أمريكا الجديدة أخبار الشبيبة

    • أمريكا الجديدة أخبار الشبيبة

      توماس فريدمان

      خلال معظم فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية كانت القيادة في أمريكا تعني التخلي المتوازن عن الأمور للشعب. لكن اليوم وطوال العقد القادم على الأقل سيكون معنى القيادة في أمريكا هو السحب المتوازن للأمور من يد الشعب

      في السنوات الأخيرة، غالبا ما كنت أسأل أصدقائي الأوروبيين: أنتم إذن لا تحبون عالما من القوة الأمريكية المبالغ فيها، فكيف، يا تُرى، ستحبون عالما فيه القوة الأمريكية محدودة- لأن هذا العالم في طريقه إلى مسرح جيوسياسي قريب منكم؟ نعم، مضت أمريكا من كونها الرابح الأكبر في الحرب العالمية الثانية إلى كونها واحدة من القوتين العظمتين خلال الحرب الباردة إلى الأمة التى لا غنى عنها بعد فوزها بالحرب الباردة إلى "القوى العظمى المقتصدة" التي نشهدها اليوم. ويبدو أن أمريكا اعتادت على هذا. وما من داع ليقلق دعاة السلام الأمريكيون بعد الآن على "حروب الاختيار". لن تخوض أمريكا هذه الحروب مجددا. فهي لا تطيق الآن غزو أي مكان، حتى لو كان أرضا جرداء.

      ومنذ بداية فترة الكساد في العام 2008 كان واضحا أن طبيعة القيادة- سياسيا أو تجاريا- كان واضحا أن هذه الطبيعة تتغير في أمريكا. فخلال معظم فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، كانت القيادة في أمريكا تعني التخلي المتوازن عن الأمور للشعب. لكن اليوم وطوال العقد القادم على الأقل سيكون معنى القيادة في أمريكا هو السحب المتوازن للأمور من يد الشعب.

      وبكل سهولة ما من طريقة لينظر قادة أمريكا، وهم المجبرون على أخذ المزيد والمزيد من ناخبيهم، ما من طريقة لينظر فيها هؤلاء القادة ليوفروا من خلالها من المال المنفق في السياسة الخارجية وفي الحروب الخارجية. وسياسة الدفاع والخارجية هي مؤشر متخلف، فالكثير من الأشياء الأخرى يتم خفضها أولا. لكن ذلك الخفض في أموال الدفاع والخارجية أطل برأسه بالفعل- يمكننا جميعا أن نسمع تحذيرات وزير الدفاع روبرت جيتس. لكن قوى عظمى أمريكية مقتصدة سيكون لها بلا شك أثارها كالهدير حول الكرة الأرضية.

      وكتاب معلمي وصديقي مايكل ماندلبوم خبير السياسة الخارجية في جامعة جونز هوبكنز، والمعنون" القوى العظمى المقتصدة: القيادة العالمية لأمريكا في عصر الضائقة المالية"، هو كتاب جاء في وقته تماما. يقول ماندلبوم: إن كل أشكال المعاشات والرعاية الصحية المتوفرة بفضل الحكومة (بما في ذلك الرعاية الطبية)، كلها شكلت ما نسبته تقارب الأربعة بالمئة من الناتج الأمريكي بمعدلات الوقت الراهن. وبحلول العام 2050، ستمثل أشكال الرعاية الصحية والمعاشات التي توفرها الحكومة ما نسبته 18 بالمئة من كل ما تنتجه أمريكا.

      وهذا- فوق كل تكلفة إخراج أنفسنا من هذا الركود من خلال حزم الإنقاذ المالي- سيغير من الحياة العامة في أمريكا تغييرا جذريا، ومن ثم تتغير السياسة الخارجية الأمريكية هي الأخرى بشكل جذري. وطوال العقود السبعة الفائتة، كانت الكلمة المحددة والكلمة المقياس في كل من السياسة الخارجية والسياسة المحلية أيضا هي "المزيد"، لكن، بحسب ما قال ماندلبوم في كتابه الرائع، في العقد الثاني من القرن الحادى والعشرين، ستكون الحقيقة المقياسية في السياسة الخارجية الأمريكية هي كلمة "أقل".

      وعندما يثقل كاهل القوى العظمى الوحيدة في العالم هذا الدين الكبير- عليها لنفسها ولدول أخرى- سيشعر كل فرد بالأمر. كيف ذلك؟ من الصعب أن نتنبأ بجواب كيف الآن. لكن كل ما أعرفه هو أن أهم صفة من صفات السياسة الخارجية الأمريكية وأكثرها فرادة طوال القرن الفائت هي تلك الدرجة التي وحدها قدمت دبلوماسية أمريكا وبحريتها وقواتها الجوية والأرضية النفع العام للعالم- من البحار المفتوحة للتجارة المفتوحة ومن الاحتواء إلى محاربة الإرهاب- الذي أفاد ونفع الكثيرين من الأخرين، بجوار أمريكا نفسها.

      لقد كانت القوى الأمريكية القوة الرئيسية التي تحفظ الاستقرار العالمي، وتوفر نموذج الحكم العالمي طوال السبعين عام الفائتة. وهذا الدور قطعا لن يختفي، لكنه في الأغلب سيتقلص. لكن القوى العظمى جميعها اقتصدت من قبل: وبريطانيا مثال جيد. لكن، وكما يشير ماندلبوم، " عندما لم تعد بريطانيا قادرة على حكم العالم، ترقت أمريكا لتحل محلها في هذا. وما من دولة الآن تقف جاهزة مستعدة لتحل محل أمريكا، لذا خسارة السلم والازدهار العالميين يمكن أن تكون أكبر بكثير عندما تسحب أمريكا نفسها للوراء قليلا، أكبر مما كان الحال عليه وقت انسحاب بريطانيا كقوى عظمى من الساحة.

      فأوروبا غنية لكنها جبانة. والصين غنية على المستوى القومي لكنها فقيرة جدا على أساس نصيب الفرد، ومن ثم، هي مكرهة على أن تظل مركزة على الصعيد الداخلي والإقليمي. أما روسيا، الغنية بالنفط حتى الثمالة، فبعيدة عن أن تكون مشروع القوى العظمى. وبناء عليه، كما يتوقع ماندلبوم، سيكون العالم مكانا أكثر خطورة وأكثر فوضوية.

      فكيف يمكن تقليل هذا التوجه أو تخفيفه؟ يرى ماندلبوم أن ذلك سيتم بثلاثة أمور: أولا، نحن بحاجة إلى العودة بأنفسنا إلى مسار مستدام للنمو الاقتصادي والعودة المجددة لعصر التصنيع مع بذل أي تضحية مطلوبة، والعمل بجد، وتحقيق الاجماع السياسي المطلوب لذلك.

      ثانيا، نحن بحاجة إلى ترتيب الأولويات. لقد استمتعنا بقرن من الزمان فيه كان يمكننا -من منظور السياسة الخارجية- أن ننال ما هو ضروري لنا وما نرغب فيه معا. على سبيل المثال، أنا أفترض أنه بعدد لا نهاية له من الرجال ومن المال يمكننا تحقيق النصر في أفغانستان. لكن هل هذا ضروري؟ أنا متأكد من أن ذلك أمر نرغب فيه، لكن هل هو ضروري؟ ثالثا، نحن بحاجة إلى أن ندعم ميزانيتنا العمومية، وأن نضعف من ميزانيات الأعداء العمومية. وأفضل طريقة لفعل هذا كله في خطوة واحدة هي أن تفرض أمريكا ضريبة أكبر على البنزين.

      أمريكا على وشك أن تتعلم درسا صعبا للغاية: يمكنك أن تقترض الطريقة التي تمضي بها إلى الرخاء على المدى القصير، لكن لا يمكنك أن تقترض الطريقة التي تمضي بها إلى السلطة الجيوسياسية على المدى الطويل. وبالنسبة لأمريكا، هذا المدى القصير انتهى وراح لحاله. كان هناك زمن لم يتطلب فيه التفكير بجدية في شأن السياسة الخارجية تفكيرا جديا في شأن السياسة الاقتصادية. هذا الزمن راح هو الآخر. وأمريكا مديونة هي أمريكا بلا صقور- أو على الأقل بها صقور ليست هي تلك التي ينظر إليها أي شخص بجدية.
      نيويورك تايمز- ش

      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية