فيليب بوبيت
يمكن لأوروبا وأمريكا أن تحسنا كثيرا من نظاميهما لو نظرتا عن قرب الى الاستراتيجية المعمول بها في نظم الإنذار. والأهم من هذا، هو ضرورة أن تميز الحكومات بين ثلاث وظائف مختلفة يمكن لمستشاريها القيام بها: الإبلاغ عن الخطر وشد الانتباه للخطر والتحذير من الخطر
في الثالث من أكتوبر الجاري، حذرت وزارة الخارجية الأمريكية كل رعاياها من خطر هجمات إرهابية محتملة في أوروبا. وفي نفس اليوم، حذرت بريطانيا رعاياها من خطر هجمات إرهابية محتملة في فرنسا وألمانيا. وبعد فترة قصيرة، أنذرت الحكومة الفرنسية مواطنيها من تفاقم خطر وقوع هجمات إرهابية في بريطانيا.
وفي الأسابيع الأخيرة القريبة، أشارت المعلومات من مصادر عديدة الى أن القاعدة قد تخطط لهجمات واسعة النطاق على الغرب. وفي يوليو الفائت كشف مواطن ألماني من أصل أفغاني، تم القاء القبض عليه في العاصمة الأفغانية كابول، كشف عن مؤامرة لشن هجمة ارهابية في ألمانيا على طراز هجمات مومباي التي وقعت في العام 2008. وفي الرابع من أكتوبر الجاري، هاجمت طائرة أمريكية من دون طيار اقليم شمال وزيرستان، في باكستان، وقتلت 11 عنصرا من الجهاديين، من بينهم خمسة على الأقل حاصلون على المواطنة في ألمانيا. وفي الخامس من أكتوبر الجاري، ألقلت الشرطة الفرنسية القبض على 12 شخصا لهم صلة بصانع قنابل جزائري، تم إلقاء القبض عليه مؤخرا في إيطاليا.
وفي هذا السياق، ولسوء الحظ، عقدت تلك التحذيرات الصادرة من حكومتي بريطانيا وأمريكا، من الأمور أكثر. فقد قيل للأمريكان أن "يتخذوا تدابير السلامة والأمان المناسبة لحماية أنفسهم حال سفرهم خارج البلاد". وأشار تقرير في التايمز الى أن غموض التحذيرات "جَسدَ الأزمة التي تواجهها السلطات في أمريكا وأوروبا في إعلانها عن خطر أو تهديد تقول الاستخبارات عنه أنه حقيقي، لكنها غير قادرة على تحديده".
ويمكن لأوروبا وأمريكا أن تحسنا كثيرا من نظاميهما لو تراجعتا الى الوراء ونظرتا عن قرب الى الاستراتيجية المعمول بها في نظم الإنذار. والأهم من هذا، هو ضرورة أن تميز الحكومات بين ثلاثة وظائف مختلفة يمكن لمستشاريها القيام بها: الإبلاغ عن الخطر وشد الإنتباه للخطر والتحذير من الخطر.
والابلاغ هو ببساطة أن تضع الحكومات أكبر قدر ممكن مما تعرفه بين يدي الشعب، دون المساس بالمصادر الاستخباراتية والتدابير المضادة. وشد الانتباه للخطر يعني التواصل بين المسؤولين في القطاع العام والافراد من الشعب في القطاع الخاص ممن يديرون -الأماكن- الأهداف المحتمل تعرضعها للخطر، عندما يكون هناك مبرر قوي لاتخاذ خطوات أمنية جديدة. والتحذير من الخطر معناه تحذير الشعب عندما يكون هناك أمر محدد يجب الحذر منه، ويمكن للحكومة أن تنصح نصائح محددة بخصوص كيفية التقليل من المخاطر الكبيرة.
فكيف يمكن تطبيق هذا الكلام؟ لو أن الحكومات تعتقد أنها تعرف شيئا ما قادما في الطريق، لكنها لا تعرف متى ولا أين، عليها أن تبلغ الشعب بطبيعة ذلك التهديد، وليس أكثر. وهذا سيشمل، على سبيل المثال، معلومات عامة عن أنشطة القاعدة: "ناقش أسامة بن لادن علانية رغبته في الحصول على السلاح النووي، وحاول مرة واحدة على الأقل، أن يشتري المواد النووية".
ولو كانت الحكومات تعرف أن أمرا سيحدث، وتظن أنها تعرف مكان حدوثه أو تعرف موعد حدوثه، لكن ليس الاثنين معا، عليها أن تشد انتباه المسؤولين الفيدراليين والمحليين، بالاضافة الى الناس في القطاع الخاص ممن يديرون البنوك والمستشفيات والطوارئ ومحطات الطاقة وما شابه ذلك. على سبيل المثال، تقول الحكومة: "نعتقد أن القاعدة جعلت من تمثال الحرية هدفا لها". وأخيرا، لو شعرت الحكومات أنها تعرف كلا من مكان وزمن وقوع الهجمة، عليها أن تنذر الشعب مباشرة، وتزوده بأكبر قدر ممكن من التفاصيل.
نحن نحتاج الى ذلك التمييز بين الأمور الثلاثة ليس فقط لنتمكن من تجنب الارتباك العام، بل أيضا لنحد من التكلفة الواقعة على كاهل الشعب بسبب الإرهاب. فلو أن الحكومات شدت انتباه الشعب لخطر محتمل في الوقت الذي كان يجب عليها أن تبلغه فقط بهذا الخطر، هي بلا داعي تزيد من التكلفة وتفرض احتياطات طويلة المدى من المستحيل المحافظة عليها. وعندما تنذر الحكومات مرارا وتكرارا عندما يكون من الأجدر بها أن تشد الانتباه للخطر، يكون هذا أشبه بقصة صراخ الطفل طالبا نجدته من الغرق، وهو بعيد عن الماء (استغاثة مخادعة)، ما يجعل تكلفة الإنذار الحقيقي أعلى.
ومن الناحية الأخرى، عندما تبلغ الحكومات بوجود الخطر في الوقت الذي يجدر بها أن تحذر منه، يفقد الشعب ثقته في الحكومة، وتتوافر فرصة لظهور نظريات المؤامرة.
والنهج العام الذي يقضي بأن يبقى كل أمريكي على إطلاع على الأنشطة الارهابية هو مدخل جيد. لكن اعلانا مثل الذي قامت بها الخارجية الأمريكية مؤخرا، وحذرت من خلاله المواطنين الراغبين في السفر الى الخارج، هو إعلان واسع نطاقه جدا، يغرمنا تكلفة من دون أن يفعل شيئا لتوفير الحماية لنا.
*أستاذ القانون بجامعة كولومبيا الأمريكية، وزميل جامعة تكساس الأمريكية، وعضو فرقة العمل التابعة لمعهد هوفر، والمعنية بشؤون الأمن القومي والقانون.
نيويورك تايمز - ش
يمكن لأوروبا وأمريكا أن تحسنا كثيرا من نظاميهما لو نظرتا عن قرب الى الاستراتيجية المعمول بها في نظم الإنذار. والأهم من هذا، هو ضرورة أن تميز الحكومات بين ثلاث وظائف مختلفة يمكن لمستشاريها القيام بها: الإبلاغ عن الخطر وشد الانتباه للخطر والتحذير من الخطر
في الثالث من أكتوبر الجاري، حذرت وزارة الخارجية الأمريكية كل رعاياها من خطر هجمات إرهابية محتملة في أوروبا. وفي نفس اليوم، حذرت بريطانيا رعاياها من خطر هجمات إرهابية محتملة في فرنسا وألمانيا. وبعد فترة قصيرة، أنذرت الحكومة الفرنسية مواطنيها من تفاقم خطر وقوع هجمات إرهابية في بريطانيا.
وفي الأسابيع الأخيرة القريبة، أشارت المعلومات من مصادر عديدة الى أن القاعدة قد تخطط لهجمات واسعة النطاق على الغرب. وفي يوليو الفائت كشف مواطن ألماني من أصل أفغاني، تم القاء القبض عليه في العاصمة الأفغانية كابول، كشف عن مؤامرة لشن هجمة ارهابية في ألمانيا على طراز هجمات مومباي التي وقعت في العام 2008. وفي الرابع من أكتوبر الجاري، هاجمت طائرة أمريكية من دون طيار اقليم شمال وزيرستان، في باكستان، وقتلت 11 عنصرا من الجهاديين، من بينهم خمسة على الأقل حاصلون على المواطنة في ألمانيا. وفي الخامس من أكتوبر الجاري، ألقلت الشرطة الفرنسية القبض على 12 شخصا لهم صلة بصانع قنابل جزائري، تم إلقاء القبض عليه مؤخرا في إيطاليا.
وفي هذا السياق، ولسوء الحظ، عقدت تلك التحذيرات الصادرة من حكومتي بريطانيا وأمريكا، من الأمور أكثر. فقد قيل للأمريكان أن "يتخذوا تدابير السلامة والأمان المناسبة لحماية أنفسهم حال سفرهم خارج البلاد". وأشار تقرير في التايمز الى أن غموض التحذيرات "جَسدَ الأزمة التي تواجهها السلطات في أمريكا وأوروبا في إعلانها عن خطر أو تهديد تقول الاستخبارات عنه أنه حقيقي، لكنها غير قادرة على تحديده".
ويمكن لأوروبا وأمريكا أن تحسنا كثيرا من نظاميهما لو تراجعتا الى الوراء ونظرتا عن قرب الى الاستراتيجية المعمول بها في نظم الإنذار. والأهم من هذا، هو ضرورة أن تميز الحكومات بين ثلاثة وظائف مختلفة يمكن لمستشاريها القيام بها: الإبلاغ عن الخطر وشد الإنتباه للخطر والتحذير من الخطر.
والابلاغ هو ببساطة أن تضع الحكومات أكبر قدر ممكن مما تعرفه بين يدي الشعب، دون المساس بالمصادر الاستخباراتية والتدابير المضادة. وشد الانتباه للخطر يعني التواصل بين المسؤولين في القطاع العام والافراد من الشعب في القطاع الخاص ممن يديرون -الأماكن- الأهداف المحتمل تعرضعها للخطر، عندما يكون هناك مبرر قوي لاتخاذ خطوات أمنية جديدة. والتحذير من الخطر معناه تحذير الشعب عندما يكون هناك أمر محدد يجب الحذر منه، ويمكن للحكومة أن تنصح نصائح محددة بخصوص كيفية التقليل من المخاطر الكبيرة.
فكيف يمكن تطبيق هذا الكلام؟ لو أن الحكومات تعتقد أنها تعرف شيئا ما قادما في الطريق، لكنها لا تعرف متى ولا أين، عليها أن تبلغ الشعب بطبيعة ذلك التهديد، وليس أكثر. وهذا سيشمل، على سبيل المثال، معلومات عامة عن أنشطة القاعدة: "ناقش أسامة بن لادن علانية رغبته في الحصول على السلاح النووي، وحاول مرة واحدة على الأقل، أن يشتري المواد النووية".
ولو كانت الحكومات تعرف أن أمرا سيحدث، وتظن أنها تعرف مكان حدوثه أو تعرف موعد حدوثه، لكن ليس الاثنين معا، عليها أن تشد انتباه المسؤولين الفيدراليين والمحليين، بالاضافة الى الناس في القطاع الخاص ممن يديرون البنوك والمستشفيات والطوارئ ومحطات الطاقة وما شابه ذلك. على سبيل المثال، تقول الحكومة: "نعتقد أن القاعدة جعلت من تمثال الحرية هدفا لها". وأخيرا، لو شعرت الحكومات أنها تعرف كلا من مكان وزمن وقوع الهجمة، عليها أن تنذر الشعب مباشرة، وتزوده بأكبر قدر ممكن من التفاصيل.
نحن نحتاج الى ذلك التمييز بين الأمور الثلاثة ليس فقط لنتمكن من تجنب الارتباك العام، بل أيضا لنحد من التكلفة الواقعة على كاهل الشعب بسبب الإرهاب. فلو أن الحكومات شدت انتباه الشعب لخطر محتمل في الوقت الذي كان يجب عليها أن تبلغه فقط بهذا الخطر، هي بلا داعي تزيد من التكلفة وتفرض احتياطات طويلة المدى من المستحيل المحافظة عليها. وعندما تنذر الحكومات مرارا وتكرارا عندما يكون من الأجدر بها أن تشد الانتباه للخطر، يكون هذا أشبه بقصة صراخ الطفل طالبا نجدته من الغرق، وهو بعيد عن الماء (استغاثة مخادعة)، ما يجعل تكلفة الإنذار الحقيقي أعلى.
ومن الناحية الأخرى، عندما تبلغ الحكومات بوجود الخطر في الوقت الذي يجدر بها أن تحذر منه، يفقد الشعب ثقته في الحكومة، وتتوافر فرصة لظهور نظريات المؤامرة.
والنهج العام الذي يقضي بأن يبقى كل أمريكي على إطلاع على الأنشطة الارهابية هو مدخل جيد. لكن اعلانا مثل الذي قامت بها الخارجية الأمريكية مؤخرا، وحذرت من خلاله المواطنين الراغبين في السفر الى الخارج، هو إعلان واسع نطاقه جدا، يغرمنا تكلفة من دون أن يفعل شيئا لتوفير الحماية لنا.
*أستاذ القانون بجامعة كولومبيا الأمريكية، وزميل جامعة تكساس الأمريكية، وعضو فرقة العمل التابعة لمعهد هوفر، والمعنية بشؤون الأمن القومي والقانون.
نيويورك تايمز - ش
¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية