الروائي جمال الغيطاني: خضنا المعركة صائم

    • الروائي جمال الغيطاني: خضنا المعركة صائم

      القاهرة - وكالة الصحافة العربية

      لن ينس الأديب الكبير جمال الغيطاني رمضان/ أكتوبر، الذي رافق فيه جنود النصر، وهم يلحقون أكبر هزيمة حربية، ألحقت العار بالدولة الإسرائيلية، التي زعمت أنها القوة التي لا تقهر.. فإذا بجنود الصوم يضيقون عليهم الدنيا بما رحبت، ويفتحون عليهم طاقة من جهنم ترديهم موتى، وتوقع بهم أسرى، وتلاحق من حاول الهروب في كل شبر على أرض سيناء الطيبة.

      لن ينس صاحب الزينى بركات طفولته في "الجمالية" بجوار من صنعوا الحضارة الإسلامية، وهو يمرح مع أصحابه صغيرا يمسك بيده فانوسا ويملأ الشوارع الفاطمية ضجيجا.

      ينتمي الغيطاني إلى قرية "جهينة" بمحافظة سوهاج في صعيد مصر، لكنه نشأ في أحياء مصر القديمة والفاطمية.. وهو "حي الجمالية"، القريب من حي الحسين.. نشأ وتربى فأشبعت عيناه ونما عقله على التراث المصري الأصيل، وقرأ وسمع الكثير عن تراث العرب فأخرج لنا عدداً من الروايات والأعمال الجيدة، مثل: "الزينى بركات"، "تجليات"، و"حكايات الغريب"، وغيرها. ولأنه عاشق للتراث، ومؤمن بضرورة التنقيب والبحث في الماضي ومزجه أو الاستفادة منه في الحاضر.. فكانت مفكرته الرمضانية على الوتيرة ذاتها، حيث نقرأ معه في أولى صفحات: "رمضان بالنسبة لي مجموعة من الذكريات العطرة المرتبطة بتاريخ مصر والأمة العربية كلها، وأهم ذكرياتي تلك هي أيام معركة أكتوبر، وبالأخص اليوم الثاني من المعركة، وكان يوافق الحادي عشر من أيام رمضان، حيث صدرت تعليمات القيادة المصرية لكل الرجال على جبهة القتال، وكنت واحداً منهم، بضرورة الإفطار حتى نستطيع تحمل حرارة الجو وقسوة أحداث المعركة، لكننا جميعاً رفضنا الانصياع لهذا الأمر، وقررنا خوض المعركة صائمين، تحكمنا وتحثنا روح التحدي والإرادة والإيمان بالله، فكانت "الله أكبر" تزيل لدينا أي إحساس بالتعب، وتدفع في عروقنا قوة لم أشعر بها في حياتي، ولم يشعر أي فرد منا برغبة في الطعام أو الشراب، حتى إننا كنا نضطر أحياناً إلى الصوم حتى ساعات متأخرة من الليل، ولم يكن يَكلُّ جهدنا أو يتطرق التعب إلى أجسادنا".

      وفي صفحة أخرى من مفكرته الرمضانية يعود بنا الغيطاني إلى مرحلة الطفولة داخل حي الجمالية؛ حيث كان يعيش مع أسرته، فيقول: "رمضان في هذا الحي أشبه باحتفالية شعبية رائعة، فلن أنسى تجمع الأطفال حول المساجد انتظاراً لانطلاق الأذان.. بعدها ننطلق جميعاً نحو شوارع الحي كلٌ في طريقه إلى بيته لتناول طعام الإفطار، ولا يفوتني أيضاً منظر موائد الرحمن الممتدة في كل مكان تنتظر كل فقير أو عابر سبيل.. ثم نتجمع نحن الأطفال بعد الإفطار حاملين الفوانيس المصنوعة من المعدن، وبداخل كل منها شمعة تضيئه، وندور في الشوارع ونغني: "وحوي يا وحوي"، ولكَم أتمنى لو عدت صغيراً حتى أعيش هذه الأيام مرة أخرى وأستعيض عن ذلك الآن بزيارة هذه الأماكن، خاصة حي الأزهر والحسين وقهوة الفيشاوي، فللمكان عبق الأزمنة الفائتة تأثيرها وروحانياتها الشديدة على النفس، وهذه الزيارات لابد منها حتى نشعر بالشهر الكريم". وفي صفحة ثالثة من المفكرة، نجد أديبنا يسجل حنينه وشوقه إلى هذه الأيام الأولى، وما أحدثته في تكوينه.. فيقول: "لهذه الأماكن - ويقصد الأماكن الشعبية - سحر خاص في نفسي وكتاباتي، فعلى مدى ثلاثين عاماً عشتها في أحياء القاهرة الفاطمية لم تفارق عينيَّ الطقوس الشعبية والمساجد وظلال الأزمنة المنقضية، وقد أتاح هذا لوعيي وخيالي الانطلاق إلى آفاق بعيدة. ويؤكد الغيطاني أنه من الصعب أن تذهب من القلب أو العقل ذكريات شهر رمضان، "فهي في عروقنا تجري مجرى الدم، وننتظرها كل عام تشحذ نفوسنا وتقوي داخلنا ارتباطنا بالخالق". وأضاف: إن مظاهر رمضان ما زالت موجودة في بعض الأحياء القديمة؛ بل إن الفنادق الكبيرة تحرص على تقليد هذه المظاهر، ورغم تأثير وسائل المدنية الحديثة في بعض مظاهر هذا الشهر، فإن تأثير المكان والعادات يبقى طاغياً، فأينما وليت وجهي فثمة مئذنة، قبة، لوحة خط، زخارف مثقلة بالحنين، وأنفاس الغابرين، وذلك الشجن الشفيف الذي يلف أوقات ما قبل الغروب، وكل هذا أثرى فكرنا وإبداعاتنا الأدبية.

      خدمة (وكالة الصحافة العربية)

      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية