حديث الغزو أخبار الشبيبة

    • حديث الغزو أخبار الشبيبة

      سمير الجمل

      ليس هناك ما يمنع من تفاعل الثقافات وتواصلها، بشرط أن يتم هذا في مناخ عادل وحر، على أن يتم ذلك في إطار من الندية والرغبة في الانسجام والتكامل وليس التناحر..

      في وقت يتحدث فيه العالم الغربي عن صراع الحضارات وحروب الثقافات، يخرج علينا هنا في عالمنا العربي من يفكر نظرية المؤامرة؛ وتطلع حولك من خلال نافذة الإعلام الفضائي لتجد عشرات القنوات الأجنبية تأتي إلى المشاهد العربي بلغته وعلى هواه.. منها: الامريكي والفرنسي والانجليزي والالماني والكوري والصيني والايراني والتركي. وهي لا تأتي هكذا لأن أبواب بلادها ومشاهدها أغلقت في وجهها فقررت أن تتحول إلى العربية. إنها تنفق الملايين لأهداف تسعى إليها. ولا أقول إن كلها لديها أجندة خبيثة تجاهنا. ولا بأس أن تحاول تقريب المسافات بين بلادها وبلادنا، فهذا هدف ينبغي أن نتطلع إليه نحن أيضا لأن العزلة ليست مطلوبة.

      لكن هل يعقل أن نظل بقنوات العرب، التي تزيد على 600، مجرد أدوات استقبال. ولا ترسل للآخر بلغته ما يعلن عنا وجهات نظرنا كما يفعل هو..

      يفسر لنا "دييتر سنجاس" في كتابه "الصدام داخل الحضارات"، الذي ترجمه شوقي جلال، كيف شهد النصف الثاني من القرن العشرين العديد من الأحداث والتحولات الفكرية والسياسية، التي ساهمت في تغيير جذري في المنظومة العالمية وفي الفكر السائد والموروث.. وهو ما يعرف بحقبة الاستعمار الأوروبي، الذي كان يعتمد على الاحتلال العسكري للبلدان.. فلما حصلت معظم البلاد في العالم الثالث على استقلالها في فترة ما قبل ثورة الشباب في أوروبا 1968 وما بعدها، تغير شكل الاستعمار ليتجه أكثر ناحية الاحتلال الثقافي والفكري وتغيير الهوية..

      ولا يقتصر هذا الأمر على دول العالم الثالث لأن دولة في حجم فرنسا أعلن طائفة كبيرة من مثقفيها عن خوفهم من الهيمنة الثقافية الأمريكية على بلادهم ومحو الخصائص الفرنسية.. فما بالك ببلادنا العربية، التي غادرها المستعمر بجيوشه، لكنه أراد أن تظل تابعة له ومرتبطة به. ومن هنا جاء التفكير في روابط الكومونولث والفرانكفونية: الأولى للبلدان الناطقة بالانجليزية والثانية بالفرنسية.

      ويؤكد لنا "سنجاس" أن الصراع الثقافي قد نجده داخل الدولة الواحدة بطوائفها وطباقتها ومستوياتها.. لكنها في المجمل تصارع ثقافات أخرى خارجية وافدة عليها ويكون البقاء للأقوى.. وليس هناك بالطبع ما يمنع من تفاعل الثقافات وتواصلها، بشرط أن يتم هذا في مناخ عادل وحر، يسمح لي أن آخذ من ثقافتك ما يضيف إلى ثقافتي ويدعم وضعي الحضاري. وفي المقابل تفعل أنت الشيء نفسه، على أن يتم هذا التفاعل في إطار من الندية والرغبة في الانسجام والتكامل وليس التناحر.. لأن الاختلافات أمور طبيعية وإنسانية ومنطقية. ولو شاء ربنا لجعل الدنيا كلها أمة واحدة.

      لكنه سبحانه وتعالى جعلنا شعوبا وقبائل لنتعارف، وتحت مظلة كاملة من الحرية في كل شيء بما في ذلك حرية العقيدة "لكم دينكم ولي دين". ولن يتم هذا إلا عندما تقبل الثقافات على اختلافاتها تلك الفوارق بينها وبين بعضها البعض، في ظل التعايش المتسامح والعملي والمتحضر؛ وقد عانت أوروبا لسنوات طوال من الاختلاف والخلافات حتى بلغت درجة النضج والتفاهم. ومع ذلك هي تحاول احتواء العرب ثقافيا وفكريا من أجل التحكم في مصادر الثروات الطبيعية إلى أقصى درجة.. وكذلك الضمان الكامل بأن هذه البلدان لم تفلت من قبضتها.. إنها السوق الرئيسية لبضاعتها، وهي تتبع في ذلك سياسة إيجاد العفريت وإقناع الكل بوجوده، ثم التأكيد على أنها وحدها هي من تعرف شفرة صرف هذا العفريت وقت ما تريد وبالشكل الذي تريد؛ فهل أمريكا وأوروبا قامتا بدراسة ثقافة العرب جيدا لدرجة الخوف من قوتها وتمردها.. وبالتالي سلطا عليها.. شياطين الأنس والجن والسماسرة والعملاء..

      وقبل كل هذا وذاك زرعوا اسرائيل في المنطقة لكي تصبح شوكة في ظهر العرب إلى يوم الدين.. وتتحول الأزمة الفلسطينية إلى ورقة للتجارة والربح لا يمكن التفريط فيها.. وحلها يعني ذبح هذه الدجاجة التي تبيض ذهبا للمستفيدين والمنتفعين من هذه الأزمة ولحمايتها يجب تغيير مفاهيم الرجولة والنخوة والشهامة والولاء والانتماء والقومية والوحدة والقيم العربية الثابتة.. وكل هذا مدخله وسبيله فتح الأبواب بلا ضابط أو رابط أمام الحرية الفردية.. أو إيجاد ما يسمى بالتعريف الأمريكي "الفوضى الخلاقة".. وباستخدام أيضا ما يمكن تسميته "بالنيران الصديقة".. بأن يقود لواء التغيير والانفلات طائفة تدعي أنها أكثر حرية وتنويرا وبصيرة من غيرها.. إلى حد الإيجاد بامتلاك هؤلاء للحقيقة المطلقة.. ومن هنا يتحول الحق في الأرض والشعب والثوابت.. إلى باطل.. أو العكس..يخلع رداء الثقافة والهوية في مقابل أن تضع اسرائيل الدولة المارقة نفسها تاريخا من التزوير والإفك والبهتان وتصيغه أمام العالم في عبوات من برفانة مكتوب عليها "الحق الأزلي".. وهذا هو رأس الأمر كله في "حديث الغزو".

      samirelgamel@yahoo.com

      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية