آدم بالأبيض والأسود

    • آدم بالأبيض والأسود

      آدم بالأبيض والأسود

      رحلة الحياة مليئةٌ بالتناقض والغرائب، إلا أن الأضداد تجتمع في كل أرجاء وأركان الرحلة، ولا يتأتّى لك أن تعاين الاعتدال في سلوكيات شخوصها، إلا فيما ندر، ويندرُ كثيراً أن تجد ذلكم النادر يتجسد في جمعٍ منهم، في مكانٍ واحد، أو محفلٍ يعج بذي القربى وأهل الصلة ومن يجمعهم بيتٌ أو عملٌ أو همٌ مشترك. ليس ذلكم ضرباً من خيال، إنما حقيقةٌ من وقائع يسجلها الزمان، بمدادٍ يذكي روح المرارة، وينكي الجراح الحالمة بالاندمال.
      أجل، تجد في معشر بني الإنسان، من يرحل بك فوق السِماكين تفاؤلاً وأملاً، ويجعلك تاجاً فوق هامِ الفرقدا. تضيءُ وتشرق بجمال حديثهم، وعذوبة استشرافهم، وجلال عزمهم، ورحابة الدائرة الضيقة بداخلهم كلما جنَّ بهم خوفٌ أو وجلٌ أو مأزقٌ ومزلق، شعارهم: نحيا لأن نصلح أخطاءنا، ونقوي من حبل طموحنا، ونرتقي بمنزلتنا، فالخطأ يدفعنا نحو الإقدام بقوة إلى ساحة الإصلاح، وبلوغ ما فشلنا في الوصول إليه سابقاً، فتتجدد أحلامهم، وتنتعش أمانيهم، فهم مستودعٌ أمينٌ للآمال، وغرفٌ مهيأةٌ لتضميد الآلام.
      المتفائلون إن أتيتهم مفلساً، ألبسوك عقوداً من جمان وقلائد من عِقيان، لا تستطيع بيعها في سوق الذهب، لكنها إبريزٌ يدوم لك مدى الحياة في داخلك، وتشعرك بأن ارتداءها والعمل على مضاعفتها ثراءٌ يدوم أبد الآبدين. ثم إنك متى ما شكوت لهم لفح الهواجر وسموم الحياة ومصاعبها وضغوطها وسطوة الالتزامات ومطاردة الدائنين ونذير المؤجرين وتوعد الفواتير، وجدتهم يملؤون أكفهم باسمين رياحين وقطوف من أزهار بساتينهم، هاتفين بصوت الواثق المطمئن الوادع: هاك ما يفلُّ حديد بأسك، ويطارد فلول شياطينك، ويحطم الأغلال التي كبلها لك واقع الحياة الخانق، فاقطف من هذا الجنى ما تشاء، وآمن بأن لا يشقى إلا من اتخذ الشقاء خليلاً وموطنا، ولا تأسى ولا تنسى بأن: "عاش الجمال مشرداً في الأرض ينشد مسكناً" فلا تجعله يقطن غير بيت قلبك، فابق نديماً معربداً لكأس السعادة متى ما ارتشفت منه رشفةً، قلت يا كأس زدني فإني لا أرتوي، فأريج الخزامى متى ما تمازج بعبير الشذى خلَّف نشوةً تفيض بها شقوق الأرض وسبخاتها.
      حقاً، إن المتفائل يهديك طيب الحياة، ويفرش لك الأرض نفح قيصومها وشِيحها وعرارها، ويشعرك بأن السماء تهطل بمزنٍ وأدق، يروي ظمأ قلبك، ويطفئ لوعة هواجسك، ويشعر بأن كل عظيمةٍ مهما تفاقمت ليست بجليلةٍ يصعب حلها، أو داهيةٍ يستحيل الخروج منها، بل كلما لاحت في الأفق غمائمٌ سوداء قاتمة مجلجلة، فغر فمه قائلا بصوته الذي يذكرك بانسكاب المطر ساعة الفجر الصادق المشع: إنها لحظة الألفة بين الغيوم، هذا العناق الحميم، يولد بَرَداً يشفي القلوب من كل علة، ويسقي الأرض اليبس فتنمو وتخضرّ، وتكتب حياةً جديدةً لمشاتل وحدائق ونخيلٍ وأعنابٍ، وستطول سنابل قمحيةَ تهدي الجائع رغيف خبزٍ، والبائس لحظات أنسٍ، والتائه طريق رشد.
      لهم الله، أولئك القوم الذين يحملون في أعماقهم حبَّ الحياة. وتعساً لأضدادهم، من إذا ما جالسته لا يكون حظك منه سوى النكد والضجر، وإن غرَّد طيرٌ بصوته الجميل؛ أقسم بأنه غرابٌ أسودٌ لا يأتي إلا ببينٍ أو شؤمٍ أو خسار؛ فالتعاسة كامنةٌ في أعماقهم كمون النار في الحجر، كلما قدحهم قادحٌ توقدت النار بدواخلهم، وتهيجت الظنون ببواطنهم، فلا يلوون على شيءٍ ما خلا التذمر والشكوى، وطحن حبَّ الحصيد في مطاحن مخروقةٍ لا تنال من الطحن إلا الضياع والأذى، فشتان بين من يرفع ومن يخفض ومن يعطي ومن يسلب، ومن يهبك نضارة الحياة ومن يحرمك متعتها.

    • إن المتفائل يهديك طيب الحياة، ويفرش لك الأرض نفح قيصومها وشِيحها وعرارها،


      كلام جميل ’’ ولكن اين المتفائل برأيك ؟؟


      تجد في معشر بني الإنسان، من يرحل بك فوق السِماكين تفاؤلاً وأملاً، ويجعلك تاجاً فوق هامِ الفرقدا. تضيءُ وتشرق بجمال حديثهم، وعذوبة استشرافهم، وجلال عزمهم،


      راائع للغاية ,,
      كلام طيب ,,
      ولكن اتمنى ان يمر عليه من يجد نفسه غير هذا الكلام فهنا سوف يتغير ..


      شكرا لك ,,
      سابح ’’
      أحب حرف (ذ) ليس لأن الحرف يعنيني كثيراً..
      ..أو أنني أحب شخصاً بهذا الاسم
      ولكن لأنني أجده بعيداً ..
      عن كل (صراعات الحروف) حيث يقطن في الركن
      الأيسر من ( الكيبورد ) أحب أن أعيش مثله بعيداً
      عن مشاكل البشر