روجر كوهين
أوباما يريد زيادة الضرائب على أصحاب المدخولات الكبيرة، والجمهوريون يرون أنه من الجنون أن يتم زيادة الضرائب في وقت الاقتصاد فيه متذبذب؛ لكن هذا ليس جنونا، فإنهاء الخفض الضريبي الذي ينتفع منه الأثرياء فقط هو إشارة على انقسام أمريكا والأمريكان
خلال زيارة دامت أسبوعا، وقفت على شعور عميق بعدم الارتياح لأمريكا بدت أنها تنحدر نحو القبائلية - وهي ليست قبائلية عرقية، بل قبائلية سياسية واقتصادية واجتماعية. وأصبح عدم اليقين هو السائد. فإنقاذ الحكومة لبورصة وول ستريت مصحوبا بالصعوبات الكبيرة، التي تعاني منها الطبقة المتوسطة في محاولتها العيش بمدخولات متهاوية، أذكتا نيران مشاعر الاستياء والسخط بين الأمريكان.
وهذه ليست ظاهرة لحظية. فلا أحد يبدو أنه يعتقد أن معدلات البحث عن عمل ستنخفض بشكل كبير من 9.6 بالمئة حاليا -وهو مستوى نجده غالبا في دولة كفرنسا- في المستقبل القريب. فنعتاد إذن على الأمور العادية الجديدة.
وتحدثت إلى مسؤول سابق في بورصة وول ستريت -هو متقاعد الآن- ترك البورصة قبل بضع سنوات قليلة وأسس مشروعا صغيرا، يضطر فيه إلى دفع رواتب موظفين وعمال لديه (وذلك من الحكمة)، لكنه كان متحررا من آلية الآجال القصيرة المعمول بها في المؤسسات المالية، والتي أصبحت، بحكم معرفة الرجل من خلال حياته المهنية، تحت هيمنة التجار الذين ينظرون إلى الفرص الاقتصادية أكثر مما ينظرون إلى الظروف الاقتصادية.
وأخبرني أن القشة الأخيرة ألمت به في العام 2002، عندما اجتمع كبار التنفيذيين في البنك الذي كان يعمل فيه ليناقشوا مسألة العلاوات الإضافية التي يحصلون عليها. وكانت المسألة أمامهم حينها هي إما أن يبقوا على تلك العلاوات الإضافية في وقت ينكمش فيه الاقتصاد، ما يستلزم تسريح 5 بالمئة من قوة العمل، وإما أن يخفضوا العلاوات بنسبة 25 بالمئة، ما يسمح بنسبة الـ 5 بالمئة من قوة العمل أن تظل في وظائفها. وطلب الشخص الذي كان يدير هذا الاجتماع من الحاضرين أن يصوتوا على مسألة خفض العلاوات. وكان هناك ثلاثون شخصا في الاجتماع، ثلاثة فقط منهم رفعوا أيديهم بالموافقة. وكان من تحدثت إليه واحدا منهم. وتواصلت عمليات الشطب الوظيفي، وغادر هذا المسؤول التنفيذي منصبه.
أمريكا أرض من الترابطات والتحالفات. والتعاضد والتضامن لم يختفيا من الأرض. لكنها في حالة تراجع للوراء. وليس من بين هؤلاء الذين أرادوا الاحتفاظ بالعلاوات (ما يعني تسريح 5 بالمئة من قوة العمل) من يمكن وصفه بالشخص الفقير. وأصبح التهشم والتفتت مسيطرين. وبعد أن تعودنا أن يكون سوق المال وكيلا عادلا (ممثلا) لحالة الاقتصاد، أصبح سوقا للتجار وليس المستثمرين. وهؤلاء يريدون أن يعرفوا مستوى التذبذب في الناتج اليوم وغدا؛ هم قادرون على جني المال -كالمنشار- صعودا وهبوطا؛ وهم يكترثون بشكل أقل بكثير للشركات الأمريكية.
لذا، يمضي السوق حيث يمضي -صعودا، لكن بلا اتجاه (ما يجعل الأمر أصعب على التجار الذين يذوقون الصعود والهبوط)- بينما يتواصل الكفاح من أجل الحفاظ على المدخولات. وأصبح الناس يعملون لساعات أطول، ويكافحون من أجل أن يتمكنوا من توفير احتياجات أطفالهم، والارتقاء بمستوى العيش ولو قليلا، وزيادة المدخول ولو قليلا- وهم لا يزالون مطالبين بأن "يستهلكوا" من أجل مصلحة الاقتصاد. وفي العقدين الأخيرين، تضاعف نصيب أعلى واحد بالمئة من العائلات الأمريكية من الدخل القومي، ليصل إلى 20 بالمئة وتلك نقلة كبيرة.
وتبدد أمل أوباما في وقت قصير. لكنه لا يقع عليه وحده اللوم بالكامل، كما أنه ليس بغير الملام. وما قالته فيلما هارت، إحدى مساندات أوباما من الأمريكان السود، بأنها "تعبت" من الدفاع عنه، ضرب على وتر الوطنية الحساس، لأن الكثيرين من الأمريكان يشعرون بنفس الأمر.
وفي بريطانيا هناك نفس المشكلات الاقتصادية -مشكلات ما بعد هدوء الصخب- كالديون الشخصية والدين القومي، وعجز الموازنة الكبير. لكن رئيس وزراء بريطانيا المحافظ ديفيد كاميرون وشركاءه من الحزب الديموقراطي الليبرالي تمكنوا بالفعل من السمو فوق الحزبية، وفعلوا العمل الحزبي المشترك- فهل لاحظ هذا أي من الجمهوريين؟ هم -البريطانيون- يتطلعون إلى تحقيق الاستقرار خلال خمس سنوات، عبر قانون جديد وعبر الخفض المؤلم لعدد الحقائب الوزارية في الحكومة.
وجدل السياسة في أمريكا أمر يصيب بالدوار. فلا أحد يعرف ما إذا كان هناك تحفيز مالي في الطريق، بعد حزمة التحفيز المالي الأولي التي بلغت 787 بليون دولار أمريكي، ولا أحد يعرف كيف سينتهي كل هذا اللغط حول الضرائب. فالخفض الضريبي الذي تقرر في عهد بوش وانتفع به الأثرياء وأصحاب المشاريع الصغيرة الذين يحققون مدخولا أكبر من 250 ألف دولار في العام ستنتهي مدته القانونية بنهاية العام الجاري. وأوباما يريد زيادة الضرائب على أصحاب المدخولات الكبيرة. لكن الجمهوريين يرون أنه من الجنون أن يتم زيادة الضرائب في وقت الاقتصاد فيه متذبذب.
لكن هذا ليس جنونا. فإنهاء الخفض الضريبي الذي ينتفع منه الأثرياء فقط هو إشارة على انقسام أمريكا والأمريكان، ودليل على أن كل جانب من الجانبين مطلع على ما عند الجانب الآخر. لكن في ظل وجود احتمالات بأن يشهد أوباما هزيمة مرة في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، يبدو أن الأمر سيستمر طويلا. وما تحتاج إليه أمريكا قبل أي شيء هو بعض الوضوح وإحساس بالاتجاه- إحساس من ذلك النوع الذي منحه كاميرون لبريطانيا، وذلك النوع الذي تسير وفقه الصين الصاعدة.
نيويورك تايمز- ش
أوباما يريد زيادة الضرائب على أصحاب المدخولات الكبيرة، والجمهوريون يرون أنه من الجنون أن يتم زيادة الضرائب في وقت الاقتصاد فيه متذبذب؛ لكن هذا ليس جنونا، فإنهاء الخفض الضريبي الذي ينتفع منه الأثرياء فقط هو إشارة على انقسام أمريكا والأمريكان
خلال زيارة دامت أسبوعا، وقفت على شعور عميق بعدم الارتياح لأمريكا بدت أنها تنحدر نحو القبائلية - وهي ليست قبائلية عرقية، بل قبائلية سياسية واقتصادية واجتماعية. وأصبح عدم اليقين هو السائد. فإنقاذ الحكومة لبورصة وول ستريت مصحوبا بالصعوبات الكبيرة، التي تعاني منها الطبقة المتوسطة في محاولتها العيش بمدخولات متهاوية، أذكتا نيران مشاعر الاستياء والسخط بين الأمريكان.
وهذه ليست ظاهرة لحظية. فلا أحد يبدو أنه يعتقد أن معدلات البحث عن عمل ستنخفض بشكل كبير من 9.6 بالمئة حاليا -وهو مستوى نجده غالبا في دولة كفرنسا- في المستقبل القريب. فنعتاد إذن على الأمور العادية الجديدة.
وتحدثت إلى مسؤول سابق في بورصة وول ستريت -هو متقاعد الآن- ترك البورصة قبل بضع سنوات قليلة وأسس مشروعا صغيرا، يضطر فيه إلى دفع رواتب موظفين وعمال لديه (وذلك من الحكمة)، لكنه كان متحررا من آلية الآجال القصيرة المعمول بها في المؤسسات المالية، والتي أصبحت، بحكم معرفة الرجل من خلال حياته المهنية، تحت هيمنة التجار الذين ينظرون إلى الفرص الاقتصادية أكثر مما ينظرون إلى الظروف الاقتصادية.
وأخبرني أن القشة الأخيرة ألمت به في العام 2002، عندما اجتمع كبار التنفيذيين في البنك الذي كان يعمل فيه ليناقشوا مسألة العلاوات الإضافية التي يحصلون عليها. وكانت المسألة أمامهم حينها هي إما أن يبقوا على تلك العلاوات الإضافية في وقت ينكمش فيه الاقتصاد، ما يستلزم تسريح 5 بالمئة من قوة العمل، وإما أن يخفضوا العلاوات بنسبة 25 بالمئة، ما يسمح بنسبة الـ 5 بالمئة من قوة العمل أن تظل في وظائفها. وطلب الشخص الذي كان يدير هذا الاجتماع من الحاضرين أن يصوتوا على مسألة خفض العلاوات. وكان هناك ثلاثون شخصا في الاجتماع، ثلاثة فقط منهم رفعوا أيديهم بالموافقة. وكان من تحدثت إليه واحدا منهم. وتواصلت عمليات الشطب الوظيفي، وغادر هذا المسؤول التنفيذي منصبه.
أمريكا أرض من الترابطات والتحالفات. والتعاضد والتضامن لم يختفيا من الأرض. لكنها في حالة تراجع للوراء. وليس من بين هؤلاء الذين أرادوا الاحتفاظ بالعلاوات (ما يعني تسريح 5 بالمئة من قوة العمل) من يمكن وصفه بالشخص الفقير. وأصبح التهشم والتفتت مسيطرين. وبعد أن تعودنا أن يكون سوق المال وكيلا عادلا (ممثلا) لحالة الاقتصاد، أصبح سوقا للتجار وليس المستثمرين. وهؤلاء يريدون أن يعرفوا مستوى التذبذب في الناتج اليوم وغدا؛ هم قادرون على جني المال -كالمنشار- صعودا وهبوطا؛ وهم يكترثون بشكل أقل بكثير للشركات الأمريكية.
لذا، يمضي السوق حيث يمضي -صعودا، لكن بلا اتجاه (ما يجعل الأمر أصعب على التجار الذين يذوقون الصعود والهبوط)- بينما يتواصل الكفاح من أجل الحفاظ على المدخولات. وأصبح الناس يعملون لساعات أطول، ويكافحون من أجل أن يتمكنوا من توفير احتياجات أطفالهم، والارتقاء بمستوى العيش ولو قليلا، وزيادة المدخول ولو قليلا- وهم لا يزالون مطالبين بأن "يستهلكوا" من أجل مصلحة الاقتصاد. وفي العقدين الأخيرين، تضاعف نصيب أعلى واحد بالمئة من العائلات الأمريكية من الدخل القومي، ليصل إلى 20 بالمئة وتلك نقلة كبيرة.
وتبدد أمل أوباما في وقت قصير. لكنه لا يقع عليه وحده اللوم بالكامل، كما أنه ليس بغير الملام. وما قالته فيلما هارت، إحدى مساندات أوباما من الأمريكان السود، بأنها "تعبت" من الدفاع عنه، ضرب على وتر الوطنية الحساس، لأن الكثيرين من الأمريكان يشعرون بنفس الأمر.
وفي بريطانيا هناك نفس المشكلات الاقتصادية -مشكلات ما بعد هدوء الصخب- كالديون الشخصية والدين القومي، وعجز الموازنة الكبير. لكن رئيس وزراء بريطانيا المحافظ ديفيد كاميرون وشركاءه من الحزب الديموقراطي الليبرالي تمكنوا بالفعل من السمو فوق الحزبية، وفعلوا العمل الحزبي المشترك- فهل لاحظ هذا أي من الجمهوريين؟ هم -البريطانيون- يتطلعون إلى تحقيق الاستقرار خلال خمس سنوات، عبر قانون جديد وعبر الخفض المؤلم لعدد الحقائب الوزارية في الحكومة.
وجدل السياسة في أمريكا أمر يصيب بالدوار. فلا أحد يعرف ما إذا كان هناك تحفيز مالي في الطريق، بعد حزمة التحفيز المالي الأولي التي بلغت 787 بليون دولار أمريكي، ولا أحد يعرف كيف سينتهي كل هذا اللغط حول الضرائب. فالخفض الضريبي الذي تقرر في عهد بوش وانتفع به الأثرياء وأصحاب المشاريع الصغيرة الذين يحققون مدخولا أكبر من 250 ألف دولار في العام ستنتهي مدته القانونية بنهاية العام الجاري. وأوباما يريد زيادة الضرائب على أصحاب المدخولات الكبيرة. لكن الجمهوريين يرون أنه من الجنون أن يتم زيادة الضرائب في وقت الاقتصاد فيه متذبذب.
لكن هذا ليس جنونا. فإنهاء الخفض الضريبي الذي ينتفع منه الأثرياء فقط هو إشارة على انقسام أمريكا والأمريكان، ودليل على أن كل جانب من الجانبين مطلع على ما عند الجانب الآخر. لكن في ظل وجود احتمالات بأن يشهد أوباما هزيمة مرة في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، يبدو أن الأمر سيستمر طويلا. وما تحتاج إليه أمريكا قبل أي شيء هو بعض الوضوح وإحساس بالاتجاه- إحساس من ذلك النوع الذي منحه كاميرون لبريطانيا، وذلك النوع الذي تسير وفقه الصين الصاعدة.
نيويورك تايمز- ش
¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية