العراق ما بعد الانسحاب الأمريكي أخبار الشبيبة

    • العراق ما بعد الانسحاب الأمريكي أخبار الشبيبة

      كتب - عوض بن سعيد باقوير

      بدأت الولايات المتحدة سحب قواتها القتالية، التي سوف تستكمل نهاية الشهر الحالي بعد مغامرة الغزو الامريكي غير الشرعي لهذا البلد العربي عام 2003 تحت دعاوى مضللة وكاذبة، تكشفت من خلال الوثائق وشهادات العديد من مسؤولي الغرب وفي مقدمتهم وزير الخارجية الأمريكي الأسبق كولن باول، الذي أشار أن المعلومات الخاصة بقضية أسلحة الدمار الشامل التي بررت الغزو الأمريكي للعراق كانت كاذبة وتم تضليله من قبل المخابرات الأمريكية.

      ومع انسحاب قوات الاحتلال الأمريكية من العراق تدريجيا، بحيث ينتهي كليا مع نهاية العام المقبل فإن ثمة تساؤلا حول مصير العراق ما بعد الانسحاب الأمريكي.

      هناك اتجاهان في هذه المسألة الأول يتحدث بأن الانسحاب قد يكون فرصة للعراقيين للتخلص من عبء الوجود العسكري الأمريكي وانتهاء الاحتلال، خاصة وأن القوات الأمريكية وخلال السبع سنوات الفائتة قد ارتكبت جرائم حرب ضد الإنسانية، حيث قتل أكثر من مليون عراقي وتشرد الملايين في دول الجوار والعالم علاوة على انتشار الأمراض والفقر والفساد المالي والذي يعد الأعلى في العالم.

      ومن هنا فإن الانسحاب الأمريكي رغم المآسي المشار لبعضها قد يفسح المجال للنخب السياسية في العراق لإيجاد وسيلة للمصالحة والاجتماع على كلمة سواء والانتقال إلى دولة المؤسسات والقانون وبسط الحرية والديمقراطية وإيجاد أجواء للسلام والاستقرار وبناء ما دمرته الحرب.

      الاتجاه الآخر يشير إلى أن الانسحاب العسكري الأمريكي سوف يفتح الباب على مصراعيه لدخول العراق في مناخ أكبر من دوامة العنف والصراع الطائفي والموجود حاليا وبشكل يومي، وإن ذلك الانسحاب قد يجر العراق إلى حرب أهلية وطائفية حيث إن هذه الأخيرة سببها الغزو الأمريكي وتداعياته السلبية.

      القوات العراقية الحالية وعلى ضوء تحليلات عسكرية لن تستطيع السيطرة على الأوضاع الملتهبة في أجزاء كبيرة من العراق، فنغمة العنف السائدة منذ عام 2003 تواصلت رغم وجود أكثر من 160 ألف جندي أمريكي مع أحدث المعدات والطائرات لأكبر قوة عسكرية في العالم ومع ذلك فشل الجيش الأمريكي في بسط الاستقرار بل على العكس تكبد الأمريكيون أكثر من 4400 قتيل وعشرات الآلاف من الجرحى وهي أرقام تبدو أكبر من ذلك.

      هذا الاتجاه الأخير هو أقرب إلى المنطق السياسي، في ظل فشل تشكيل حكومة عراقية والصراع على منصب رئيس الوزراء بين الكتل السياسية وتواصل أعمال العنف الذي طال المنطقة الخضراء المكان الأكثر تحصنا. ومن هنا فإن الترقب سوف يسود الساحة العراقية بعد اكتمال القوات القتالية الأمريكية نهاية هذا الشهر.

      لقد دمرت أمريكا العراق ليس بسبب امتلاك هذه الأخيرة أسلحة دمار شامل، ولكن حدث ذلك لصالح أمن اسرائيل وهذا ما خطط له المحافظون الجدد من أمثال تشيني ورامسفيلد، ومع تناغم إدارة بوش سيئة السمعة حدث ذلك التدمير الممنهج للدولة العراقية بكل إمكاناتها وحتى علمائها.

      كان إخراج العراق من معادلة الصراع العربي- الاسرائيلي هو أحد الأهداف الاستراتيجية للغزو الأمريكي للعراق، والقضاء على نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، وإدخال العراق في دوامة العنف والطائفية، التي لم يعرفها العراق طول تاريخه الطويل.

      إن العراق يعيش وضعا صعبا حيث انعدام الخدمات وانقطاع الكهرباء وانعدام خدمات الصرف الصحي وتدمير أجزاء كبيرة من البنية التحتية وسرقة الآثار المهمة، التي تزخر بها الحضارات المتعاقبة في العراق. ومن هنا فإن انسحاب القوات الأمريكية هو هروب من المسؤولية حتى أن بعض الساسة العراقيين حذر من تداعيات خطيرة سوف يواجهها العراق في المرحلة المقبلة.

      فشل الكتل السياسية في تشكيل حكومة عراقية، وفي ظل تنامي العنف وانسحاب القوات القتالية الأمريكية والاستقطاب الاقليمي للعراق كل هذه المعطيات سوف تجعل العراق في وضع صعب وخطير، حيث إن القوات العراقية وأجهزة الأمن الحالية لا تستطيع أن تسيطر على الحالة الأمنية في العراق. وهي الحالة التي فشل فيها الجيش الأمريكي بعدته وعتاده على مدى سبع سنوات.

      ان إدارة الرئيس أوباما وصلت إلى قناعة بأن الوضع في العراق معقد ولا يمكن إصلاحه، وعلى العراقيين أن يبحثوا عن حلول محلية لإنقاذ العراق، كما أن الولايات المتحدة تعاني من أزمة اقتصادية خانقة، ولديها صراع عسكري مرير آخر مع حركة طالبان والقاعدة في افغانستان. كما أن الانتخابات النصفية للكونجرس فرضت إيقاعها السياسي في ظل تدني شعبية أوباما على الصعيد المحلي الأمريكي.

      إذن أوباما يريد تحقيق بعض المكاسب السياسية الوقتية في ظل انتقادات الجمهوريين لسياساته في العراق، رغم أن موضوع العراق هو تركة الجمهوريين أنفسهم. وكذلك الصراع في أفغانستان، ومن هنا فإن القرار الأمريكي بسحب القوات القتالية الأمريكية هو خطوة هدفها الهروب من مستنقع العراق، ولكن السؤال هنا ما هي المحصلة النهائية للشعب العراقي من كل ما جرى ويجري في بلده.

      يبدو أن الولايات المتحدة والتي تركز بشكل أساسي على ثروة النفط العراقية سوف يكون لها اهتمامها الاقتصادي والمدني حيث تعتزم فتح العديد من القنصليات في أربيل والبصرة وكركوك الغنية بالنفط وغيرها من المدن العراقية وهذا هو النهج الامريكي على المدى الطويل وهذا بالطبع سوف يعتمد على الوضع الداخلي للعراق والذي لايزال صعبا ومتوترا.

      إن الذي حدث في العراق منذ عام 2003 وحتى الآن هو مفارقة تاريخية ومأساة إنسانية حقيقية تنم عن أنانية مفرطة لبعض الساسة العراقيين وأيضا جريمة بشعة ارتكبتها إدارة بوش السابقة والوضع في العراق في المجمل قد ينزلق إلى ما هو أبعد من العنف اليومي في ظل التجاهل العربي والأطماع الإقليمية في العراق ومع ذلك فإن المرحلة المقبلة سوف تجيب على أي الاتجاهين سوف يبرز على الساحة العراقية الاستقرار والسلام أم تواصل العنف والقتل.

      ويبقي الرهان الوحيد والذي يمكن أن ينقذ العراق من المجهول وهو إيجاد مصالحة عراقية شاملة لا تستثني أحدا حتى البعثيين بحيث تكون مصلحة العراق فوق كل اعتبار وفتح صفحة جديدة كما يحدث في الأحداث الكبرى والتي مرت على دول كثيرة في العالم ولعل دول مثل ألمانيا واليابان والتي عانت الأمرين جراء نتائج الحرب العالمية الثانية انطلقتا وأصبحتا من الدول القوية اقتصاديا وسياسيا وعلميا على مستوى العالم والعراق من خلال إرادة سياسية بعيدا عن الشعارات والمصالح الحزبية والطائفية الضيقة يمكن أن يصبح نموذجا للتعايش السلمي بين كل أبنائه ويخرج بالتالي من المأزق الذي يعيشه العراق شعبا وأرضا خلال السبع السنوات الفائتة وخلال سنوات الصراعات والحروب التي عانى منها طويلا.

      إن الاستقرار السياسي في العراق هو الأولوية في هذه المرحلة والمصالحة الشاملة هي الحل والدول العربية يمكنها المساعدة في هذا الإطار لأن بدون تلك المصالحة ومع انسحاب القوات الامريكية من العراق فإن هذا الأخير قد يدخل في دوامة خطيرة قد تسفر عن حرب أهلية مدمرة وهذا هو الخوف على العراق.

      كاتب وصحفي

      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية