إنه الصيام أخبار الشبيبة

    • إنه الصيام أخبار الشبيبة

      أنس فرج

      إن نظرك إلى الحياة ليس كنظر غيرك، فغير المؤمن ينظر إلى هذه الحياة الدنيا نظر التمتع بملذاتها وإعطاء النفس شهواتها، فإذا نال الملذات والمتع اكتفى بذلك وكأنه ما خُلق إلا لهذه المتع، وذاك حال من لا يرجون حسابا ولا يخافون عقابا، (( والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم )) محمد:12 بنى الله دين الإسلام على أركان خمسة، أساسها وأصلها تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله علما وعملا وصدقا وإخلاصا ويقينا ومحبة وقبولا لها، فيعبد الله وحده لا شريك له، ويتبع هذا النبي الكريم ثم أركان الإسلام الأربعة من صلاة وزكاة وصوم وحج جاءت لتقرر أن المؤمن في قلبه إيمان صحيح ويأتيه شهر الصيام والقيام فيستبشر به ويفرح به، يفرح به فرحا عظيما، ويستبشر بمقدم هذا الشهر، ولسان حاله: الحمد لله الذي بلغني صيام رمضان، الحمد لله الذي جعلني من الأحياء لأصوم هذا الشهر وأتقرب إلى الله فيه بما يرضيه عني من الأقوال والأعمال أتى رمضان وأمة الإسلام في فرح واغتباط بقرب هذا الشهر، وكل يتمنى من ربه أن يكون أحد الصائمين القائمين لله في هذا الشهر المبارك؛ ليرجو به ثواب الله ويتقرب إلى الله بذلك العمل.

      إن ربنا جل جلاله يوجه الخطاب إلى أهل الإسلام إلى أهل الإيمان المستجيبين لله ورسوله السامعين المطيعين المنقادين القابلين للأوامر المسلمين لله مراده حينما يخاطبهم قائلا: (( يا أيها الذين آمنوا كُتب عليكم الصيام كما كُتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون )) البقرة:183 يقف المسلم متدبرا متأملا لهذا النداء الرباني العظيم، يخاطب كل مسلم بأعلى صفته وأكملها ألا وهي صفة الإيمان الذي يحمل على الانقياد والاستجابة إن حكمة الله من شرع الصيام لنا مجموع في جزء هذه الآية: (( لعلكم تتقون )) أجل، لعلكم تتقون، كلمة جامعة، كلمة مستوفية للكثير، كلمة هي من جوامع الكلم التي أعطيها نبينا، فيتأمل القارئ الكريم قوله: لعلكم تتقون، ويتدبر كيف يكون الصيام سببا للتقوى، وكل الأعمال الصالحة من صلاة وزكاة وحج وغيرها من الواجبات هي أيضا سبب للتقوى، فلماذا خص الصيام من بين العبادات بقوله: لعلكم تتقون؟!

      الصائم حينما يمتنع عن الطعام والماء ومواقعة النساء منذ طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس ما الذي دعاه لهذا الانقياد؟! ما الذي فرض عليه هذا؟! أحمية التزمها أم مجرد عادة فعلها؟! لا، إنما كان امتناعه عن ملذات النفس وما تدعو إليه النفس وما تميل إليه النفس بطبعها من ماء وطعام ونساء إنما ترك ذلك لأجل الله، إنما امتنع عنها في نهار الصيام تقربا إلى الله، إن الذي دعاه خوفه من الله وخوفه من المقام بين يدي الله، (( ولمن خاف مقام ربه جنتان )) الرحمن:46 الصائم قد يظهر للناس أنه صائم وهو في داخل منزله آكل شارب آت للنساء، وأمام الناس إنه الصائم المتعبد، قد يكون هذا، لكن المؤمن حقا بعكس هذا، حينما تدعوه النفس إلى ما تميل إليه من طعام وشراب ونساء يتركها لما قام بقلبه من اليقين الجازم أن الله مطلع عليه وعالم بسره وعلانيته، (( قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله )) آل عمران:29 إذن ففي الصيام تقوية لجانب الإخلاص، وفي الصيام تقوية لصدق التعامل مع الله، وفي الصيام إظهار الخضوع والذل لله. إن الصائم والماء والشراب والمتع بين يديه، ينظر إليها بعينيه، وبإمكانه تناول ما شاء منها، إذن فيدعوه عندما يؤلمه الجوع والظمأ إلى شكر الله على النعمة التي هي عنده وما تركها إلا طاعة لله، فيتصور عظيم نعم الله عليه والنعم إنما يعرف قدرها من فقدها، وهذا ليس فاقدا لها، هي موجودة عنده لكنه تركها لله، فيشكر الله ويزداد شكرا إنه يربي في النفس قوة الإرادة وتحمل المشاق والصبر على المتاعب حينما يمتد طول النهار وهو صائم لله جل وعلا، يعلمه الصبر الحقيقي؛ الصبر على طاعة الله وعدم الملل والضجر، يعلمه الانضباط في المواعيد، يعلمه قوة الإرادة والتغلب على الهوى وملذات النفس.

      إنه صحة للبدن، ينقيه من فضلات الطعام والشراب، ويهيئه للمستقبل لحياة طيبة إنه دواء للعبد، دواء لأمراض القلوب، عندما يصوم المؤمن رمضان فرمضان يكفر ما مضى من الذنوب، فيعده لرمضان آخر وهو ما زال في طهرة رمضان ونقاء رمضان، ( الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر ) هذا والله تعالى ورسوله والمؤمنون أعلى والله تعالى أعلم

      أنس فرج محمد فرج

      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية