سراديب التاريخ أخبار الشبيبة

    • سراديب التاريخ أخبار الشبيبة

      توماس فريدمان

      هناك ثورة تختمر الآن في أمريكا، وهي ليست ثورة في جناح اليمين فقط، بل في الوسط الراديكالي أيضا، وهناك على الأقل جماعتان جادتان، واحدة في شرق أمريكا، والأخرى في غربها، تطوران حزبا ثالثا لتتحديا به نظام الحزبين الأمريكي المنحط .

      أرسل لي صديق في العسكرية الأمريكية قبل أسبوع رسالة بالبريد الإلكتروني، ضمنها اقتباس من كتاب المؤرخ لويس مامفورد "حالة الإنسان"، الذي يدور حول تطور الحضارة. وفي كتابه هذا، وصف مامفورد انهيار روما قائلا: "كان كل شخص يضع الأمن نصب عينية، ولم يقبل أحد (تحمل) المسؤولية. والأمر الذي كان مفقودا، طويلا جدا قبل أن تفعل الغزوات البربرية فعلتها، وطويلا جدا قبل أن تصبح الاضطرابات الاقتصادية خطيرة، كان هو التحرك نحو الداخل (المحاولة الباطنة). كانت الحياة في روما تقليدا لحياة: مجرد محاولة التماسك. وكان الأمن هو كلمة السر - كما لو أن الحياة عرفت أي شكل آخر من الاستقرار بخلاف الذي عرفته من خلال التغيير المستمر، وكما لو أن الحياة عرفت أي شكل من أشكال الأمن بخلاف الذي عرفته خلال الاستعداد الدائم للمخاطرة".

      لقد كان ذلك واحدة من "سراديب" التاريخ التي لها صدى قوي في الحاضر، لدرجة أنها تثير في بدني قشعريرة. ورغم أني، وبعد الأسبوع الذي أمضيته في وداي السيلكون، هنا في أمريكا متحدثا مع المتخصصين في التكنولوجيا في الشركات العملاقة مثل تويتر وإنتل وغيرها، خلصت إلى أن تلك المنطقة لم تفقد بعد دافعية التحرك نحو الداخل، أو المحاولة الباطنة، في كل مكان آخر بخلاف تلك المنطقة يذهلني ويصدمني المستوى الذي وصل إليه الاستياء من واشنطن، ومن نظام الحزبين -وكان مستوى الاستياء كبيرا جدا لدرجة أني مستعد أن أخاطر وأعلن هذه النبوءة: إن لم يكن هناك تحول في الحزبين الديمقراطي والجمهوري، سيكون هناك مرشح جاد وخطير ينتمي لحزب ثالث في العام 2012، تدعمه، أو تدعمها، حركة سياسية جادة – وستكون تلك الحركة قطعا كبيرة بما يكفي للتأثير في نتيجة الانتخابات.

      هناك ثورة تختمر الآن في أمريكا، وهي ليست ثورة في جناح اليمين فقط، بل في الوسط الراديكالي أيضا. وأنا أعرف على الأقل جماعتين جادتين، واحدة في شرق أمريكا، والأخرى في غربها، تطوران حزبا ثالثا لتتحديا به نظام الحزبين الأمريكي المنحط، الذي هو على رأس أسباب الانهيار الأمريكي التدريجي المطرد.

      والرئيس أوباما لم يكن ذلك الفاشل الذي لم يفعل شيئا. فهو صاحب إنجازات حقيقية. فلقد تمكن من توسيع الرعاية الصحية، وأعاد تنظيم القوانين المالية، وجعل الاقتصاد يستقر، وبدأ مبادرة الإصلاح القومي للتعليم، وقاد حربا ذكية وعنيفة على القاعدة.

      لكن هناك زاوية أخرى ظهرت خلال العامين الأخيرين: فالرئيس الذي فاز بتفويض سياسي ساحق، مدفوعا بحركة شباب مليئة بالحيوية والطاقة، وسيطر على كل من مجلس النواب ومجلس الشيوخ -سيطر على مقدار من السلطة كان يتمناه أي رئيس آخر لنفسه وقت السلم- كان قادرا فقط على تمرير توسيع برنامج الرعاية الصحية، يمكن القول إنه كان مزيجا من التنازلات المؤلمة دون المستوى الأمثل، ما من أحد متأكد أنه سينجح، أو أن أمريكا قادرة على أن تطيق تكلفته (كما أنه لا يتعامل مع مشكلات التكلفة أو الجودة)، وحزم تحفيز محدودة لم تقلص معدلات البحث عن عمل، أو تصلح البنية الأساسية، وقانون مالي لا يزال بحاجة إلى تفسير وشرح من قبل المشرعين وأهل الخبرة، لأنه ما من شخص وافق على البنود الحاسمة فيه. بالإضافة إلى هذا، اضطر أوباما إلى أن يتخلى عن قانون الطاقة/ المناخ برمته، وإن عاد الجمهوري إلى مجلس النواب، ربما لا يكون هناك قانون طاقة حتى العام 2013.

      وفي الأغلب بذل أوباما قصارى جهده، وهذا هو بيت القصيد. فأفضل ما يمكن أن يقدمه الحزبان الرئيسيان الآن -في أعقاب أسوأ أزمة وجود يمر بها الاقتصاد الأمريكي- هو دون المستوى الأمثل. والجهد دون المستوى الأمثل لا بأس به في الأوقات العادية، لكن الحاضر الأمريكي ليس من بين تلك الأوقات العادية. لذا، على الأمريكان أن يتوقفوا عن انتظار "السوبرمان"، ويبدأوا في بناء إجماع من أجل القيام بما هو صعب من الأمور، ويجب أن يقوموا به الآن. فإن تفعل حسنا اليوم لم يعد أمرا قريبا من فعلك ما يكفي.

      يقول البروفيسور لاري دياموند، أستاذ العلوم السياسية في جامعة ستانفورد: "هناك حزبان مفلسان، يعملان على إفلاس أمريكا. ونظام الحزبين نظام متحجر حقا؛ هو يعوزه التكامل والإبداع وكل إحساس بالشجاعة أو الطموح الكبير في مواجهة المشكلات. ولن نكون قادرين على فعل الأمور التي نحن بحاجة إلى أن نفعلها كدولة واحدة لنمضي قدما".

      لذا، يجب على أمريكا أن تفتح ممزقة ذلك الاحتكار الثنائي لحزبين فقط، ويجب عليها أيضا أن تتحدى هذا النظام بحزب ثالث يتحدث عن إصلاح التعليم، من دون القلق من مخالفة النقابات؛ يتحدث عن الإصلاح المالي من دون القلق من خسارة تبرعات وول ستريت؛ يتحدث عن خفض ضريبة الشركات لتحفيز سوق الوظائف من دون القلق من مخالفة أقصى اليسار؛ يتحدث عن إصلاح الطاقة والمناخ دون القلق من مخالفة أقصى اليمين والديمقراطيين من الولايات المعتمدة على الفحم؛ يتحدث عن إصلاح الرعاية الصحية من دون القلق من مخالفة شركات الأدوية والتأمين الصحي.

      وإن كانت المنافسة جيدة للاقتصاد، لماذا لا تكون جيدة للسياسة؟ كما تعجب البروفيسور دياموند. أمريكا بحاجة إلى حزب ثالث على ساحة الانتخابات الرئاسية القادمة، لينظر إلى الأمريكان في عيونهم (بلا خوف) ويقول: "هذان الحزبان يكذبان عليكم. هما لا يستطيعان قول الحقيقة، لأن كل واحد منهما واقع منذ عقود في مصيدة المصالح الخاصة".
      نيويورك تايمز – ش

      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية