدى مثل ما يرتدي الشباب في مجال عملهم، وفعل مثلما فعلوا، قضى معهم وقتا دفعهم للإنتاج أكثر، منحهم طاقة معنوية كبيرة، لو فعلها غيره لتغيّر الحال كثيرا.
وحتى وهو يواجه معاناة المرض كان حريصا على مراجعة إصداره الأخير (الزهايمر) لم يمنعه الألم من أن يبقى مخلصا لمشروعه الكتابي.. غادرنا صاحب شقة الحرية إلى دار آخرة.. وله خالص الدعاء أن يسعده الله بجنته كما أبهج الملايين بقلمه. Alrahby�?gmail.com
حينما حررت كتبه من منعها رحل..
ذلك الموت المباغت أخذه بما أصابنا بحزن مفاجئ، كأنه لا يزال شابا أسفنا على موته، مع أنه عاش سبعين عاما من العمر المشاكس، إنما القامات الشعرية عليها أن تبقى حتى نرحل نحن، وعلى كتّاب الرواية إمتاعنا بالجديد دائما طالما بقي نفس في جسدنا.
خرجت كتبه من سراديب المنع، لكنه خرج من دنيانا تاركا شقة الحرية لمن يبحث عن شقة يأوي إليها الإنسان البسيط كأكبر أحلامه، وحرية لكل إنسان يأوي إليها إن حاصرته أغلال الرفض والرقابات الصارمة، الحريصة على أخلاق المجتمع، الوصية على أفكار الخلق.
غازي القصيبي، وقد قرأته شعرا ونثرا.. الشاعر الذي اجتمعنا به للمرة الأولى في منزل معالي السيد وزير ديوان البلاط السلطاني، يومئذ قرأ علينا من شعره ما آنسنا، ومن حكاياته ما أضحكنا، وهو المرتحل بين قصيدة بها الحزن الشفيف الممتزج بشجن على المكان، الخليج الذي لم يعد كالخليج الذي عرفه طازجا بارا بأبنائه، خليج الحكايات واليامال، إنما الخليج المندثرة ضفافه تحت ضغط ناقلات النفط وحاملات الصواريخ، المنضغطة مبادئه تحت عجلات القطار العابر بالثروة البترودولارية.
لم أر غازي إلا شابا يشاغب في رواياته، لم أره الأديب الكبير الذي يتعاطى السياسة بل السياسي الكبير الذي يتعاطى الأدب، كل روايات غازي ممتلئة بالمغازي، وأغلبها السياسي الذي حرّف الأشياء حتى لم تعد في أماكنها الصحيحة، أصاب المجتمع والمبادئ والمثاليات حاقنا إياها بحقنته النفطية فحادت عن الصراط المستقيم الذي كانت عليه.
لم أره وزير العمل بل الشاعر الذي يجلس على كرسي الوزارة ليكتب قصيدة، ولم أشعر أنه السياسي المخضرم كدبلوماسي ووزير، والجالس على كراسي مسؤوليات متعددة ومتنوعة.. لم أشعر به يجلس في كل تلك الكراسي إلا ليكتب رواية، أو يبحث عن فكرة، يواجه مشكلة الوزارة الفلانية ليصوغ منها قصة أو مشروع رواية، أخفق في الوصول إلى سدّة منظمة اليونسكو بسبب الفشل العربي في التنسيق فكتب روايته دنسكو، تفاعل مع الشارع العربي (عامة) والسعودي (خاصة) فكانت له جولات من الطرافة الأدبية الغنية بأفكار الأديب الناضج لا الثوري المكابر، فنجح أديبا وتميّز وزيرا، وقبلها أعطى العمل الدبلوماسي حرارة القصيدة أكثر من حرارة المواقف السياسية، وكان سفيرا لثقافة بلاده قبل أن يكون سفيرا لسياستها.
هي كلمات يجب أن تقال في حق رجل أراد أن يخرج عن نطاق العادية فصنع لنفسه اسما جميلا، محبوبا، وكلما شاغب أكثر أحبه قراؤه أكثر.
ذات يوم نشرت وسائل الإعلام صورته كوزير للعمل يزور مواقع العمل، ارتدى مثل ما يرتدي الشباب في مجال عملهم، وفعل مثلما فعلوا، قضى معهم وقتا دفعهم للإنتاج أكثر، منحهم طاقة معنوية كبيرة، لو فعلها غيره لتغيّر الحال كثيرا.
وحتى وهو يواجه معاناة المرض كان حريصا على مراجعة إصداره الأخير (الزهايمر) لم يمنعه الألم من أن يبقى مخلصا لمشروعه الكتابي.. غادرنا صاحب شقة الحرية إلى دار آخرة.. وله خالص الدعاء أن يسعده الله بجنته كما أبهج الملايين بقلمه. Alrahby�?gmail.com
¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية