أين يُصنع القرار الوطني؟ أخبار الشبيبة

    • أين يُصنع القرار الوطني؟ أخبار الشبيبة

      * إننا نمتلك كل عناصر الإخصاب وإنجاب نخب التأثير، القادرة على التواصل مع الآخر الذي آمن بأن الرفعة في العلم والثقة في أهله والكلمة الفصل هي التي تأتي من أعماق البحث العلمي والنقد الموضوعي للحقيقة والتجرد في المنطلق.

      سعيد بن سلطان الهاشمي

      يشكل التواصل الفكري والعلمي مع مؤسسات صنع ودعم القرار في أي مجتمع واحدة من أهم الوسائل التي تخدم الأهداف السياسية والتطلعات الاقتصادية، بل تعتبرها مؤسسات الحكم في الدول المتقدمة عنصرا أساسيا لتحليل مدخلات ومخرجات التفاعلات والأحداث المحيطة بها، وتقديم رؤية ثاقبة تعزز من مكانة الدولة وريادتها.

      لقد أضحت هذه المؤسسات التي نعددها في الإعلام، وجماعات الضغط والمؤسسات الأكاديمية ومراكز الأبحاث، إضافة إلى النخب المؤثرة في الرأي العام.. أقول قد أضحت مصدر كل قرار، بل أصبحت مؤسسات الحكم والرأي العام في المجمل تثق بهذه المؤسسات وتتوسم في رأيها الموضوعية والإلمام والشمولية والمصداقية، وغدت منتجاتها الفكرية من دراسات وتقارير ضرورة لإضفاء المصداقية على سياساتها أو عقائدها السياسية كسلوك صحي تمارسه الإدارات الحاكمة، بدءاً بالمجالس المحلية والشركات الخاصة ومروراً بالمجالس النيابية والبرلمانية على المستوى القومي وانتهاءً بالحكومات التنفيذية والإدارات الرئاسية.

      فالجامعات والمؤسسات الأكاديمية عندهم ليست زيادة في "الإكسسورات" الوطنية الرائعة أو "ثانويات كبيرة" تخرج موظفين للقطاعين العام والخاص، بل تعتبر قلب المجتمع النابض ووجهه المشرق الذي من خلاله تقاس حساسية التقدم والنمو الذهني والفكري والعطاء الإنساني في البناء والتنمية، بل تحرص الدول المزدهرة كل الحرص على ضرورة استقلالية تلك المؤسسات مالياً وإدارياً بشكل حقيقي لضمان تخريج العقول القادرة على التحليل والاستنباط والتأمل والتفكر بتجرد لإعادة صياغة الأفكار القادرة على تسيير الآلة الاقتصادية وتشكيل الذهن السياسي في المكان المناسب والزمان الملائم.

      إننا نعـيش فترة مفصلية من تـاريخ التواصل الحضاري الإنساني لدولتنا وأمتنا، فنحن اليوم نُختبر في قدراتنا على التعاون والتبادل والتعايش مع باقي أمم الأرض، كما تختبر تلك الأمم قدراتها وقيمها وثوابتها الإنسانية إذا ما أرادت التعايش معنا والرضا بالاختلافات معها.

      صحيح أننا نملك جامعات عديدة ومؤسسات أكاديمية كثيرة، ومراكز أبحاث متوزعة الكم والكيف، وأجهزة إعلام يعج بها فضاءنا ولكن للأسف لا نملك من كل ذلك إلا شكلانية الهياكل .

      فعندما نريد أن نلامس ما يعاني منه الإنسان البسيط؛ لا نجد من ذلك إلا النزر اليسير جداً، فجامعاتنا لا تغدو إلا صروحا ممردة تُخرّج الموظفين والباحثين عن الستر ولقمة العيش وعند (البعض الكثير) الوجاهة الاجتماعية، ومؤسساتنا الأكاديمية تعج بالأساتذة الذين تتقدم الدال والألف وغيرهما من الألقاب أسمائهم ويحرص على ذلك الحرص الشديد ولكنهم لا يمارسون أي دور خارج أسوار مؤسساتهم تلك، بخلاف أنهم غدوا فئة معزولة ومغلوب على أمرها ولا تخرج عن الخط الذي رسمته لها تلك الجامعة أو هذه المؤسسة وإلا سيكون مصيرهم الإقصاء أو الإبعاد.

      وعلى الرغم من ذلك فإننا نمتلك كل عناصر الإخصاب وإنجاب نخب التأثير، نخب قادرة على التواصل مع الآخر الذي آمن بأن الرفعة في العلم والثقة في أهله والكلمة الفصل هي التي تأتي من أعماق البحث العلمي والنقد الموضوعي للحقيقة والتجرد في المنطلق.

      نتطلع إلى ذلك اليوم الذي تكون لدينا مؤسسات للبحث العلمي فاعلة سياسياً واقتصاديا كتلك التي تعتمد عليها الولايات المتحدة الأمريكية مثل: مجلس العلاقات الخارجية، ومؤسسة كارنيجي، ومؤسسة راند، وهيراتيج، وبروكنجنز، وهوفر، ومعهد الشرق الأوسط أو كجامعات على وزن هارفرد أو ستانفرد أو كولومبيا أو يال أو بيركلي أو جورج تاون أو جورج واشنطن أو أكسفورد أو كمبريدج أو جامعة لندن.

      المهم أن نبدأ الخطوة الأولى في بناء الإنسان وتوفير البيئة المشبعة بالحرية وحب الحوار والبحث العلمي وإعادة النظر في المسلمات التي تعج بها أجواؤنا وعقولنا وقلوبنا، لا أن نخدر عقولنا بالمديح والإطراء والجوائز البراقة.

      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية